أسَر َ القلوب في حياته.. وأحرَق القلوب في وفاته

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
أسَر َ القلوب في حياته.. وأحرَق القلوب في وفاته


بقلم: الأستاذ محمد سعيد صالح

انتقل إلى رحمة ربه الرحيم الرحمن الداعية الرباني الشيخ الحبيب خليل بن حسين الصيفي بعد عمر مليء بالجهاد والتضحية في سبيل نشر دين الرحمة متنقلاً بين لبنان والبرازيل، عن عمر ناهز 76 عاماً حيث وافته المنية في صيدا المدينة التي انطلق بدعوته منها والتي سكن قلوب أبنائها وسكنت بأبنائها قلبه.

الشيخ خليل الصيفي ولد في بلدة السلطان يعقوب - البقاع - لبنان، عاش طفولته فيها ثم انتقل إلى دمشق حيث تعلم فيها حتى نهاية المرحلة الثانوية بعد أن انقطع عن الدراسة أربعة عشر عاماً بسبب المرض وبعد البلدة عن مراكز التعليم. ثم التحق بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وتخرج فيها بتقدير جيد جداً.

عين بعد ذلك إماماً للمسجد العمري الكبير في صيدا عام 1969 عندما كان المد القومي واليساري على أشده فبدأ بشق طريق دعوة الإسلام وحيداً، ولاقى خلال هذه المسيرة العنت والمشقة والتحدي من جميع الاتجاهات الفكرية، فصبر وعمل بصمت وثبات حتى يسّر الله هذه الدعوة إلى قلوب ثلة من الشباب الذين رباهم على عينه وأسس معهم تنظيم الجماعة الإسلامية فقوات الفجر التي قارعت العدوّ الصهيوني بعد اجتياح عام 1982 للبنان وأرغمته على الانسحاب من إقليم الخروب وصيدا.

ثم بعد عام 1978 انتقل إلى ميدان آخر من ميادين الجهاد والدعوة، إلى البقاع اللبناني - جب جنين أولاً فبعلبك، حيث أثمرت دعوته أيضاً تنظيماً للجماعة الإسلامية وجمعية الأبرار بمستوصفاتها ومدارسها التي تدين له بالفضل.

وتدين له كذلك الجالية الإسلامية في البرازيل التي تردد إليها وأقام فيها معلماً وهادياً ومرشداً، فترك الأثر الطيب في نفوس المسلمين وحتى البرازيليين حيث أسلم على يديه الكثير منهم.

الشيخ خليل الصيفي فضلاً عن أنه داعية ناجح أحبته القلوب واطمأنت اليه النفوس، هو شاعر ينبض شعره بالحياة، أخرج ديوانه «ريح وريحان» بعد عودته من البرازيل عام 2008 يحمل خلقه وروحه وصفاته، فهو كالريح العاتية في وجه الظلم والطغيان وكالريحان في طيبه وشذاه.

تميّز الشيخ خليل بصفات كثيرة ميزته عن غيره من الدعاة. فهو إلى فهمه العميق لوظيفة الإسلام في حياة الإنسان، متحرك من أجل ما آمن به، لا يعرف الكلل، ثابت لا يتزحزح لا تهزه العواصف ولا يرهبه الطغيان.

فكم رأيته يسير وحيداً في الليالي والليالي الماطرة يتنقل بين القرى في زمن كان كل إنسان يلوذ ببيته وأسرته خوفاً على نفسه من التصفية الجسدية أو الخطف والتغييب رغم ما كان يتلقى من التهديدات وما يضغط عليه من المحبين والمشفقين، فكان يقول للجميع: «ألم يمارس على الصحابة أكثر من ذلك فصبروا ولولا صبرهم لما وصل إلينا هذا الدين؟».

وهو إلى ذلك مؤثر على نفسه منكر لذاته كريم معطاء، فكثيراً ما كان يستدين ليسدّ حاجات اخوانه، وأسرته.

وكان رحمه الله صابراً محتسباً يعيش مشاكل الناس ويصبر على غلاظاتهم ويحسن إليهم رغم الإساءات، دائم البشر والابتسام، ما رأيته مرة ضجراً متأففاً ولا غاضباً معنفاً.

وكان رحمه الله حاد الذكاء جميل العبارة رقيق الكلمات محاوراً ممتازاً لا يعمل على كسب المواقف مع الخصوم، بل كان همه كسب القلوب وتأليفها على الله ليعمل الجميع في الدعوة إلى الله التي وهبها حياته وكان عمره وقفاً عليها.

ما علمت له خصماً ولا معاتباً لموقف أو كلمة، ولا رأيته مرة مطالباً لحق له أهدر أو كرامة أُهينت، بل كان متسامحاً مع الجميع متنازلاً عن رأيه من أجل جمع كلمته ولمِّ شعث الأمة.

أما سيرته مع أسرته فأختصرها بكلمة واحدة: (أعذر أُسرتي إذا قصّرت في أمور الدنيا ولا أعذرها إذا قصّرت في أمور الدين).

لقد عاش معنى قوله تعالى {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين} فكانت حياته تعبيراً صادقاً ومطابقاً لذلك.

شيّعه أهله وأحباؤه الذين توافدوا إلى منزله من كل لبنان في مأتم مهيب لم نشهد له مثيلا. رثاه العلماء والدعاة والشعراء مما أبكى العيون والقلوب.

رحم الله الداعية الشيخ خليل الصيفي.

لقد أسر القلوب في حياته وحرق القلوب في وفاته.

المصدر