الإتجاهات السياسية والمشروع الإستعماري في مصر

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

لم تكن التطورات الإجتماعية والسياسية العميقة التي حدثت في العالم العربي والإسلامي عقب الحرب العالمية الأولى، مجرد تدافع بين (التراث والحداثة) بقدر ما كانت تعبيراً عن تدافع بين مشروعين، الأول مشروع إستعماري غربي وجد له موطأ قدم في قلب أمتنا العربية والإسلامية بعد سقوط أخر كيان سياسي جامع (الدولة العثمانية) يمثلها ويعبر عنها، والثاني أمة إسلامية تحاول أن تدافع عن هويتها وتاريخها في وجه هذا العدوان الإستعماري الغاشم.

فقد سعى المستعمر الغربي للسيطرة والهيمنة على العالم العربي والإسلامي، وذلك بإقامة (مشروع) إستعماري يقوم على التبعية الكاملة له، ليس فقط من أجل الإستغلال المادي، إنما كان كذلك من أجل القضاء على الإسلام ومشروعه وحضارته، والتي مثلت أكبر تهديد لسيطرته على العالم.

إختلف تصور الإتجاهات السياسية في العالم العربي لحقيقة الدوافع الإستعمارية الغربية، فالتيار الإسلامي عبْر كل مراحله، وضع التحدى الإستعماري الحضاري في صلب القضية الوطنية، بينما اقتصرت التيارات العلمانية والحزبية في فهمها للقضية الوطنية على الإستقلال السياسي دون الإستقلال الثقافي والحضاري.

تداعيات هزيمة الدولة العثمانية

حملت السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر الميلادي، ملامح جديدة لميزان القوى بين الغرب الأوروبي والشرق المسلم، بدا فيها هذا الميزان يميل لصالح الغرب بعد أن كان في صالح الشرق المسلم لقرون عديدة، مما فرض على العالم الإسلامي ونخبه وقياداته تحديات جديدة..

فقد سعت (القوى الأوروبية الإمبريالية نحو الهيمنة الاستعمارية على العالم، والعالم الإسلامي خاصة، وطُرحت في الدوائر الأوروبية "المسألة الشرقية" والتي تعني وقف المد العثماني في أوروبا وصده، واحتواء العالم الإسلامي وحصاره وهزيمته، وتفتيت وحدته وإسقاط خلافته، ثم استعماره وتجزئته والسيطرة النهائية على مصيره ومقدراته.. وأخيرا تم احتلال معظم الدولة العثمانية ذاتها، في سياق وتداعيات الحرب العالمية الأولى، وإسقاط السلطنة ثم إلغاء الخلافة، وتقسيم واستعمار ولاياتها وإنهاء الوحدة والعالمية الإسلامية) [١]

ولم تكن خسارة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى نهاية المطاف بالنسبة للعالم الإسلامي، بل كانت بداية مرحلة جديدة، إزداد فيه منحنى (السيادة والإستقلال) إنحناءًا وتراجعًا، أمام صعود إستعماري متمدد في العالم الإسلامي.

فقد تخلت الدولة العثمانية بموجب اتفاقيات "الصلح" عن أراضيها وولاياتها في المشرق والبلقان، واقتسم الحلفاء ودول أخرى كصربيا وبلغاريا واليونان أراضي الدولة العثمانية، ولم يتبقى من أراضي (الإمبراطورية) العثمانية سوى الأناضول وإقليم العاصمة إسطنبول والمضائق، وعليها أُقيمت الجمهورية التركية الحالية.

ومن ناحية أخرى تمدد العدوان الغربي على العالم الإسلامي، وبلغ ذروته بإقامة المشروع الصهيوني في قلب العالم الإسلامي، ليصبح رأس حربة للمشروع الإستعماري الغربي لعقود طويلة.. وخطا الإحتلال الغربي الإستعماري خطوة أخرى في مخططاته العدوانية، بعدما تمكن من إختراق النخب العربية والإسلامية، أو بتعبير أدق (إصطناعها)، فصنع لنا بهم (وطنية مستعارة)، مقطوعة الصلة بالعروبة والإسلام، إلا من قشور لا تدافع عن الأمة وتحميها..

فقد (جرى تعميم مجموعة متنوعة من المفاهيم الوطنية المشوهة قصداً. فإذا كان مفهوم الوطنية الغربية قد بني على تحقيق الوحدة الداخلية، وبناء دولة تلملم شتات الإقطاعيات والتفكيك الداخلي وتحافظ على اللغة والدين المشترك، وعلى العداء لما هو خارج تلك الحـدود من أفكـار وعقائد ولغة - بالنظر للصراعات الضارية مع الآخـر الأوروبي - فعُمم هذا المفهوم بين (دول وشعوب) المنطقة بتجاهل واستبعاد اللغة والدين والتاريخ المشترك! كان مفهوم الوطنية المقدم لتشكيل الدول في العالم الإسلامي انعزالياً ليفرق الشعوب عن بعضها ويقيم الحدود لتفصل وتقطع ما كان موصولاً؛ فكانت الدولةُ الوطنية تجزيئيةً. كان ذلك إبتداعاً للصراع وصناعة للعداء بين تكوينات بشرية لا عداء بينها ولا حدود..

وفي فترة لاحقة شملت المنظومة الفكرية تقديماً للعروبة وَفْقَ مضمون عنصري مناقض للفهم الإسلامي، وهو ما كان أساساً للتفكيك داخل الدول ذاتها على أساس العرق واللغة، وأساس تسعير العداء مع المجموعات العرقية غير العربية. واللافت هنا أنه جرى تقديم نقيض لمفهوم الأممية الإسلامية من قِبَل بعض التيارات كما هو الحال في الأممية البروليتارية لدى الشيوعيين، كما جرى إعلاء نمط من السياسة الخارجية البراغماتية؛ فكان الانحياز للهند مثلاً في صراعها ضد الباكستان.

ولذا، كان طبيعياً أن تُجري تلك الدول علاقاتها بعضها مع بعض بمنطق التعادي، وأن تمر علاقات بعضها مع بعض عبر الهيئات الدولية المتحكمة في قرارها المستعمر، وأن يسود التفكير وقواعد إدارة الصراعات بالقواعد نفسها التي تدار بها في الدول الأخرى، وأن تنطبق تلك القواعد بعضها على بعض، وعلى رأسها مفهوم التوازن بين الجيـران؛ فإن ضعف الجار تحفز جاره للحرب، وإن قوي الجار فالأضعف يلجأ للدول القادرة دولياً على حمايته... إلخ. [٢]

وهكذا غُيبت الشريعة وجُزئت الأمة وسقطت الدولة، فحديث الإنهيار، يقول د. رفيق حبيب: (فالعدوان الخارجي أسس لانهيار وحدة الأمة، وعمل على تفكيكها إلى دول قومية قطرية، وزرع الكيان الصهيوني في المنطقة ليكون حاميًا لمصالحه، ثم ساند النخب الحاكمة المتحالفة معه، حتى يضمن ولاء الدول العربية والإسلامية لمصالحه وسياساته، وأصبح التدخل الخارجي حاضرًا في كلِّ المعادلة السياسية للمنطقة، ومؤثرًا على مجريات التفاعل السياسي، حتى يحمي مصالحه في المنطقة، كما يدعي.. والتدخل الغربي في المنطقة بدأ بالاحتلال العسكري المباشر، ثم انتقل إلى الهيمنة السياسية والاقتصادية، أي الاستعمار السياسي غير المباشر) [٣]

فالدولة الوطنية (القومية) في العالم الإسلامي، كانت نموذجاً تفكيكياً لكيان إسلامي جامع تعرض لهزيمة قاسية في الحرب العالمية الأولى، وهذا كله فرض على العالم الإسلامي بشعوبه ونخبه تحدي كبير، وهو كيفية وقف الإنهيار واستعادة ما فقده العالم الإسلامي من سيادة واستقلال..

الإتجاهات السياسية وتعاملها مع الأزمة

لم تكن كل الإتجاهات السياسية في الوطن العربي واحدة في تعاملها مع واقع العالم الإسلامي ومخططات المشروع الغربي الإستعماري، بل إن بعضاً منها كان عونا للمشروع الإستعماري في تنفيذ مخططات هيمنته على شعوب المنطقة العربية والإسلامية، حين قَبِل بأن يكون جزءًا من مشروعها، ويعمل وِفق شروط!

وهذا التفاوت بين الإتجاهات السياسية والفكرية كان على مستوى الفكر والرأى، كما كان على مستوى الحركة والعمل.. حيث توزعت هذه الإتجاهات بين الإتجاه العلماني (وتشعباته اليسارية والليبرالية والناصري)، وبين الإتجاه الإسلامي..

موقف الإتجاه العلماني (القومي والقُطري)

نشأت مع تغلغل المستعمر الغربي في العالم العربي، نخبة علمانية تتبني هذه (الوطنية المستعارة) التي إبتدعها المستعمر ورعاها، وذلك (بهدف إعادة إنتاج الشرق وتمثيله على الشاكلة التي تخيله الغرب عليها، وتثبيت استعمار المعرفة والخيال.. وكان أول من استخدم لفظة «علمانية» بالعربية هو إلياس بقطر واضع «المعجم العربي» الصادر عام ۱۸۲۸م وقد عاش إلياس بقطر معظم حياته في فرنسا، وكان خبيرًا لغويًّا للحملة الفرنسية)

فقامت هذه النخبة بمفاوضة المستعمر على الجلاء! وكانت هذه المفاوضة (تجري وفق شروط المستعمِر، فلم يكن الدور التفاوضي لمن يطلق عليهم «الإصلاحيون» يتجاوز تحسين الشروط دون المساس بجوهر عملية الفرض الاستعماري)

كما كان لهذه النخب العلمانية دور في تنحية الشريعة الإسلامية في مصر على سبيل المثال، حيث يؤكد د. وائل حلاق على أن (عملية استبدال النظم التشريعية للشريعة الإسلامية لم تكن لتحصل لولا تحالف النخب المحلية التي كانت ترى في تبني النظم القانونية وشكل الحياة الغربي المتقدم عنها شكلًا من أشكال التقدّم لدولها التي تسعى لمواكبة الحداثة الفكرية والصناعية التي بدأت في الغرب) [٤]

وقد أثبت شكيب أرسلان هذه العلاقة بين النخبة العلمانية وبين المستعمر الغربي، حيث قال: إنه كان في البداية منجذباً لدعوات الوحدة العربيّة قبل أن يكتشف ارتباط مشروعهم بمشروع الاستعمار الأوروبي، وقد أثبتت الوثائق التي نُشرت في الغرب صحة إتهام أرسلان في هذا الصدد، فارتباط نجيب عازوري مؤلف كتاب "يقظة الأمة العربيّة" بالاستعمار الأوروبي مثلاً، هو حقيقة مُثبتة. وقد سطع نجم الفكر الليبرالي في كنف الاستعمار الغربي، حيث تبلور الفكر الليبرالي العربي في طوره الجدّي الأول في مصر في العهد الملكي، وهو كان متحالفاً في آن مع الملكيّة الرجعيّة ومع الاستعمار الغربي، وهذا الارتباط لم يكن صدفة لأن نزعة النخبويّة (العنصريّة والطبقيّة والإثنيّة) شكلت منطلقاً لفكر طه حسين وعلي عبد الرازق وغيرهم من مفكّري تلك الحقبة، وليس من الصدفة أيضاً أن الاثنين نهلا من فكر الاستشراق الغربي فيما كتباه، فعلي عبد الرازق تأثر- لنقل كثيراً جدّاً - بكتاب المستشرق توماس أرنولد عن الخلافة، كما أن طه حسين في كتابه عن الشعر الجاهلي تأثر بمقالة للمستشرق ديفيد مغرليوث.

والفكر الليبرالي ارتبط بالاستعمار الغربي لأنه كان يرى أن العامّة غارقة في الجهل والتخلّف وأن النخبة المُرتبطة بالغرب (والمُستعينة بجيوشه وحكوماته وأحزابه) هي الوحيدة القادرة على النهوض بالمجتمع العربي لتحقيق "تحضير" للعربي على خطى الرجل الأبيض. وكمنت النزعة العنصريّة في هذا الفكر من خلال محاولات لبنانيّة ومصريّة حثيثة للزعم بأن "المصري" أو "الفينيقي" هو أوروبي تائه في الصحراء من دون إرادته، وأن خلاصه يكمن في الرجوع إلى الغرب عاطفيّاً وسياسيّاً وثقافيّاً.

وكانت الليبراليّة العربيّة (في طورها الأول) صريحة للغاية في أهدافها ونواياها. فهي كانت راضية عن الاستعمار، لا بل إنها طالبت بالمزيد منه! فيقول طه حسين: "نريد أن نتّصل بأوروبا اتصالاً يزداد قوة من يوم إلى يوم حتى نصبح جزءا منها لفظاً ومعنىً وحقيقةً وشكلاً". لا لبس في كلامه هذا أبدا. لكن ارتباط الليبراليّة العربيّة بحقبة الاستعمار ومصالحه قضى على إمكانيّة استحواذها على تأييد الجماهير، وكلمة جماهير كانت رائجة آنذاك. وقد يكون ارتباط الليبراليّة العربيّة بالاستعمار الغربي بمثابة تلك الوصمة في قبول تقسيم فلسطين والتي عانت منها الشيوعيّة العربيّة لعقود طويلة. [٥]

وكان اللورد كرومر والذي كان هو الحاكم الفعلي لمصر بعد احتلالها عام 1882، يسعى إلى اصطناع طبقة يتم اختيارها من ذوي الثقافة والتقاليد الغربية، ويتم بها تأسيس علاقة (تحالف) بين بريطانيا والمصريين.

(بفضل الجيل الذي تعهدوه بالتربية والتنشئة والتدعيم ووالوه بالمعونة وبالتأييد منذ شبابه الأول، ثم دفعوا به إلى الصفوف الأولى، ودسُّوه على مختلف الأحزاب وفي مختلف المناصب، استطاعوا عن طريق هذا الجيل، والمتزوجين منهم بالإنجليزيات خاصة، أن يحققوا كل أهدافهم، وأن يقيموا ما سموه بالصداقة الإنجليزية – المصرية) [٦]

واشتهر من رموز هذه النخبة، سعد زغلول الذي عينه كرومر وزيراً للمعارف عام 1907 بعد حادثة دنشواى الشهيرة، وأحمد لطفي السيد والذي لُقب بين مثقفي جيله بأستاذ الجيل، والذي (إستبعد الاسلام كتشريع ومرجعية، وقَبِل به جانباً أخلاقياً ومرحلة تاريخية من مراحل تكوين الشخصية المصرية)! [٧]

ومثله الدكتور طه حسين والذي كثيراً ما تعمَّد مصادمة الناس في معتقداتهم الدينية، كما فعل في كتابه "في الشعر الجاهلي"، وظلت تطارده تهمة تقديم "دراسات إلحادية" لطلبته في الجامعة، وتسببت في إخراجه من الجامعة عام ١٩٣١م [٨]

وهكذا كانت هذه النخبة العلمانية المتغربة، أقرب لمخططات الإستعمار، منها إلى الوطنية العربية والإسلامية..

لكن على الضفة الأخرى، كانت الأمة الإسلامية تحاول أن ترد عن نفسها عادية التغريب، فتشكل من أبنائها فريق للدفاع عن تاريخها وهويتها وحضارتها..

فريق الدفاع عن (الإسلام – الأمة)

لم يتشكل هذا الفريق بقرار من المستعمر أو تحت رعايته، بل كان إنبثاقًا طبيعيًا من الأمة، مستندًا إلى هويتها وتاريخها. وقام أساسًا في مواجهة الهجمة الإستعمارية الشرسة ومشروعها في العالمين العربي والإسلامي، فهو بذلك يمثلها، ويُعد إمتدادًا طبيعيًا لتاريخ طويل من الجهاد ضد المستعمر ومخططاته. وتمثلت القاعدة النظرية لهذا الفريق في مرتكزات ثلاثة، وحدة الأمة الإسلامية، وسيادة الشريعة، وسيادة الراية (الدولة).

وهذا ما قرر المؤرخ المصري د. رؤوف عباس حيث قال: (كان الشعور السائد بين المسلمين من رعايا الدولة العثمانية هو الانتماء للإسلام أو «للأمة الإسلامية»، وهو شعور فضفاض غلبَ عليه طابع الشعور بالحاجة إلى التضامن بين أبناء الأمة في أوقات المِحن والشدائد على نحو قريب الشبه بمفهوم «العصبية» عند ابن خلدون. مثال ذلك ما حدث عند غزو نابليون لمصر (الحملة الفرنسية)؛ فتنادى العرب بالجهاد، وجاء «المجاهدون» إلى مصر من الحجاز وشمال أفريقيا للدفاع عن حياض الإسلام، وابتهل الجميع إلى الله أن ينصر «الإسلام والمسلمين». وعندما أدخل محمد علي نظام التجنيد الحديث، لم يُثِر في الجنود مشاعر «الوطنية» المصرية، ولكنه أثار عندهم «فريضة الجهاد»، وجعل خطباء المساجد يؤكدون عليها، وسمَّى الديوان الخاص بشئون الجيش «ديوان الجهادية») [٩])

وبمثل هذا الشعور، كانت الأمة تتحرك تلقائيًا – في شخص علمائها وقادة الرأى فيها – دفاعًا عن وجودها وثوابتها، في مواجهة أى تهديد أو اعتداء، ولم تكن العلاقة بين الديني والسياسي في ذلك الوقت محل جدل، (فقد كانت تلك العلاقة من المسلّمات البدهية إبان الحقبة الاستعمارية، فعندما أصدر الشيخ علي عبد الرازق كتابه «الإسلام وأصول الحكم» عام ۱۹۲٥م بعد عام واحد من إلغاء الخلافة، لم يجد من يؤيده من العلماء والشيوخ والدعاة، وقد طُرِدَ عبد الرازق من الأزهر وجُرِّد من ألقابه العلمية، وصدرت عشرات الردود على أطروحته التي تفصل بين الروحي والزمني والسياسة والدين، فضلًا عن عقد مؤتمرات عدة في دول مسلمة تدعو إلى إحياء الخلافة، بل إن الدكتور عبد الرازق السنهوري - وهو أبو القانون المدني وواضع المقومات الدستورية والقانونية للكثير من البلاد العربية، وكان عند صدور كتاب عبد الرازق في باريس يعدّ رسالة دكتوراه عن «الخلافة الإسلامية»- أكَّد في أطروحته على شذوذ وغرابة دعوى عبد الرازق، وكتب تحت عنوان «رأي شاذ» عن شمول الإسلام للسياسة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام دولة إسلامية في المدينة المنورة، وأن الصحابة بعد وفاة النبي لم يُنشئوا دولة، وإنما وسَّعوا رقعة الدولة التي أنشأها)[١٠])

لذا كان هذا الفريق يمثل دائمًا تهديدًا للمشروع الإستعماري وتوابعه المحليين، فكان على الدوام يُوصَم بالإرهاب، وتُسْتَخدم ضده تكتيكات الأرض المحروقة وسياسات مكافحة التمرد، ويُنعَت بالتخلف والرجعية ومعاداة القيم الأخلاقية التقدمية..

ولم يكن هذه الفريق في تعامله مع المنطق الإستعماري، واحداً في إدراكه وأساليبه وأدواته، بل تطور في محطات كانت فاصلة في حياة الأمة، لكنه إنطلق من قاعدة واحدة، وهى مجابهة مشروع الهيمنة الإستعمارية على الأمة. فكان الشيخ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده محطة في حياة هذا الفريق، وكان الزعيم مصطفى كامل ومحمد فريد محطة أخرى منه، وكان حسن البنا والإخوان المسلمون محطة أخيرة فيها..

ففي أواخر القرن التاسع عشر، دعى جمال الدين الأفغاني (1839-1897) إلى إحياء الوحدة بين المسلمين، على أساس الجامعة الإسلامية، في مواجهة الهجمة الغربية الإستعمارية، تحريض الشعوب على الثورة ضد الاستبداد السياسي، والاستعمار الأوروبي، وتوحيد الأمة تحت راية (الجامعة الإسلامية) [١١]

وكان له في ذلك تلاميذ كثر، لكنهم تفرقوا ومَن بقىَ منهم على عهد شيخه، بدَّل في الطريقة والمنهج ومنهم تلميذه النجيب الشيخ محمد عبده.

وتلقَّف الراية منهم الزعيم مصطفى كامل (1874-1908م) فأسس الحزب الوطني عام 1907، وحمل لواء الوطنية المصرية بعد هزيمة الثورة العربية واحتلال بريطانيا لمصر 1882م، حيث تشكلت حوله العديد من الجمعيات السرية المقاومة للاحتلال الانجليزي بوصفه عدواناً على الدين والدولة العثمانية، مثل جمعية شمس الإسلام التي كانت تُدار من إسطنبول، وجمعية مكارم الأخلاق وعضويتها تُقدَّر بالآلاف ولها فروع في أكثر المدن المصرية، وهي جمعية إسلامية تهدف إلى النهوض بالإسلام، والحفاظ على شعائره وأخلاقياته ونظامه الاجتماعي، ومثل جمعية التضامن الأخوي السرية والمرتبطة بالحزب الوطني القديم، الجمعية التي أُسست لتقوم بالعمل الفدائي المقاوم للاحتلال الإنجليزي في مصر.. وكانت العقيدة السياسية للحزب الوطني العودة إلى (الجامعة الإسلامية) تحت راية الدولة العثمانية [١٢])

فهو يدعو صراحة إلى التجمع على أساس (الجامعة الإسلامية) لا على أساس (القومية العربية)، فيقول: (وإذا كانت الدول الأوروبية على اختلاف مصالحها وتباين منافعها وعظمتها وقوة سلطانها تتحد فيما بينها، وتنسى كل شقاق وكل افتراق عندما يهم المسيحية أمر ! فلماذا لا نتحد معاشر المسلمين وقد احتل الشقاء بلادنا، وخيم الجهل والذل على ديارنا ، وقوّضت المصائب أركان استقلالنا، وسلبتنا النوائب عظمتنا وقوتنا وسعادتنا ؟ ألسنا أشد من الأوربيين حاجة إلى هذا الاجتماع وهذا الاتفاق؟! )، ثم يعقد مقارنة بين المسلمين وبين الغرب، فيقول: (وإذا كنا نرى كل يوم شاهدًا جديدًا ودليلا قويا على أن أوربا لم تقم إلا بالدين، فلماذا نهمل ديننا ونحن أحوج إلى التمسك به من أوربا والأوربيين؟)، وعن سعي البعض لجمع العرب على خلافة عربية، على أساس اللغة والأرض لا الإسلام وحده، يقول مصطفى كامل: (وإني أعرف كذلك أن في مصر جماعة يسعون لحل المملكة العثمانية، وإقامة خلافة عربية تكون ألعوبة في أيدي إحدى الدول الأجنبية؛ فهؤلاء وأمثالهم هم أعداء الدولة والملة! وأضر على الإسلام من أعدائه الظاهرين!)[١٣])

وقد أعاقت دعوة مصطفى كامل إنتشار الفكرة القومية، فيقول د. عبد العظيم رمضان: (أن فكرة الوطنية الممزوجة بالإسلام لدى مصطفى كامل قد أعاقت تقدم الفكرة القومية بمعناها الإقليمى الضيق المتعلق بمصر وحدها) [١٤]

ورغم ذلك لم تستطع دعوة مصطفى كامل أن تصمد طويلاً أمام تيار التغريب الذي عبر عنه حزب الوفد، لكن يُحسب له أنه واجه المشروع الإستعماري بصراحة ووضوح، مدركًا طبيعة هذه المشروع وحقيقة أهدافه ومراميه.

الإخوان المسلمون والجماعة الوطنية

ومثلت جماعة الإخوان المسلمين المحطة الأخيرة في تيار الدفاع عن الأمة الإسلامية ومشروعها في مواجهة المشروع الإستعماري، فكانت الجماعة تمثل مرحلة متطورة من مشروع دولة (الأمة) لا دولة (القبيلة). حيث وضع حسن البنا (المجتمع في طريق الدولة الإسلامية، بأسلوب علمي تطبيقي سلوكي))[١٥]

فواجه المستعمر في ميدان الفكر والتنظير، كما واجهه في ميدان الدعوة والإعلام، وأخيرا واجهه في ميدان النزال والقتال. فمثلت طريقة المواجهة هذه مرحلة متطورة في مجابهة مخططات المستعمر الأجنبي. وفي ذات الوقت واجهت الجماعة عداء وخصومة شديدة من التيار العلماني، سواء في شقه الحاكم أو في شقه المعارض.

وكان الإخوان المسلمون يؤمنون بأن مستقبل العالم الإسلامي كله مرهونٌ بمدى قدرة المسلمين من خلال مؤسساتهم على جعل الإسلام المحور والمرتكز لوجودهم بكل جوانبه، كما أنه مرتهن بمدى قدرتهم على إحياء قيم الإسلام العليا، ونظمه الكبرى، وتطبيقها في حياتهم بكل جوانبها [١٦]

وهكذا تشكَّل على جانبى الوجود الإستعماري فريقان، فريقٌ يؤمن به ويراه خلاصاً من الفقر والمرض والتخلف، وفريقٌ آخر يرى في هذا المستعمر سبباً رئيسياً في هذا البلاء الذي نزل بالبلاد والعباد منذ أن جاء إلى العالم العربي والإسلامي غازياً محتلا. وعلى هذا الأساس تباينت مواقف الفريقين فيما بعد.

المصادر:

  1. المسألة الشرقية والغارة على العالم الإسلامي https://www.aljazeera.net/culture/2024/9/28/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A3%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85
  2. طلعت رميح - الدولة الوطنية (القومية) في العالم الإسلامي https://www.albayan.co.uk/MGZarticle2.aspx?id=10013%0A%0A
  3. إخوان أون لاين - في مواجهة العدوان https://www.ikhwanonline.com/article/67150%0A%0A
  4. العلمانية والإسلامية في سياق الإستعمار والتحرر
  5. أسعد خليل - الليبراليّة العربيّة.. أو تسويغ الاستعمار https://studies.aljazeera.net/ar/issues/2010/2011722103323734704.html
  6. الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر – محمد محمد حسين
  7. هموم الفكر والوطن – حسن حنفي – ص 148
  8. طه حسين وزوال المنهج التقليدي – عبد العزيز شرف
  9. د. رؤوف عباس – تطور الفكر العربي الحديث
  10. العلمانية والإسلامية في سياق الإستعمار والتحرر
  11. عدنان زرزور – الأفغاني والمشروع النهضوي
  12. قصة ميلاد الإسلام السياسي من رحم الحركة الوطنية https://n9.cl/en/uc54y%0A%0A
  13. مصطفى كامل باشا في 34 ربيعًا نقلا عن كتاب (ما أخفاه العلمانيون من تاريخ مصر) ص286
  14. د. عبد العظيم رمضان - تطور الحركة الوطنية ص32
  15. رؤوف شلبي، (الإخوان المسلمون والسلطة السياسية في مصر)
  16. الشيخ محمد عبد الله الخطيب - موقف الإخوان المسلمين من الطغيان العالمي https://www.asharqalarabi.org.uk/mushrakat/b-mushacat-944.htm