الإخوان والشيعة.. الرؤية الضبابية!!

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإخوان والشيعة.. الرؤية الضبابية!!


بقلم : إسلام عبد التواب

الحُكم النهائي الذي يخرج به المتابع والمحلِّل من محاولة الوصول لموقف جماعة الإخوان المسلمين من الشيعة هو أن موقفهم يتسم بالضبابية التي تمنع أي مراقب من معرفة حقيقة أفكارهم حول العلاقة مع الشيعة على المستوى العقائديِّ والسياسيِّ.

يغذي هذا الحكم ما جرى اخيرًا على صفحات الجرائد، وعلى مواقع الإنترنت من مساجلة بين قطبين من كبار أقطاب الإخوان؛ هما المهندس يوسف ندا (مفوض العلاقات الدولية بجماعة الإخوان سابقًا)، والدكتور محمود غزلان (أمين الجماعة، وعضو مكتب الإرشاد)؛ حيث ذكر المهندس يوسف ندا في حواره مع جريدة المصري اليوم القاهرية رأيه في الشيعة، وأنه لا يكفرهم مهما طعنوا في الدين، وسبوا الصحابة، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم جميعًا، ونسب رأيه ذلك لمكتب الإرشاد، وللجماعة كلها، متطاولاً في الوقت ذاته على كل من يخالفه الرأي من الأئمة والدعاة وأفراد الجماعة ذاتها، ومتهامًا لهم بالجهل والتعصب وكثير من الأوصاف التي لا تنبغي، فرد عليه الدكتور غزلان نافيًا أن يكون ذلك هو رأي الإخوان المسلمين، وذكر رأيه (الذي يوافق فيه رأي أهل السنة وأئمتهم)؛ ذاكرًا أنه اضطُرَّ إلى ذلك رغم سعي الإخوان لوحدة الصف، ولكن ليس على حساب العقيدة، ونسب رأيه ذلك لمكتب الإرشاد أيضًا.

إلى هنا كان من الممكن أن يُسجَّل ذلك الموقف لصالح الجماعة على أساس أن موقف المهندس يوسف ندا موقف فردي انطلق فيه من قناعات شخصية بُنِيَت بسبب علاقات مستمرةمع الشيعة، وزيارات لبلادهم، وجلسات وعِشرة طويلة معهم، وأن موقف الدكتور غزلان الذي يتفق عليه أهل الشنة تقريبًا هو موقف الجماعة الأكبر في محيط العمل الإسلامي على مستوى العالم كله، ولكن ما جعل ذلك مستَبعدًا، وأكَّد حالة الضبابية في موقف الجماعة من الشيعة هو موقف المرشد العام للجماعة الستاذ مهدي عاكف الذي اعلن ان كلا الرجلين يتحدث عن رأيه الشخصي، ولم يذكر في الوقت ذاته رأي الجماعة مفضلاً عدم الخوض في الموضوع، وإغلاقه نهائيًّا.

لم يكن ذلك مقبولاً من مرشد الجماعة العالمية، ولم يسهم في تحقيق حالة التوحدة بين المذاهب الإسلامية، ولا أحبط محاولات إشاعة الفُرقة، وكذلك لم يحسِّن صورة الجماعة التي اهتزت عقب تصريحات يوسف ندا؛ فالجماعة التي في حجم الإخوان يجب أن يكون لها رأي واضح في التحديات الكبرى التي تواجه الأمة، ومن أكبر تلك التحديات العدوان الشيعي الزاحف على أهل السنة عقيدةً وأفرادًا وشعوبًا، والتعاون الواضح المستمر بين الشيعة وإيران من جهة وأشد أعداء الأمة الإسلامية الحاليين (أمريكا) من جهة أخرى. ثمة ضبابية وعدم وضوح إذن يغلِّفان موقف الإخوان من الشيعة – أحد أضلاع العدوان على الأمة في عديد من الجبهات – وقد جاء هذا المقال كمحاولة لفك طلاسم هذه الضبابية الغريبة..

البداية (نوَّاب صفوي في مصر)

ونوَّاب صفوي هو مؤسس جماعة فدائيان إسلام الإيرانية الشيعية المقاومة لشاه إيران، وقد زار مصر عام 1954م وكانت الأمور قد تأزَّمت بين الإخوان وحكومة الثورة وأوشك الانفجار بينهما أن يقع، وجاء يوم 12 من يناير 1954م؛ فاحتشد الإخوان وطلابهم في جامعة القاهرة للاحتفال بذكرى بعض ضحاياهم، كما حضرت جماعات من خصومهم وأقبل جمهور من طلاب الإخوان على الاجتماع حاملين نواب صفوي على الأكتاف ثم أصلوه إلى المنصة حيث خطب في الجماهير وكان موضوع فلسطين أهم ما في خطابه...

إذن رحَّب الإخوان وقتها بنواب صفوي؛ حتى قيل – وأنا لا أدري صحة ذلك – أنه زار مصر بدعوة من الإخوان المسلمين مباشرة، ولو صحَّ ذلك لكان بسبب مواقفه المناهضة للشاه وسياساته؛ التي جعلته بطلاً في أعين الإيرانيين.

ولكن المفارقة هنا أن الإخوان استقبلوه استقبال الأبطال رغم انه – أي نواب صفوي – متهم بقتل أحد علماء السنة البارزين في إيران، وهو الشيخ أحمد الكسروي ، الذي وفقه الله لترك التشيع ونقده ، واعتناق دعوة الكتاب والسنة، والذي كتب مقالاته التي ينقض فيها أصول المذهب الشيعي قد جذبت نظر بعض المثقفين إليه والجمعيات العاملة في البلاد ، وأقبل عليه فئات من الناس من كل أمة ونحلة، ولا سيما الشباب من خريجي المدارس فأحاط به آلاف منهم وقاموا بنصرته وبث آرائه ونشر كتبه .

ووصلت آراؤه بعض الأقطار العربية وهي الكويت، حتى طلب بعض الكويتيين من الكسروي تأليف كتب بالعربية ليستفيدوا منها ؛ فكتب كتابه الشهير "التشيع والشيعة" الذي أوضح فيه بطلان أصول المذهب الشيعي..[1]

لقد كان صفوي زعيم التنظيم الذي حاول اغتيال الكسروي مرةً وفشل قبل أن ينجح في قتله في المرة التالية، ثم جاء ليجد استقبالاً حافلاً في مصر والدول العربية.

السؤال هنا: هل عرف الإخوان بجريمته، وتعصبه وكرَّموه؟

أم أنهم لم يكونوا يعلمون؟

المفهوم الخاطئ للوحدة الإسلامية

الواقع أنه لا أحدَ منصفًا يمكنه المزايدة على حماسة الإخوان المسلمين للعقيدة، ولكن هناك من الأسباب ما يجعلهم يغفلون عن بعض الجوانب لنصرة هذه العقيدة!!

لقد انشغل الإخوان منذ بدايته بمفهوم الوحدة الإسلامية، وكان هذا من مبادئهم التي غرسها الإمام حسن البنا اقتداءً بالرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، حتى اشتُهِر عنه قوله "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"، وهو مفهوم صحيح، وقول صواب لو وُضِع في محله!!

ومحله كما كان البنا يقصد هو في التعاون بين المسلمين من أهل السنة من أهل المذاهب الفقهية المختلفة كالحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وبين الجماعات العاملة للإسلام كالإخوان وأنصار السنة والجمعية الشرعية وغيرهم، ولكن الإخوان طبَّقوا هذا المفهوم دون وعي على أهل البدع والأهواء من الشيعة المارقين المحاربين لأهل السنة، وليس من سبب لذلك إلا لجتماعهم على مقاومة الظلم..

إذن تطبيق المفهوم الصحيح للوحدة في الميدان الخطأ كان سببًا أساسيًّا في صياغة علاقة الإخوان بالشيعة والتشيع منذ البداية، ونستطيع أن نقول مطمئنين: غن ذلك المفهوم ما زال منتشرًا بين القواعد الإخوانية حتى الآن؛ وما ذاك إلا لأن تطبيق المفهوم بالشكل الخاطئ جعل الإخوان – وقياداتهم التربوية خصوصًا – عازفين عن الخوض في مسألة الشيعة والتشيع بشكل علمي شرعي؛ ولذا برز قول آخر - صحيح في مناسبته التاريخية، خاطئ في تنزيل المسألة عليه – وهو قول يعوِّل عليه كثيرٌ من مُربي الإخوان عندما يُسأَلون في مثل هذه المسائل من عقائد الشيعة الفاسدة التي تخرجهم من الملة؛ إذ يقولون: نحن لا نكفِّر أحدًا، وهو قول مستمد من تراث الأستاذ حسن الهضيبي المرشد الثاني للإخوان والذي قاله في مواجهة فتنة التكفير في المعتقلات، وكان يرفض به تكفير المجتمع، ولكنه قول لا يقبل التعميم في الواقع؛ إذ ليس هناك دين إلا وهناك مؤمن به، وكافربه، ولا يمكن ألا نكفر من كفر وارتدَّ عن الإسلام صراحة؛ كالذي سب السيدة عائشة في عِرضها، أو زعم تحريف القرآن، أو الانتقاص منه، وإلى هذا نعزو أقوال المهندس يوسف ندا الذي – على سبقه في الانتماء للدعوة – جاء بأقوال يُحاسَب عليها عقائديًّا..

من هنا ظلَّ كثير من الإخوان على نقص عِلم بالمسألة الشيعية عقائديًّا؛ وجاء اجتنابهم الخوض في المسألة عاملاً مساعدًا على تثبيت هذه الحالة من عدم العلم؛ ومن ثَمَّ الخطأ في اعتناق الرأي الشرعي الصحيح..

القصور في التحليل السياسي

إذا تجاوزنا عقودًا من الزمن لنصل إلى العصر الحاضر الذي ثارت فيه القضية على نطاق واسع؛ فسنجد الإخوان ما زالوا على موقفهم العام من عدم الخوض في القضية، ولكننا سنجد أيضًا ان كثيرًا من القيادات خطت خطوة أوسع في الاتجاه الخاطئ بتأييد الشيعة؛ رغم أن كل المعطيات التي أمامهم تدفعهم إلى النفور من الشيعة، ,العودة للفهم الإسلامي والموقف الشرعي الصحيح؛ مثل المذابح التي أقامها الشيعة في العراق للسنة من أهله، والتي قضوا فيها على عشرات الآلاف منهم، ومثل تعاونهم الفاضح مع القوات الأمريكية، وقيامهم بتهجير العائلات السنية بالقوة من بعض المدن العراقية، والقتل على الهوية، وكاستيلائهم على المراكز القيادية في الدولة العراقية بمساعدة ودعم قوات الاحتلال الأمريكي بعد نشر وترويج أكاذيبهم حول تعدادهم في العراق؛ حتى جعلوا أنفسهم أغلبية بالتزوير الفاضح؛ حيث السنة في الحقيقة هم الأغلبية.

وكذلك راى قادة الإخوان افتتان الشعوب المسلمةة بالشيعة بعد معركة يولية 2006م في لبنان؛ وانجذاب الجماهير حسن نصر الله بحثًا عن قيادة تعرف معنى الانتصار عن العدو (رغم أن حسن نصر الله معروف بتعصبه الشيعي ضد أهل السنة، وبعداوته وسبه للصحابة رضوان الله عليهم).

وكذلك وجد قادة الإخوان ما يحدث من موجة تشييع للبسطاء وناقصي العلم بالدين والتاريخ من أهل السنة، كما حذَّر الدكتور يوسف القرضاوي، وكما يجد ويلمس المختلطون بالمجتمع.

ولكننا رغم كل ذلك وجدنا رد الفعل الإخواني ثابتًا على جاله، وكأن شيئًا لم يكن، بل وجدت نقصًا شديدًا في المعلومات لدى بعض من يتولون الملف السياسي للجماعة، نقص في المعلومات التاريخية والشرعية والواقعية؛ إذ إنهم لا يتابعون مثلاً الفضائيات الشيعية التي تسب الصحابة، وتتهكم عليهم، وتتهم القرآن بالتحريف ليل نهار..

وعند مناقشتي لهذه القيادات وجدت أن الدافع لموقفهم (غير النقص في المعلومات) هو الموقف السياسي؛ إذ إنهم يرون أن الحملة السنية على الشيعة الآن تمهد - في حقيقة الأمر لضربة أمريكية ضد إيران -؛ ومن ثَمَّ فهم يرون خطأ تلك الحملة، كما يرون أن إيران والشيعة لديهم مشروع، وأن ذلك لا ينبغي أن نحاربهم من أجله، وإنما ينبغي علينا أن نرد على المشروع بآخر.

وبعضهم يرى أنه إذا كانت إيران خصمًا فإنه ينبغي أن نراعي الأولويات؛ فنوجِّه جهدنا لمواجهة المشروع الصهيوين الأمريكي.

وهذه النظرة لا توصف – عند التحليل الدقيق – إلا بالقصور في التحليل السياسي؛ إذ إن ألف باء سياسة تقول: إنني لا أهاجم عدوي لمجرد أنه صاحب مشروع، وإنما أهاجمه لأن مشروعه موجَّه ضدي، والمشروع الإيراني هو مشروع فارسي قومي – في حقيقته – اتخذ المذهبية شعارًا له، وكلا الأمرين: القومية الفارسية، والمذهب الشيعي معادٍ للإسلام صراحة، فقد هدم الإسلام الإمبراطورية الفارسية، وجاءت نشأة المذهب الشيعي أساسًا كوسيلة لتدمير افسلام من الداخل انتقامًا لإطفائه نار المجوس.

كما أنَّ أبجديات التحليل السياسي تقول: إن أمريكا لا يمكن أن تضرب إيران؛ لأن إيران – في الواقع – هي الحليف السياسي الأول لأميركا في الشرق الأوسط؛ وما حدث ويحدث في العراق خير دليل؛ فالتعاون على قدم وساق، والاحتلال الأمريكي للعراق تم بأيدي وخطط إيرانية، والمقابل يتم دفعه باستمرار.

بالإضافة إلى أن إيران أداة من أدوات السياسة الأمريكية في تخويف دول الخليج، وإبقاء الباعث على الاحتفاظ بالقوات الأمريكية في الخليج، الأمر الذي أصبح حيويًّا للولايات المتحدة من أجل الاطمئنان على السيطرة على حقوق النفط، وكذلك تشغيل مصانع الأسلحة الأمريكية من اجل توريد الأسلحة للدول الخليجية الخائفة من البعبع الإيراني.

كما أن نظرية الأولويات لا تعمي أبدًا أنني إذا هاجمني عدوان في وقت واحد أن الحكمة أن أتفرغ لأحدهما، وأترك الآخر ينهش جسدي!!

وإنما ينبغي أن أواجه العدوين في وقت واحد كما فعلت الأمة سابقًا بصد هجمات التتار والصليبيين في وقت واحد على جبهتين مختلفتين.

إذن كان القصور في التحليل السياسي سببًا من أسباب الضبابية في النظرة الإخوانية للقضية الشيعية، والذي يحتاج إلى وقفة واضحة تحدد موقف العقدي من السياسي في النظرة الإخوانية؛ فهل القضايا السياسية لها الأولوية على القضايا العقائدية لدى الجماعة؟

كما أن المنظومة السياسية لدى الجماعة تحتاج وقفة أخرى من أجل تطوير قدراتها، وفهم الأوضاع على وجهها الصحيح، وتحديد الصديق من العدو..

هذه قراءة تحليلية في قضية شائكة أردت بها تحرير موقف كبرى الحركات الإسلامية في العالم من قضية الشيعة الملتبسة؛ لعلنا نفض الاشتباك في الجدال الدائر داخل وخارج الجماعة، ولعلَّ الرسالة تصل للمعنيين بالأمر؛ وتكون لها جدوى وفائدة.

إسلام عبد التواب

باحث إسلامي

المصدر