الإخوان والفن والهجوم المتناقض

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مقدمة

لازالت جماعة الإخوان المسلمون تمثل إشكالية لدى حكومات الشعوب العربية –خاصة المصرية والإمارتية والسعودية- الذين سخروا المال والإمكانيات للطعن في جماعة الإخوان المسلمين ومنهجهم وفكرهم، وحاولوا بكل السبل لصق كل نقيصة بهذه الجماعة، واستخدموا في سبيل ذلك خصوم الجماعة والكارهين لها بل وبعض من ترك الجماعة على خلاف معها.

بل وصل بهم الحال إلى مكس تصريحات وتضارب أقوال خاصة في مجال اهتمام الجماعة بالفن، حيث اتهموا الجماعة أنها تعادي الفن وتحاربه وتحاول فرض الشريعة الإسلامية في هذا المجال وإلزام النساء بالاحتشام أمام الكاميرات وغيرها من التهم المغلفة والجاهزة عندهم.

وحينما وصل الإخوان للحكم وحاولوا إظهار الفن المحترم واجتمع الرئيس مرسي مع العديد من الفنانين تصاعدت حدة النقض وأنه سيقضى على القوى الناعمة في البلاد، - على الرغم من أن الرئيس ولا إدارته فرضت إى شيء على الفن ولا الفنانين- لكن تحركت الأقلام خوفا من أن نيغطى الإخوان العري، أو يقضوا على الاسفاف والابتزال الفني الذي كان يحاول البعض نشره بمعاونة أناس نجحوا في أظهار كل ما هو منحل في فنهم.

الحقيقة

إن الحقيقة التي لا يستطيع أحد إخفائها أن الإخوان المسلمون جماعة إسلامية،إصلاحية شاملة، حددت منهجها عبر أحد أصول الأستاذ البنا حينما قال:والقرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرف أحكام الإسلام ، ويفهم القرآن طبقا لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف ، ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات.

والإخوان المسلمين يهدفون إلى إصلاح سياسي واجتماعي واقتصادي من منظور إسلامي شامل، وهذه نظرتهم للإصلاح لكل مجتمع إسلامي ومن ثم ترجموا هذه الرؤية واقعيا على كل مجريات الأمور فلا ضروا أن نجدهم يسبغون جميع الإصلاحات وفق الرؤية الإسلامية وليس واقع شاذ يريد أن يفرضه سواء العلمانيين أو الشيوعيين.

ولذا نجد كل كتابات هؤلاء النفر لا تخلوا من هجوم على الإخوان لكونهم يريدون أن يصبغوا الواقع بالصبغة الإسلامية، خاصة القضايا التي تهتم بالواقع الحياتي والسياسي وشئون المرأة.

ومن ثم ظل مسلسل إظهار الإخوان أنهم أعداء الفن والسينما وأنهم كارهون لهذا الفن الرفيع وهذه القوة الناعمة التي تعتمد عليها الدول، حتى أنهم لوي أعناق التصريحات التي تحدث بها الإخوان على طريقة ولا تقربوا الصلاة، ولم ينزلوا تصريحاتهم الموضع الصحيح من أن الإخوان لا يكرهون الفن ولا السينما ولكن يكرهون ما يعرض فيها من ابتذال منافي للدين والأخلاق ويحض على الرذيلة والتعري والخروج من حقيقة العادات والتقاليد الإسلامية.

حقيقة الفن

يعتبر الفن رسالة لها أثر عميق على النفس ولها مغزى في الحياة، حيث يكمن الإبداع، والتميز، والأصالة، والتفرد، وهي الوسيلة للتعبير عن الأفكار، والمشاعر، والأحاسيس.

ورسالة الفن هى نشر القيم والمبادئ والدفاع عن التاريخ الحقيقي للأمة، ونشر التعاليم الحضارية، وقيم التقدم وحب العمل، والقيم الفاضلة والتسامح وحب الغير والمثل العليا؟! أليس الفن وسيلة لنهضة الأمم؟.. أليس الفن للدفاع عن ثوابت الأمم ومرتكزاتها

الإمام البنا ونظرته للفن

لم يقف الإمام من الفن مجرد المنظر أو مبدي الرأي الفقهي، أو الداعي نظريَّا إلى تبني الفن، دون الولوج إلى ذلك عمليًّا، بل ربما سبق عنده جانب التطبيق الجانب التنظيري، وليس معنى ذلك أنه لم يكن معنيًّا بذلك بل لم يكن معنيًّا بالوقوف كثيرًا عند الإسهاب في التنظير، ما دام قد اقتنع بشرعية فعل الشيء، وهذا ما حدث معه رحمه الله، فقد جعل للفن مساحةً ليست بالصغيرة في دعوة الإخوان المسلمين، فأنشأ فرقةً مسرحيةً- بل أنشأ فرقًا مسرحيةً- لعل أبرزها وأشهرها فرقة القاهرة، فقد أنشأ الأستاذ البنَّا في معظم شعب الإخوان المسلمين فرقًا مسرحيةً، كشعبة السيدة عائشة، والتي قدمت عددًا من المسرحيات للناس، منها ما هو تاريخي، ومنها ما هو خلقي، ومعظمها كان من اللون الفكاهي النظيف الراقي().

لقد تميز فن الإخوان بالالتزام بما جاء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والانفتاح والواقعية ويجمع بين الأصالة والمعاصرة.

وكان من عوامل نجاح التجربة: اعتماده مبدأ إنسانية الفن، وتبنَّى فقه التيسير في قضايا الفن، واعتماده على المختصين في هذا الفن، وتبني قضية الفن جماعيًّا().

رؤية فنية إصلاحية

كما ذكرنا أن دعوة الإخوان قامت على منهج الإسلام الذي حواه الكتاب والسنة ولذا التزموا بما أحله الله وما حرمه، ولم ينظروا في يوم إلى رضا الناس مقابل سخط الله عز وجل، فظهر الصدام مع من يريد أن ينشر الفاحشة وسط المسلمين متججا بأن هؤلاء يقدمون فن راقي ولا مانع من القبلات والأجساد العارية والمشاهد الساخنة طالما في سيق العمل وتؤدي هدف ولم يكن هذا منهج الإخوان.

ففى رسالة المؤتمر السادس 1941 ، توجه الأستاذ حسن البنا بدعوة إصلاحية إلى الحكومة المصرية،فيقول:«لقد رسمنا للحكومات المصرية المتعاقبة كثيرا منه مناهج الإصلاح، وتقدمنا لكثير منها بمذكرات ضافية فى كثير من الشئون التى تمسّ صميم الحياة المصرية ، لقد لفتنا نظرها إلى :

أ   – وجوب العناية بإصلاح الأداة الحكومية نفسها ، بـ : اختيار الرجال ، وتركيز الأعمال، وتبسيط الإجراءات ، ومراعاة الكفايات ، والقضاء على الاستثناءات.

ب  – وإلى إصلاح منابع الثقافة بإعادة النظر فى: سياسة التعليم ومراقبة الصحف والكتب والسينما والمسارح والإذاعة ، واستدراك نواحي النقص فيها وتوجيهها الوجهة الصالحة ».

جـ – وإصلاح القانون واستمداده من شرائع الإسلام »().

وليس ذلك فحسب بل كان اعتراض الإخوان على دور السينما نفسها ليس لكونها مباني تعرض أفلام لكنها كانت مجالا للدعاية الصهيونية أو من يملكون المال للترويج لباطلهم، ولهذا كان للإخوان موقف مما يعرض فيها ويجمل صورة الصهيونية، مما دف الأستاذ البنا أن يرسل برسالة إلى وزير الداخلية ينبهه لهذا الخطر:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. اتصل بنا أن سينما رويال ومتروبول وديانا تعرض فى دورها نشرة فرنسية تشمل دعاية للصهيونية قبل عرض الأفلام، وذلك منذ أول أمس (الاثنين)، وسيستمر عرضها إلى نهاية الأسبوع.

وبما أن موقف مصر من الصهيونية يحتم عليها ألا تسمح لمثل هذه الدعايات المثيرة أن تعرض فى أرضها، فنرجو التكرم بإصدار أمركم إلى الجهات المختصة لوقف عرض هذه النشرات الخطرة. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام().

لم يكتف الإخوان على أنفسهم ومشروعهم الإصلاحي بل وقفوا وشجعوا كل من طالب بذلك ومنهم العقاد الذي هاجم السينما وابتذالها فكتب صحف الإخوان تنقل موقفه:

وللتدهور الذي حدث في السينما المصرية "قدم الأستاذ توفيق الحكيم مذكرة إلى لجنة مراقبة الروايات السينمائية أثبت فيها ما شاع من التبذل وخوفه من زوال الحضارة والمدنية، وما أعجب قوله: "إن الأخلاق تطلب رد اعتبارها"، وهذا بعد قوله: "وأظهر علامات الفناء في حضارة ذيوع الفحش فيها والتبذل وفساد الأخلاق والإغراق في سوء فهم الحرية حتى تنقلب حيوانية، وأشفق أن يكون ذلك علامة انتهاء المدنية الحديثة، كما انتهت مدنيات آشور وبابل واليونان والرومان والعرب في الأندلس"().

وقد كتبت السيدة الفاضلة لبيبة أحمد مقالاً بعنوان "السينما والأخلاق" فذكرت أن: "السينما من العوامل المؤثرة في تطور الأمة وتكوين عقليتها وتكييف أخلاقها، ولا شك أنها أفادت بعض الشيء في توسيع معارف الجمهور، ولكن مما يؤسف له أن هذه الأفلام التي تذاع في الدنيا وخصوصًا في أقطار الشرق يتوخى فيها مجاراة ميول الجماهير وأهوائهم أكثر مما يتوخى فيها إفادتهم وتوسيع معارفهم وتقويم أخلاقهم، وقد ثبت في محاضر البوليس والنيابة العمومية وفي حرم القضاء أن كثيرًا من الجرائم المؤسفة التي تقع بين ظهرانينا قد ساعدت أفلام السينما على التفنن فيها، وابتكار أساليب لم تكن لتخطر على بال الذين ارتكبوها لو أنهم لم يتلقوا دروسًا عن الشاشة البيضاء، وهذا التهاون في أمر الأعراض من جانب الشبان ومن جانب الشابات على السواء ما كان ليبلغ الدرجة التي بلغها في مصر الآن لو لم تساعد على ذلك مناظر السينما، ولو لم تحبب إلى الناشئين، وهم في سن الطيش والرعونة – مالا يقدّرون عواقبه وسوء نتائجه".

وأشارت لمن يقول بأن الحالة التي صارت إليها أفلام السينما من خير أو شر حالة عالمية لا تملك مصر وحدها تحويل وجهتها، والخطط التي قد ترسم في مصر لمقاومة هذا التيار قد تبقى حبرًا على ورق لأن مصر لا تملك الحكم على تيار عالمي سكتت عنه كل الأمم.

فردت على ذلك بقولها: "إن التخريج السينمائي يتبع رغبة الأقطار ويتقلب مع أذواقها، والأخلاق حاجة مشتركة بين جميع شعوب البشر، وما نتألم منه لابد أن غيرنا يتألم منه، وإحجام عن مقاومة الشر فيه لابد أن يكون لملاحظة أنه شر عالمي لا يملكون مقاومته، فإذا تجاهرت مصر بالألم من الفساد الخلقي الذي جره عليها هذا النوع من الأفلام لابد أن يشاركها في إبداء هذا الألم كل من يشعر به مثلها، زد على ذلك أن مصر أخذت تضرب بسهم في صناعة السينما، ولا ريب أن إقبال الجمهور على الروايات المصرية أعظم من إقباله على الروايات الأجنبية، فمصر تستطيع أن تستغني بالتدريج عن كثير من الأفلام الأجنبية التي نشكو منها، وهذا الاتجاه من المراقبة على السينما في نصرة الفضيلة وتشديد الخناق على الرذيلة من شأنه أن يزيد المخرجين المصريين تشجيعًا على سلوك هذا السبيل، فنكون أصبنا ثمرتين اثنتين بحجر واحد: إحداهما وهي المقصودة بالذات من هذا المقال هي أن تكون السينما في جانب الأخلاق، والثانية تشجيع التخريج الوطني والإقلال من الروايات الأجنبية التي تعبر عن أخلاق غير أخلاقنا، وتنظم لبيئات غير بيئتنا".

واعترضت على الحل القائل بأن يُسنَّ تشريعًا لمنع الأطفال من غشيان السينما إلى سن معينة، فقالت: "كأنما شر السينما محصور في المشاهد المزعجة التي لا تتحملها أعصاب الأطفال، وكأن ذلك أعظم أهمية عندهم من أخلاق العذارى التي تنهدم من أسوارها صخرة بعد صخرة في كل نظرة تقع من عين البنت على مشهد غرامي يهيج كل ذي حس، وهل شاع هذا الانحلال في أخلاق غير المتزوجين، بل وفي رباط الأسرة عند المتزوجين، إلا بشيوع هذه المشاهد الفاسقة".

ثم ختمت المقال بقولها: "نكتب هذا لكل قادر على استنكار الشر من الآباء والأمهات والإخوة والأزواج، متوسلين إليهم بما لأخلاق بناتهم وإخوانهم وزوجاتهم من كرامة عندهم، فكفانا تجاهلاً بالداء العياء الذي يسري في أوردتنا وشرايينا، وحبذا لو يكون لمصر شرف البدء بمقاومة هذا الشر العالمي حتى يوقن كله بأنه شر، وأن من الخير العدول عنه إلى ما ينفع الناس، فتتحول السينما بعد ذلك إلى نعمة تفتخر بها إنسانية العصر الحاضر"().

كما أشار الإخوان إلى الفساد الذي تبثه الإذاعة، فجاء في مقال "الإذاعة اللاسلكية الغث والسمين في نصف أسبوع": "للإذاعة اللاسلكية محاسن لا يسعنا نكرانها وحرمان الناس من الاستمتاع بها، ولها مساوئ نحذر الناس منها، أقل ما فيها أنها تثير عواطف البليد وتدفعه حتمًا إلى ارتكاب الفواحش، وقد يقول قائل: إن التسلية بمثل هذه الملاهي قد يخفف على النفس تحفزها إلى الدخول في الشهوات، وتؤكد له أن الميل إليها يزيده هيامًا بها().

وكتب محمد لبيب البوهي قصة تدل على هذه المأساة فقد ذكر أن زملاء الدراسة الذين وفدوا من الريف لإكمال تعليمهم فى الجامعة قد غيرتهم دور السينما وأصبحوا يقلدون كل ما يرون فيها دون تمييز, ومن ثم طالب بأن تكون الأفلام التى تعرض من خلال السينما مهدفة وتعالج مشاكل المجتمع, وتعمل على حماية بناتنا وسيداتنا اللواتى يذهبن إلى السينما وإلا فلنغلق هذه الدور التى تعرض كل ما هو منكر().

روشتة علاج إخوانية

لم يعارض الإخوان السينما في ذاتها لكن كان معارضتهم لها لما تعرضه، ولذا وضعوا مقترحات عملية في برامجهم الإصلاحية، ومنها رفع مذكرة إلى رئيس الوزراء وضعوا أمامه الداء والدواء فقالوا:

وأهم منابع الثقافة العامة فى كل أمة: المدارس والصحف والمطبوعات والسينما والتمثيل والإذاعة اللاسلكية وهذه كلها تحتاج إلى إصلاح.

ب) وفى الصحف والمطبوعات والسينما والتمثيل والإذاعة تراقب كل هذه النواحى مراقبة فعالة منتجة، وينص فى القانون على عقوبات زاجرة رادعة، وأساس ذلك أن يختار المراقبون من الأمناء على دينهم الموثوق بأخلاقهم، بحيث لا تكون الناحية الفنية وحدها هى الأساس فى الاختيار، فكم يحارب الفن باسم الفن، وكم يعدل الفنيون عن الحقائق إلى الأهواء، وما كل فن يذاع، وليس كل ما درس فى أوروبا يطبق فى مصر، فلتختر الحكومة لجان المراقبة على أسس صالحة لتنتج مراقبة صالحة ولتوضع مناهج الإذاعة بدقة وإحكام، فإن "الراديو" بقدر ما أفاد غيرنا بقدر ما جنى على أخلاقنا، وحرام أن يستخدمه هتلر فى إنهاض شعبه وإلهاب شعور الحماسة فيه، ونستخدمه نحن فى الحب والغرام وأدوار العبث والهيام وهذه الأنواع الرخيصة من الأغانى التى تذاع.

ولتصادر الصحف الماجنة الخليعة التى يتشرب روحها أبناؤنا الأطهار وفتياتنا الصغار فتفسد عقولهم وأرواحهم وعواطفهم وشعورهم سواء كانت أجنبية أو مصرية، ولتهتم الحكومة بحركة التأليف والنشر، فتشجع المؤلفين الذين يعالجون النواحى الإصلاحية النافعة، وتعين اللجان لوضع البحوث والرسالات فى هذه النواحى، ولتهتم كذلك بتهذيب الأغانى والأناشيد، فأثرها فى تكوين الشعب الروحى جد خطير، بل لعلها أقرب الوسائل فى هذا الباب.. بذلك وأمثاله تصلح منابع الثقافة، ونقدم للشعب غذاء شهيا صالحا ينمو به أفضل النماء وتزكو عليه العواطف والعقول والأرواح.

وهذه السينمات ودور التمثيل -وهى معدودة عند الناس من وسائل التثقيف- لا يوزن ما فيها بميزان الأحكام الإسلامية، بل يعرض على مسارحها ما يحمر له وجه الفضيلة ويقضى على ما بقى فى نفوس هذا الشعب المسلم من دين().

وكتب إلى وزير الداخلية ورئيس مجلس الوزراء مصطفى النحاس باشا قال فيه:

وتكلفوا قلم المطبوعات بمراقبة الجرائد والمجلات ودور السينما لما يظهر فيها من صور ومقالات مبتذلة وتقطعوا دابر الإعلانات كالتي ظهرت باسم "شيكوريل" ملآى بصور العاريات ترويجًا للتهتك بالسواحل ()

ويقول الأستاذ البنا:

إن العلاج تربية الفتيان والفتيات تربية إسلامية عفيفة طاهرة، ومصادرة هذا الداء الوبيل من الصحف والمجلات والروايات والكتابات والمسارح والسينمات والإذاعات الهازلة الضئيلة المثيرة التى تستغل فى الناس أخس مشاعرهم وأحط غرائزهم. ومقاومة هذا التيار من التبرج والاختلاط ومفارقة البيوت والخدور للتسكع فى الحدائق والمصايف والمتنزهات وعلى الشواطئ وفى البلاجات. وتحريم هذه الوسائل الخسيسة التى تيسر على الشباب مقاصدهم بغير تبعة ولا رقابة ولا حساب. ثم تشجيع الزواج وتيسير سبيله على راغبيه وإقناعهم بالغاية الصحيحة منه().

ويشدد على ذلك في رسالة نحو النور فيقول:

  1. مراقبة دور التمثيل وأفلام السينما والتشديد فى اختيار الروايات والأشرطة.
  2. تهذيب الأغانى واختيارها ومراقبتها والتشديد فى ذلك.
  3. حسن اختيار ما يذاع أو يعرض على الأمة من برامج ومحاضرات وأغانى وموضوعات واستخدام الإذاعة والتلفاز فى تربية وطنية خلقية فاضلة.

وكتبوا مرارا لوزير الداخلية جاء فيه:

حضرة صاحب الدولة وزير الداخلية

أن تزاد الرقابة على أفلام السينما فتنقي بقدر الإمكان من المشاهد الغرامية التي يسوء فريقًا عظيمًا من الآباء أن تقع أنظار أبنائهم وبناتهم عليها، بل أن تقع أنظار الفريقين على إعلاناتها على الجدار وفي أكثرها صور التقبيل بين الجنسين مما لا يجوز عرضه على أنظار الفتيات وهن في دور الطهارة لئلا يهون عليهن اعتياد النظر إليه فيما يعترضن من تجارب، وكم كان لذلك من آثار مؤلمة ونتائج محزنة.

ثالثًا: وهنالك الإذاعة اللاسلكية وهي أيضًا كالصحف والسينما على أن تكون أداة تثقيف وتهذيب يمكن أيضًا أن تكون وسيلة من وسائل تهييج الشهوات، وتعويد الآذان سماع ما يكرهه أنصار الفضيلة().

وأكد الإخوان على العلاج فأكدوا على العناية بالسينما والتمثيل عناية صالحة ومراقبتها مراقبة دقيقة، واستبدال الأفلام والروايات الخليعة بكل ما يرمي إلى أهداف قومية، وتشجيع المؤلفين المسرحيين والسينمائيين على اختيار الموضوعات، وتأليف هيئة خاصة بذلك ().

ولقد دعا البنا لإنشاء فِرَق في معظم شعب الإخوان، وتمرين طلاب الثانوية والجامعة على التمثيل المسرحي  بل كان البنا يحضر بنفسه البروفات والإعداد للمسرحيات ، ويولي ذلك اهتمامًا كبيرًا، وكان العمل الفني عند البنا أشبه ما يكون بالعمل المؤسسي والمختص، لا من باب الهواية، أو على هامش الحياة، وهذا هو الفارق بين مسرح البنا، ومسرح الإسلاميين بعد البنا().

كما أصدر الإخوان المسلمون بعد أيام من قيام حركة الجيش وطرد الملك في يوليو 1952، وهو البيان الذي يتضمن "تصورهم للإصلاح المنشود وطرق محاربة الفساد ومحاربة المفسدين". من مطالب الجماعة: "أن تعمل الحكومة على تحريم ما حرم الله وإلغاء مظاهر الحياة التي تخالف ذلك، مثل القمار والخمر ودور اللهو والمراقص والمجلات الجنسية المثيرة للغرائز الدني().

ثمار جهود الإخوان في الفن

ولنا في قصة الفنان أنور وجدي مع الأستاذ البنا خير دليل على جهود الإخوان وعلى تقبل الإخوان للفن لكن الهادف، حينما تقابلا سويا عام 1945م في مقر البنك العربي (أول افتتاح للبنك في مصر كان عام 1944م لصاحبه الأستاذ عبد الحميد شومان) فبادر أنور الجندي بمصافحة الأستاذ البنا وقال له: أنا أنور وجدى المشخصاتى- يعنى الممثل- طبعاً فأنتم تنظرون إلينا ككفرة، نرتكب كل يوم المعاصى، فى حين أنا والله أقرأ القرآن، وأصلى، كلما كان ذلك مستطاعاً!!

رد عليه الإمام البنا بقوله: يا أخ أنور، أنتم لستم كفرة ولا عصاة بحكم أعمالكم. فالتمثيل ليس حراماً فى حد ذاته.. ولكنه حرام إذا كان موضوعه حراماً.. وأنت وإخوانك الممثلون تستطيعون أن تقدموا خدمة عظمى للإسلام إذا عملتم على إنتاج أفلام أو مسرحيات تدعو إلى مكارم الأخلاق.. بل أنتم تكونون بذلك أكثر قدرة على نشر الدعوة الإسلامية من كثير من وعاظ المساجد().

وهذا هو الفنان حسين صدقي، الذي يشير بعض معاصري البنا إلى علاقة بينه وبين البنا في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، قبل وفاة البنا ببضعة شهور، وأكمل الأستاذ سيد قطب المشوار الدعوي معه؛ إذ كان يسكن بجواره الفنان حسين صدقي رحمه الله، وقد ذهب إليه يخبره أنه ينوي اعتزال التمثيل، وتركه نهائيًّا، فقال له سيد قطب: إنني أكتب عشرات المقالات، وأخطب عشرات الخطب، وبفيلم واحد تستطيع أن تُنهي على ما فعلته أنا أو تقوِّيه.. أنصحُكَ أن تستمرَّ ولكن بأفلام هادفة().

ولقد اعترض كثير من كتاب ونقاد مصر على ما يعرض من أفلام تدعوا إلى التعري والفاحشة فنجد الدكتور أحمد خيري حافظ، مدرس علم النفس بآداب عين شمس يكتب "أن الشخصيات التي تعرضها معظم المسلسلات شخصيات مضطربة نفسيا أو منحرفة سلوكيا، تضرب القيم الطيبة عرض الحائط، ولا تقوم المسلسلات بتعريتها وكشفها. وإنما تقدمها كنماذج لامعة تنال الإعجاب وتحظى بتقدير المشاركين في تقديم هذه المسلسلات.

كما تطرح المسلسلات قضايا مستهلكة كاذبة مثل الخيانة الزوجية وعصابات المافيا، والاختلاسات والانحرافات الجنسية، والعلاقات المشبوهة مع الشغالات وسير الراقصات والفنانات.. فهل هذه القضايا تشغل حقيقة اهتمام الأسرة المصرية؟

وكتب الأستاذ: مصطفى عبد الوهاب، كاتب وناقد سينمائي يقول في فيلم "صراع العشاق" الذي يعرض الآن لا ينبغي السكوت عليه لأنه يمس الدين مسا مباشرا، لا يخلوا من انعدام في الذوق وتبلد في الإحساس، واستهتار بكل قيمنا وشعائرنا الدينية من يحمي مصر من الفساد().

وبعد ثورة يناير واجهه الإخوان عاصفة قوية من القائمين على الفن في مصر سواء مخرجين أو منتجين لمجرد دخول الإخوان هذا المجال ومحاولة المشاركة عام 2013 بفيلم تقرير الذي وافقت على عرضه أكاديمية الفنون قبل أن تعتذر تحت ضغط كثير من المنتجين والمخرجين أمثال مدحت العدل وتامر حبيب وخالد يوسف وغيرهم.