أَصلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم
بقلم: الشيخ نزيه مطرجي
إن فساد ذات البَيْن آفةٌ ساحقةٌ ماحقةٌ حالقة، تَحْلِق الدين لدى المتنازعين والمتخاصمين من المؤمنين، وإن صلاح ذات البين نِعمة سامقة ناطقة رائقة، تَرْقى بالمصلحين فتبوّئهم رُتبةً تسمو على مراتب المصلحين والصائمين والمتصدّقين.
إن الخصومات بين الناس مَشْغلة للقلب، مَغْضبة للرب، مَجْلَبة للهمّ، مَضيعة للعمر! لا يميل إليها ويسقط في بُؤْرتها إلا كلّ شقيّ تعيس، ولا ينأى عنها وينجو من سَطوتها إلا كلّ تقيّ سعيد!
ورد في السنّة الصحيحة أن غلامين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم اقتتلا: غلام من المهاجرين، وغلام من الأنصار، فنادى المهاجر: يا لَلمهاجرين! ونادى الأنصاريّ: يا لَلأنصار! فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: «ما هذا؟ دعوى أهل الجاهلية؟ قالوا: لا يا رسول الله، إلا أن غلامين اقتتلا، فكَسَع أحدُهما الآخر (ضربه على قَفاه)، فقال: لا بأس، ولينصر الرجل أخاه ظالماً أو مظلوماً: إن كان ظالماً فَلينهَهُ فإنه له نصر، وإن كان مظلوماً فلينصُره» أخرجه مسلم.
إن الخصام بين المسلمين، والنزاع في أمور الدنيا والدين واقع لا محالة في حياة المؤمنين، فإن طبائع الناس مختلفة، ورغباتهم متعارضة، فلا جرَم أنهم يختلفون ويتصارعون ما بقي على ظهر الأرض نفس منفوسة، وقلوب منكوسة، وهمزات منحوسة، والله تعالى يقول: {ولا يَزالونَ مُختلفينَ.. إلا مَنْ رَحِمَ ربُّكَ ولذلك خَلَقَهُمْ} هود: 118-119.
لكنّ كلّ نِزاع أو فراق ينبغي أن يعقبه إصلاح ووفاق، فالإصلاح بين المتخاصمين من جلائل الواجبات والأعمال التي شرعها رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلّم وحثّ عليها.
ورد في الحديث: «ليس الكذّابُ الذي يُصلح بين الناس فَيَنْمى خيراً أو يقول خيراً» متّفق عليه.
ولما كان الخلاف لم يخلُ منه قرن من القرون الذهبيّة، فإنه لا تنجو من شرّه جماعة من الجماعات العصرية ولو كانت ذات رسالة ربّانية، وأهداف قُدسيّة!
إن مما يُنذر بالخطر، ويعود على الدعوة بأفدح الضَّرر، أن يدبّ الخلاف وينشب الصراع بين رجال الدعوة أنفسهم، فتظهر للناس آثاره، وتتهدَّد المجتمعَ المسلمَ أخطارُه! لا نُكرانَ أن الدعوة ليست بمأمن من هذا الداء، فإنها تشهد حدوث خلافات كثيرة، بعضُها يؤدّي إلى فساد ذات البَيْن، بين عامّتهم وخاصّتهم، وقاعدتهم وقيادتهم، في أيام عزّ الدعوة وهَوانها، أو شدّتها ورخائها، بعضُها خلافات تنظيمية وتنظيرية، وأخرى تشريعيّة وسياسيّة ، وبعضها ماليّة ودنيويّة, وقد تُذاع أخبار السوء في الناس، فتذوق الدعوة بذيوعها مُرَّ الكاس! وهذا فيه من شدة الألم «وَقْعَ السِّهامِ ونَزْعُهنَّ أليمُ»!
وقد تُنسَج خيوطُ حَلِّ الخُلْف في داخل الصفّ، فتُؤْتَى البيوتُ من أبوابها، وتُحفَظُ للدعوة كرامتُها, وقد يفشل الداخل في فضّ النزاع، ويلجأ المتنازعون إلى الاحتكام إلى القضاء! وهذا ما يوقِع الدعوة في حَمْأة البلاء، ويُورِثها شماتة الأعداء!
إن إصلاح ذات البَيْن الذي نَنْشدُه لا يَضطلع بدوره إلا السّادةُ النُجُب من رجال الدعوة، ومَن أخذ من النُّبل والفضل، ومن الحزم والعزم بنصيب وافر، وحظي بِكفْلٍ من رحمة الله تعالى وهَدْيه، وبحظٍّ من نِعَم الله ولُطفه.
قال عَلْقمة لصاحبه مَيْسرة: إذا استوى حالُكم وحالُ العامّة، وتشابه الوَصْف على الناس بينكم وبينهم، فأيّ فضل يكون لكم على سواكم؟
قال مَيْسرة: أجل الأمر كذلك، فإن لسان الحال أبلغ في الوعظ من لسان المقال، والذين لم ينجحوا في إصلاح ذاتِ بينهم، ولم يُدْرِكوا شَرَف مَقْصدهم، بَعُدت عليهم الشُّقَّة، ووقعوا في العَنَت والمشَقَّة!
فيا غَوْثاه ثم يا غَوْثاه! ممّن أَرضى هَواه، وأَغضب مولاه، وفَرَّط في حق إخوانه وحِماه، اغْتِراراً بمالِه ودُنياه, ومن كان للدينار عَبداً، لا يُبقي لنفسه صَحْباً، ولا يحفظ لهم وُدّاً.
المصدر
- مقال:أَصلِحُوا ذاتَ بَيْنِكمموقع: الجماعة الإسلامية فى لبنان