أدخلوا مساكنكم بقلم عثمان حسن عثمان

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
أدخلوا مساكنكم بقلم عثمان حسن عثمان


إن منزلة الأسرة ومكانتها من المجتمع بمنزلة القلب من الجسد إذا صلحت صلح المجتمع كله وإذا فسدت فسد المجتمع بأسره، لأنها دعامة لايقوم إلا عليها،ولبنة لايكتمل بناءه إلا بها.

فإننا إذا أردنا أن نهلك مجتمعا ما بدأنا بإفساد الأسر وتفكيكها وإغراقها في الشهوات وطمس معالمها المعنوية حتى يخر عليهم الجهل من فوقهم والفقر السلوكي قبل المادي, وحينها ينهار بناء هذا المجتمع ويمحى أثره وتضعف مقوماته فيصير خاويا على عروشه من القيم ويصبح هباءا منثورا (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا)"الإسراء" (ولو أن أهل القرى ءآمنوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون)"الأعراف".

لذلك كانت الأسرة محل عناية من قبل ديننا الحنيف بتربيتها وتقويمها إصلاح ما فيها من عوج حتى يكون المجتمع متماسكا ومن ثمّ تؤدي الأمة واجبها الموكل إليها وتحمل عبئها الثقيل ورسالتها التي من أجلها أخرجت للناس، فمن أجل ذلك الواجب العظيم وهبها المولى عزوجل خيريتها..ووسطيتها وشهادتها على العالمين؛ ومنحها الخصائص والمقومات التي بفقدانها وتركها تفقد الأمة صلاحية حمل الرسالة النبوية كما حدث ذلك في أمة بني إسرائيل عندما حُمِّلت التوراة فلم يحملوا أنفسهم عليها فضلاً عن أن يحملوها للناس، فكان جزاءهم أن نُُُزعت منهم مهمة حمل رسالات السماء وأوكلت للعرب ليس لأنهم متميزون عرقياً فهم لم يكونوا في طليعة الأمم إلا بعد التزامهم برسالة الإسلام، وليس لأن العرب متميزون جغرافياً فأرضهم كانت غير ذي زرع، وإنما لخصائص معنوية متمثلة في(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أي المدافعة حتى لاتفسَد الأرض وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله..قال تعالى:(وكنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)" آل عمران "، بالإضافة إلى الإيمان بكل معانيه العميقة الدقيقة ومفهومه الشامل الواسع في صبر هذه الأمة على مغريات الحياة ودوافع السقوط وعلى الأبتلاءات التي ستواجهُها في مسيرتها الرسالية فالصبر نصف الإيمان.

إن أعداءنا "المغضوب عليهم" المتربصون بديننا والمتآمرون عليه عرفوا هذه الحقيقة، فأرادوا بخططهم البرتوكولية المدبّرة أن يُفسِدوا يفككوا الأسر المسلمة حسداً من عند أنفسهم عن طريق وسائل الإعلام المختلفة من الصحف والمجلات والإذاعات والفضائيات وأفلامهم ومسلسلاتهم ومواقعهم الإلكترونية بما يُسمّى بـ"العولمة الثقافية" أو ما نسميه نحن بالغزو الثقافي. فقد أتوا بما يعرف إعلامياً بالأسرة البديلة وتحرُّر المرأة من كافة القيود الاجتماعية ومناهضة العنف ضدها وحرية الشذوذ الجنسي؛بمعنى أن للفرد الحق والحرية المطلقة في تكوين أسرة محرّرة من القيود الفطرية، فيتزوّج الرجل من الرجل والمرأة من جنسها المماثل ومن حق المرأة أن تعدّد الأزواج مثلما هو متاح ومباح للرجل في المجتمع المسلم، وقد مُنحت إمرأة ـــ تنتمي إلى المجتمع الغربي المنحرف ـــ الحق في الزواج من كلبها؛فتنقلب بذلك مهمة الكلب التي خُلِق من أن أجلها ويتحول من حارسٍ أليف إلى زوجٍ لطيف ؛ فلنتأمل إلى أي حد بلغ الانحراف الأخلاقي بهذه المجتمعات الجاهلة بل تعدي الشذوذ و( الخروج من الفطرة ) إلى التزاوج مع الحيوان، إنه الانحطاط بعينه إلى درك البهيمية و التصادم البيّن مع الفطرة السليمة ( أولئك كالانعام بل هم أضل ) .

لذلك فإن نبينا الكريم الذي لا ينطق عن الهوي قد جعل الاهتمام التربوي بالأسرة من قوارب النجاة من النار في الآخرة ومن الانحلال والتفكك في الحياة الدنيا , فقد روي الترمذي من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت يارسول الله : ما النجاة غداً من النار ؟ قال : أمسك عليك لسانك , وابك على خطيئتك ،وليسعك بيتك " . فهذا الحديث يتضمن البعد السلوكي الأخلاقي لإصلاح الفرد والأسرة ، والمقصود بالبيت هنا " البيت المسلم " فهو الأولي بالتربية لأن الله أمر نبيه الخاتم بإصلاح بيته قبل الخروج إلى مجتمعه فقال تعالي : " وأنذر عشيرتك الأقربين " وهذا المعني توضحه الآية الكريمة " يا أيها الذين أمنوا قو أنفسكم وأهليكم ناراًَ وقودها الناس والحجارة ....." التحريم .

فهذا نداء عاجل إلى المؤمنين بأن يعملوا على إصلاح بيوتهم من الداخل حتي ينصلح المجتمع ، وعلى المؤمن الفطن أن يأخذ العبرة والحكمة – في الرجوع إلى العرف السائد والمتماشي مع الفطرة ورفض الثقافات الدخيلة على المجتمع المسلم – أي يأخذها من النملة السليمانية في قوله تعالي :" وقالت نملة ياأيها النمل مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون " النمل . هذه النملة المذكورة في الآية بصيغة النكرة رأت بحكمتها أن تنقذ قومها من الخطر المقبل عليهم بإسداء النصح لهم وإنذارهم وتحذيرهم ووضع الحل الناجع وهو أن يعودوا إلى مساكنهم الأصلية. فحال هذه النملة يشبه تماماً حال الداعية إلى الفضيلة وصراط الله المستقيم، وذلك النمل المهدد والمعرض للخطر يشبه حاله حال أمتنا التي تكاد أن تتحطم بخطر الغزو الثقافي الذي أحاط بها وأقبل عليها دون أن تشعر.

كما يشبه حالها أيضاً حال يوسف "عليه السلام" حينما أُلقِي في الجُب؛فأمتنا التي أُلقِيت في غيابة جُبّ الاستلاب الثقافي وبعُدت عن معينها الصافي تحتاج إلى سيّارة تلتقطها ــ كما التقطت يوسف ــ فتنقذها من ويلاتها وتعود بها إلى خيريّتها؛ وهذه السيارة هم " حملة دعوة الحق والغرباء الذين يحيون سنة نبينا بعد اندثارها ".

إن المغضوب عليهم ومن تبعهم من أعداء الإسلام يريدون منا أن نخرج من مساكننا التي ألفناها وأن نسير على نهجهم ونقتفي أثرهم بحجة التحرر من القيود المألوفة والأعراف والتقاليد والتعاليم الدينية – فهي عندهم مخدِّرة للشعوب من التطور ومواكبة العصر – حتى يتحقق أملهم وهو إخراج الاسلام من حلبة الصراع . " يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متمُّ نوره ولو كره الكافرون " ، "والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيما " .

وسوف لن تسترجع الأمة صلاحيتها في حمل رسالتها المحمدية إلى العالم وكل ما فقدته بسبب الغزو الفكري إلا بالرجوع بالأفراد والأسر المسلمة إلى تعاليم دين الفطرة فهماً شاملاً وتطبيقاً صحيحاً وتربية للأمة بمنهجها القرآني الفريد والتحرُّر من كل سلطان أجنبي ، لأن الإسلام رسالة تربية قبل أن يكون رسالة جهاد وقتال ؛ ورسالة قيم قبل أن يكون رسالة تنظيم وتشريع .

لذلك يتوجب علينا معرفة الاتجاه الصحيح الذي ينبغي أن نسير فيه أي ذلك الاتجاه الذي يدفعنا ويقودنا إلى تحقيق الخير والهدف الأسمى في هذه الحياة الذي هو رضى الله سبحانه وتعالى .

المصدر