إسماعيل ياشا يكتب : لماذا يعادون ابن عامل النظافة؟
(5/17/2015)
خلال أيام شيّع العالم ما يقرب من 1300 من الفقراء والمشردين والمضطهدين الذين ابتلعهم البحر، بينما كانوا يركبون قوارب الهجرة البائسة، والتي تكسِّرها أمواج المتوسط وتلقي بحمولتها في أعماق البحر إذا لم يكن بعضهم محظوظين ويجدوا من ينقذهم في اللحظات الأخيرة.
نعلم أنه مقابل الذين غرقوا هناك أضعافهم وصلوا بسلام بعد رحلة طويلة كان الموت خلالها يتراقص أمام أعينهم، لكن النتيجة أننا أمام رحلة موت على أمل الحياة، وهي حياة لا تبدأ مباشرة بعد الوصول إلى الشاطئ الآخر؛ إذ سيمر أكثرهم بفصول من المعاناة الأخرى، هم وعائلاتهم حتى يستقروا ويتأقلموا مع الوضع الجديد، فيما يمكثون في أوضاع بائسة لزمن طويل، ولا تسأل عن حرمانهم من أحبابهم الذين تركوهم خلفهم، وديارهم التي أحبوها.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: من المسؤول عن معاناة هؤلاء، ولماذا يجمع بعضهم شقاء العمر، وربما يستدين لكي يركب رحلة لا يدري هل تنتهي بحياة أخرى أم بموت؟ المؤكد أن المسؤول الأكبر هنا هو الغرب نفسه، فهو الذي مارس نهبا منظما طوال قرون لثروات العالم الثالث. وما أكثر هذا الرفاه الذي يعيشه سوى نتاج ثروات الفقراء.
ولم يتوقف عند ذلك، فقام بدعم أسوأ أنواع الطغاة في العالم الثالث، والذين أكملوا مسلسل النهب والفساد، لتزيد معاناة الناس أكثر فأكثر.
وحين ضجّ الناس وذهبوا يبحثون عن ملجأ في الدول التي صنعت لنفسها الثراء بدماء أوطانهم، سُدت الأبواب في وجوههم، وقيل لهم إن العولمة تعني الانتقال الحر للبضائع والأموال والخدمات، لكنها لا تعني الانتقال الحر للعمالة، لأن الشق الأول يخدم الدول الغنية، بينما لا ينطبق ذلك على تشريع الانتقال الحر للعمالة.
سيقول البعض: إن جزءا لا يتجزأ من المأساة الجديدة، بخاصة فيما يتعلق بالمهاجرين العرب من سوريين وفلسطينيين، وربما يمنيين بعد حين، هو الربيع العربي والثورات، ما يعني أن منطق هؤلاء هو أن على الشعوب أن تبقى تحت أحذية الطغاة إلى أبد الآبدين، يورثونها إلى أبنائهم جيلا فجيل كيلا تحدث معاناة جراء الثورات، مع أن حروب أوروبا قبل أن تصل إلى توافقاتها الحالية قد أسفرت عن ضحايا بعشرات الأضعاف.
ولأن لسوريا حصتها من المهاجرين الغرقى، ومن بينهم لاجئون فلسطينيون يعيشون في مخيماتها، فإن من العبث تجاهل طاغية شرع يقتل شعبه، ومن ورائه أدعياء ثورة إسلامية يتباكون على ألف قتيل في اليمن، ويتجاهلون ملايين من القتلى والجرحى والمهجرين في سوريا لأجل بقاء نظامهم الطائفي في دمشق، لكأن قدر السوريين أن يظلوا تحت حكم عائلة بسطوة الأمن إلى يوم الدين، ومن ورائها أقلية طائفية لا ترى بقاءها إلا في بقاء تلك العائلة.
سوريا جزء من مأساة أوطان أرادت أن تتحرر لكي يعيش أبناؤها بحرية وكرامة، ولكيلا يركبوا قوارب الموت بحثا عن حياة أفضل، لكن الطغاة أنفسهم، ومن ورائهم قادة إيران تربصوا بالربيع، فكان ما كان، لكن المأساة هي ذاتها في دول العالم الثالث كله.
كل الإجراءات التي يتحدث عنها الأوروبيون للتخفيف من مآسي الموت في البحر لن تخفف من جريمتهم، لاسيَّما حين يركزون أولا وقبل كل شيء على من يسمونهم تجار الموت من أصحاب القوارب، وليس على أصل المشكلة التي تجعل ما يفعله هؤلاء خدمة إنسانية بالنسبة لطالبي الهجرة، حتى لو كان ثمنها الكثير من المال.
مأساة يبدو أنها بلا حل، بل إن منظومة الاقتصاد العالمي ستفاقمها بمرور الوقت.. تلك المنظومة التي تزيد الأغنياء غنىً والفقراء فقرا.. وإلى أن يثور الفقراء والغلابة على هذا الواقع في كل مكان؛ ستتواصل المأساة، سواءً ركب الناس البحر أم ظلوا في بؤسهم المقيم حيث همْ.
النخبة الفاسدة التي تعيش في الأنظمة الدكتاتورية على نهب خيرات البلاد تتمتع بامتيازات كبيرة تمنح لها حسب تملقها للنظام الحاكم، ولا تود أن يحكم البلاد نظام ديمقراطي أو أي نظام عادل يرفض الطبقية ويرى المواطنين سواسية أمام القانون.
هناك شريحة عريضة تضمها هذه الفئة من المسئولين والسياسيين ورجال الأعمال ورجال الدين والكتاب والمثقفين ورجال الفن وحتى الرياضة، ويلتف هؤلاء جميعا حول النظام الدكتاتوري ويدافعون عنه بشراسة، ليس إيمانا بأنه الأفضل والأصلح للبلاد والعباد، وإنما دفاعا عن مصالحهم الشخصية وامتيازاتهم التي يتمتعون بها في ظل حكمه.
هؤلاء المنتفعون يرون الديمقراطية وتجلي إرادة الشعب في انتخابات حرة ونزيهة أكبر خطر على مصالحهم، وبالتالي يعادونها ويقولون إنها قد تصلح لبلاد أخرى ولكنها لا تصلح لبلادهم وشعوبهم لاختلاف الظروف والعادات وقلة الوعي والثقافة، وما إلى ذلك من حجج واهية وتبريرات تهدف إلى تعزيز القناعة لدى المواطنين بأن النظام الحالي هو الأفضل لهم ولبلادهم.
وزير العدل المصري السابق محفوظ صابر صرح في مقابلة تلفزيونية أن ابن عامل النظافة لا يمكن أن يتولى منصب القاضي، وأن المرشحين للعمل بالقضاء من المفترض أن يكونوا «من وسط مناسب لهذا العمل»، وأضاف: «ابن عامل النظافة لو عمل بالقضاء هيحصل له اكتئاب نفسي، ومش هيستمر، بناءً على تجارب سابقة».
هذه التصريحات العنصرية أثارت ضجة كبيرة في وسائل التواصل الاجتماعي دفعت قائد الانقلاب العسكري إلى التضحية بالوزير والضغوط عليه ليقدم استقالته، إلا أن السؤال الذي لا بد من طرحه هو: «هل تغير الواقع المر الذي فضحه صابر أم لا؟»، لأنه لا معنى لاستقالة الوزير ما دام الوضع كما ذكر في تصريحاته.
ما ذكره وزير العدل المصري المستقيل يعكس عقلية يمكن أن نجدها عند أي واحد من المنتمين لتلك النخبة الفاسدة، لأنهم يرون أنفسهم في طبقة فوق طبقة المواطنين العاديين، كما كشفت عن هذه الحقيقة الفنانة التركية آيسون كاياجي في برنامج تلفزيوني عام 2008، حين رفضت مبدأ المساواة في التصويت واحتقرت حوالي نصف الشعب التركي بسبب تصويته في الانتخابات لصالح حزب العدالة والتنمية، وتساءلت: «هل يمكن أن يكون صوتي مثل صوت راعٍ يعيش في الجبال؟»، في إشارة إلى أن المواطنين العاديين غير مؤهلين للتصويت في الانتخابات ولا يحسنون اختيار ممثليهم، حسب ظنها.
لو صدر هذا التصريح من عالم أفنى حياته بين الكتب والتجارب العلمية لينفع الناس بعلمه أو كاتب مرموق حصلت مؤلفاته على جوائز عالمية، لاعتبر ذلك تكبرا وعنصرية، ولكن المضحك المبكي أنه صدر من امرأة كل ما لديها عرض جمالها الذي لم تكسبه بجهودها، وقد يكون الراعي الذي تحتقره أكثر ثقافة منها وأعلم في شؤون البلاد.
ومن أبرز صفات هؤلاء أن يحتقروا باسم التنوير والتغريب عادات المواطنين العاديين وتقاليدهم وقيمهم ومعتقداتهم، ويرون أنها هي السبب الحقيقي لتخلف الشعوب، وبالتالي يحاربونها بشتى الوسائل والطرق القمعية، وينصبون أنفسهم على المواطنين ليحددوا لهم كيف ينبغي أن يعيشوا، ولا يريدون أن يتدخل أحد في أساليب حياتهم ولكنهم يعتقدون بأنه يحق لهم أن يتدخلوا في حياة غيرهم ومأكلهم وملبسهم، بل يفتون في أمور دينية هم من أجهل الناس فيها، مثل قولهم إن القرآن لا يأمر بالحجاب.
يعادون ابن عامل النظافة لأنه يزاحمهم على الحقوق والامتيازات ويطالب بالمساواة، وهذا ما يهز عروشهم ويهدد مصالحهم، وإن قدِّر لابن عامل النظافة ودخل في عالمهم فالمطلوب منه هناك أن ينسى ماضيه وعاداته وتقاليده وينسلخ من قيمه ومعتقداته، حتى يقبل كعضو في تلك النخبة الفاسدة ولكي تبقى الفوارق الطبقية البغيضة كما هي.
المصدر
- مقال:إسماعيل ياشا يكتب : لماذا يعادون ابن عامل النظافة؟ موقع: الشرقية أون لاين