إلى العناني والشافعي في ذكراهم

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إلى العناني والشافعي في ذكراهم

حازم سعيد

العناني والشافعي

عشت فترة من فترات حياتي بمدينة طنطا حيث جاورت الشهيدين - بإذن الله - عادل العناني وأيمن الشافعي وتزاملت مع كليهما بعديد من الجلسات والأسر الإخوانية ، وكلاهما مهندس ، واقترنت كلمة " مهندس " في اللاوعي عندي بالفهم والتحليل والاستنتاج والقدرة على البناء بأسس منطقية ، حيث كل مهنة تطبع أخلاقها وصفاتها على أصحابها .

كلا الرجلين ( من المؤمنين رجال ) طبعت مهنتهما صفاتها عليهما ، حيث فهما القضية وحللاها وأسسا حياتهما بناءاً علي هذا الفهم ، قضية خلقنا ووجودنا في هذه الحياة الدنيا والغاية التي ينبغى أن نحيا من أجلها ( الله غايتنا ) ، وأن نموت في سبيلها ، وقد حسباها - كويس قوي - ووزناها وزنة واحدة ، وركبا " مترو " الجهاد ( حيث الجهاد سبيلنا ) وقطعا التذكرة ولم يغادرا المترو إلا في المحطة النهائية " الموت في سبيل الله أسمى أمانينا " فنالا الشهادة - نسأل الله قبولها - مقبلين غير مدبرين وهما لا يحملان إلا السلم والسلام حتى لقاتليهم - لعنة الله على قاتليهم - .

كنت ولا زلت حريصاً على التواصل مع إخواني في طنطا ، وزاد من حمية التواصل اعتصام رابعة والذي وفر لي فرصة اللقاء والبقاء مع أكبر عدد من الأحباب الطنطاويين ، فكنت أعرف الأخبار منهم يومياً وكأني لا زلت بطنطا .

وكان أول ما فجعت فيه يوم فض الاعتصام ( ظهر الأربعاء ) خبر استشهاد أخي الحبيب المهندس عادل العناني ، الذي ما لبثت بعدها إلا ساعتين وعرفت بخبر أخي الحبيب الآخر المهندس أيمن الشافعي ، وكنت وقتها خارج رابعة فلم ألحق بهذا الركب الكريم - للأسف الشديد - ، مصداقاً لقوله سبحانه " ويتخذ منكم شهداء " فالله سبحانه هو الذي يتخذ ويصطفي .

حين عرفت بخبر الأخ الحبيب المهندس عادل هاتفت أحد أحبابي من طنطا ( وهو من مسئولي الإخوان بالمدينة ) على سبيل التوثق والتأكد ، فكنت أنا من أعلمه وأخبره وكان لا يعلم بالخبر ، وبعدها لما علمت بخبر المهندس أيمن هاتفته مرة أخرى فإذا بي أنا أيضاً الذي أخبره ، ولكن العجيب هنا عندما هاتفته وقلت له : خبر آخر مفجع ، فقال لي أنا متوقع صاحبه ، .

فقلت له : من تقصد .

قال لي : قل ولو كان من أتوقعه فسأصدقك .

فقلت له : إنه المهندس أيمن الشافعي ، فقال لي زميل دراستي وأخي الحبيب : والله هو دا اللى كنت متوقعه ، إنت بلغتني يا أخ ..... النهارده بالإثنين الذين كان يجول بخاطري إذا رزق أحد الشهادة فسيكون أحدهما ، وقد جمع الله لكليهما الشهادة اليوم .

المهندس عادل العناني عرفت من إخواني الطنطاويين أنه كان من أوائل من استشهد منذ السادسة أو السابعة صباحاً ، والمهندس أيمن الشافعي كان خارج رابعة ، فلما عرف بالضرب ذهب إلى رابعة الساعة الثانية إلا ربع بعد الظهر ليرزقه الله الشهادة على يد غادرٍ سفاح في الثانية تماماً ، وكأن الله سبحانه يسوقه إلى جنته ونعيمه سوقاً .

لي مع الحبيبين الغاليين مواقف لو قصصتها عليكم لعجبتم ، كيف أن رجلين مثلهما عاشا على أرضنا ، ووطأت أقدامهما التراب ، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نحكم لمعين بالجنة لقلت أنهما رجلان من أهل الجنة عاشا بيننا طرفة عين ثم عادا إلى حيث مكانهما الطبيعي .

حين أقمت بطنطا ، كانت لي بعض المعاملات التجارية هناك وكنت أحتاج فيها إلى كتابة شيكات ، ولظروف متعلقة بنوعية المعاملات كانت السيولة تعوزني في بعض الأحيان ، وحين كنت أفكر فيمن ألجأ إليه ، كان أول من يذهب إليه خاطري هو المهندس عادل العناني ، فكنت أهاتفه : " عاوز خدمة يا هندسة " ، فيقول : أؤمر .

فأقول : أريد مبلغ كذا ( وهو لا يقل عن الأربعين أو خمسين ألف جنيه منذ ست أو سبع سنوات " وأريد أن أكمل : سأسددها .... فيقاطعني : تعالى خدها ، الفلوس موجودة .

فأقول : طب اعرف الظروف إيه وهسددها إزاي .

فيقول : هو حد طلب منك كده ، هزعل لو كملت ، تعالى خد فلوسك .

المهندس عادل العناني أعرف أنه ينفق نفقة شهرية على بعض إخوانه وأحبابه وصالحي حيه الذي يسكن فيه بطنطا بالعشرات ، وكلاهما هو والمهندس أيمن الشافعي كانا ميسوري الحال .

لم أفتقد المهندس عادل في موقفٍ من المواقف التي فيها نصرة للحق ومواجهة بين الحق والباطل أبداً مهما كانت ظروفه ، وكان إخوانه المسئولون بطنطا يتقون به بعد الله من عنف وشدة أمن الدولة ، ويصدرونه في المشاهد التي فيها مطاردات من قبل أمن الدولة ، المهندس عادل وأخرون معدودون بطنطا كانوا يصدرون ويبرزون أيام يختبأ الناس ، وكانوا يرفعون رؤوسهم حين يحني البعض رأسه ، وكانوا يتصدرون التظاهرات التي من ضريبتها الاعتقالات والسجون حين كان يختبأ الناس .

كان أكثر قسم عمل به المهندس عادل العناني - بخلاف مسئوليته عن شعبته - هو قسم البر ، وكان كثير النفقة في أعمال البر ، ويعرفه كل أهل حيه ( الجلاء بطنطا ) وله أيادٍ بيضاء ، وعرفت من إخوانه أنه يوم جنازته سار فيها مئات الألاف من أفراد لا يعرفهم ولا يعرفونه إلا بسيرته العطرة الحسنة .

لازمت المهندس عادل حين إقامتي في طنطا في جلسات عديدة ، وكنت أحياناً أشكو له - على سبيل الاستشارة وكان حليماً كتوماً - من بعض ما يحدث بين الأزواج ، فإذا به ينهرني برفقه وأدبه المعتاد ويقول لي : يا أخ ...... والله دول لو مش أخوات مكانوش بصوا في وشنا ، احمد ربنا إنهم طايقين يعيشوا معانا .

ويستمر يوصيني بزوجتي حتى يذهب عني ما أجده ، وحتى أشعر بيني وبين نفسي أني أخطأت في حقها ، لقد كان طاهر السريرة نقي الباطن حريصاً علي بيت أخيه ويعطيه من النصائح ما يكفل استمرار بيت أخيه على السلامة والود والتراحم .

رحمك الله من أخٍ حبيب ، وتقبلك في الصالحين ، وجعل ميتتك الشريفة شهادة في سبيله ، وتقبلها ورفعك بها في الفردوس الأعلى ورزقك رفقة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم .

كما لازمت المهندس عادل فقد لازمت المهندس أيمن الشافعي ، الذي كان كريم النفس عفيفاً سمحاً سهلاً ليناً بشوشاً بسيطاً - رغم ثرائه ومكانته الاجتماعية - إلا أنك تراه وسط إخوانه وكأنه أقلهم وكان أبسطهم وأسهلهم وأحسنهم عشرة .

المهندس أيمن الشافعي كان مسئولاً لمنطقة كاملة في طنطا ( أربع شعب ) وفرغ منها ليصبح نائباً لمسئول حزب الحرية والعدالة بالغربية ، يحبه كل من عرفه من الإخوان ومن غير الإخوان .

حكا لي إخوانه بطنطا أنه في جنازته مشى فيها مئات الآلاف بطنطا ثم بقريته التابعة لكفر الزيات بالغربية ، وكان من ضمن مئات الألاف ، عشرات ومئات من العمال والصنايعية - وكان مهندس مقاولات - الذين عملوا تحت يده وفي شركته ، وكانوا كلهم يبكون رجلاً كريماً حسن العشرة سهلاً ليناً هيناً بسيطاً .

حين لازمته في في طنطا كان يهاتفني - لارتباطي وقتها ببعض أعمال البر - فأذهب إليه ، فيقول لي خذ هذه العشرة آلاف لفقراء الحي الفلاني ، وبعدها بأيام : خذ هذه الستة آلاف لفقراء الحي الفلاني ، وبعدها بأيام : خذ هذه ( خمسة عشر ألف ) لفقراء الحي الفلاني .

بس لي شرط : تستر علي ولا تحدث بها أحداً ، هكذا كان دأبه وعادته .... سامحني أخي الحبيب : أفشيت الآن سرك الذي لم أحسب أن أحداً يعلمه سوى الله سبحانه وملائكته الذين سجلوها لك .. أسأل الله لك أن يتقبلها منك خالصة لوجهه الكريم .

كنت رفيقاً له في أحد لجان الصلح ، وكان رئيس اللجنة الشيخ السيد عسكر العلامة الإسلامي البارز ، وكنت مع أخي الحبيب المهندس أيمن عضواً باللجنة ، مهما حدثتكم عن رفقه وطيب نفسه وحسن سريرته ورغبته في الإصلاح وسعيه فيه وبذله في السر وبساطته وفقهه للواقع فلن أوفيه حقه ، لقد كان يجود بما في يده مقابل أن يعفوا الأخوان أو يصفحا وأن تنتهي الخصومة بالحب والإخاء .

يعرف عني حبيبي أني أحد كتاب المقالات بالنافذة ، وكان يحب أن يقرأ لي وكلما قابلني عاتبني على طول مقالتي ، وكنت أعتذر له بأن هذا هو أسلوبي وهذه هي طريقتي ، وفرغ نفسه لي عدة مرات كلما ساقته سفرياته إلى حيث أقيم ثم يطلب مني مسودة آخر مقالة سواء نشرت أم لم تنشر ، ويجلس يهذبها لي فيختصرها إلى الخمس أو السدس ، .

ويقول لي : يا أخ ..... الناس مش فاضية تقرا ، اختصرها زي ما قلت لك كده ، فأقول له : كده مش هقدر أنا مش حاسس بالاختصار دا إني عبرت عن الفكرة ، فيضحك ويقول لي هتخليني مقراش لك ... ثم لا يملك نفسه ويقرأ لي لأنه كان يحبني ، بل كان يتغزل في وفي ( شياكتي ) كلما قابلني ، هكذا كان مجاملاً رقيقاً عطوفاً حنوناً ، رحمه الله .

أخي الحبيب وصديقي العزيز ورفيق درب عطوف شفوق حنون : سامحني طالت المقالة كما كنت لا تحب ، ولكن هذا أسلوبي يا أخي ويا حبيبي .. وكنت لا أخاف من تهديدك حين كنت تتوعدني ألا تقرأ لي وكنت أعرف أنك لن تستطيع ، وكنت لا تستطيع .

الآن أكتبها بدمع عيني - حقيقة لا مجازاً - وأنا أعرف أنك لن تقرأها ، ولكنها أبسط حقك يا أخي ويا حبيبي ، أعلمك بها وأعلم العالم كله أن حياتي بعدك وبعد العناني قد توقفت ، أتحرك منذ شهرٍ كامل كما الآلة بالضبط .

لا أشعر لا بأكل ولا شرب ولا مقام ، وتغلبني عيني كلما تذكرتك في أي وقت وفي أي أوان ، لم أشعر بهذا الشعور إلا بعد وفاة أبي ثم بعد وفاة أمي واستمر معي لأيام - أو أسابيع - ولكنه معكما يا حبيبي امتد ، ويبدو أنه سيمتد ، فلقد علمتمونا كيف هو الحب بين الإخوان ، وها أنا ذا بعدكما أعاني من لوعة الفقد ... إنه فقد الأحباب والإخوان ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

رحمك الله من أخٍ حبيب ، وتقبلك في الصالحين ، وجعل ميتتك الشريفة شهادة في سبيله ، وتقبلها ورفعك بها في الفردوس الأعلى ورزقك رفقة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم .

إخواني الشهداء الكرام العظام ، لقد ابتلينا بفقدكم ، وعزاؤنا أنكم - إن شاء الله - بجنة عرضها السموات والأراضين ، وأملنا أنكم ارتحتم من هم كبير بهذه الحياة الدنيا ، ورجاؤنا من الله أن يثبتنا بعدكم ، وأن يلحقنا بكم على خير .

وأما قاتلوكم من أمثال الخائن السيسي ، فلا أدري بأي وجه يمكن أن يلقى الله وقد ارتكب جناية سفك دمائكم الطاهرة ، حقيقة لا أعرف كيف سيلقى الله مثل هذا الرجس النجس وقد أسالت يده النجسة دماءكم الطاهرة ، وأمثالكم من الألاف النقية الزكية ، رحمكم الله جميعاً وجعل دماءكم لعنة على قاتليكم .. اللهم آمين .. اللهم آمين .. اللهم آمين .

hazemsa3eed@yahoo.com

المصدر