الإيجابية في حياة الأفراد والمجتمعات-10
بقلم : محمد فتحي النادي
على من تقع الإيجابية
هل الإيجابية يشترك فيها الجميع صغارًا وكبارًا.. شيوخًا وأطفالاً.. رجالاً ونساءً، أم أنها تنحصر في فئة معينة ولا تتعداها؟.
إننا نرى أنها تقع على شتى المراحل العمرية، وأن الكل يتحملون المسئولية، وإن كانت بدرجات متفاوتة، ولنزيد ذلك توضيحًا نذكر أمثلة على ما نقول.
1- تقع على الشباب والرجال
الشباب هم عماد الأمة، ومصدر فخرها وعزتها، وبحسن تربيتهم وتوجيههم تسعد بهم الأمة، وبإهمالهم أو سوء توجيههم تشقى بهم الأمة.
والشباب والرجال يمثلان معًا الحركة والنشاط في الأمم، وعليهم مدار الأمور.
والأفكار والآراء والمعتقدات التي يؤمن بها الشباب والرجال هي التي تعيش؛ لأنهم يملكون الحماس لها، والقوة على تنفيذها.
فمن البدهي إذن أن نجعل هؤلاء على قمة من تقع عليهم الإيجابية.
ومن الأمثلة التي تدل على ما نقول:
1-الخليل إبراهيم عليه السلام
عندما كان خليل الرحمن سيدنا إبراهيم عليه السلام شابًّا وجد قومه يعبدون الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، فآلمه ما يراه منهم {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ}[الصافات:88-89]، فلم يقف مكتوف الأيدي، ولم يأل جهدًا في إظهار الحق ودحض الباطل، ولم يخفه صغر سنه، ولا تكالب الدنيا عليه، وهو الشاب الغض الطري، بل كسر أصنامهم، واستثار حفيظتهم، وجعلهم يتساءلون في ألم وحسرة عمن فعل هذه الأفاعيل الشنيعة -من وجهة نظرهم القاصرة- بآلهتهم، فكان قولهم: {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ}[الأنبياء: 60].
إبراهيم الذي شعر بالمسئولية فأعد لها عدتها، وأدى رسالتها على أكمل وجه وأتم أداء، ولسنا هنا في معرض الحديث عن قصته كاملة فهي كالدرر محفوظة في كتب التفاسير.
2-حبيب النجار
هذا الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، وهو مشفق على قومه يريد أن يأخذ بأيديهم إلى بر الأمان، وإن كلفه هذا عمره وحياته، فبعد أن كذب قومه المرسلين جاءهم مسرعًا يرشدهم ويهديهم، ويسوق لهم الحجج القاطعة والبراهين الساطعة على صدق المرسلين، ويبين لهم أنه آمن بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، ومع كل هذا أبى قومه إلا الشرك والكفور، فكانت عاقبتهم العار والشنار والخزي والدمار، وأخذتهم الصيحة، وكانت عاقبته الجنة بنعيمها المقيم وظلها المستديم، ولما لا والجزاء من جنس العمل، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فاسمع معي يا أخي المسلم إلى هذا التصوير القرآني الرائع لقصة هذا الرجل وحديثه الحاني إلى قومه، يقول الله I: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِـنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}[يس: 20-30].
"فهذا رجل سمع الدعوة، فاستجاب لها بعد ما رأى فيها من دلائل الحق والمنطق ما يتحدث عنه في مقالته لقومه. وحينما استشعر قلبه حقيقة الإيمان تحركت هذه الحقيقة في ضميره فلم يطق عليها سكوتًا، ولم يقبع في داره بعقيدته وهو يرى الضلال من حوله والجحود والفجور، ولكنه سعى بالحق الذي استقر في ضميره وتحرك في شعوره. سعى به إلى قومه وهم يكذبون ويجحدون ويتوعدون ويهددون. وجاء من أقصى المدينة يسعى ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق، وفي كفهم عن البغي، وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم الذي يوشكون أن يصبوه على المرسلين"([1]).
3-مؤمن آل فرعون
هذا الرجل الذي آمن ووقع الحق في قلبه، ولكنه أخفى إيمانه وكتمه خوفًا من جبار غاشم وطاغية ملحد، وهل هناك أشد كفرًا وعنادًا وظلمًا من فرعون؟!
ومع هذا أخذ هذا المؤمن ينافح عن رسول ربه ويدافع عنه ويقول لقومه: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ}، وأخذ يرغبهم مرة ويرهبهم مرة أخرى، وبيّن لهم أن الأيام دول، وأن من سره زمن ساءته أزمان، وأن الأرض والملك لله، وهو ناصر عباده المخلصين لا محالة ولا ريب في ذلك.
وأخذ يقص عليهم من أخبار الأمم الغابرة التي كذبت رسل ربها فأخذهم الله بعذاب، وجعلهم عبرة لمن يعتبر، وذكرهم بيوم الأحزاب وقوم نوح وعاد وثمود لكي يتعظوا، أو ترق قلوبهم، وتصغي آذانهم لنداء الحق، وأخذ يسرد عليهم من أخبار يوسفعليه السلام حتى يجعلهم يتخلون عن ظلمهم وجحودهم، وأخذ فرعون يدعو أتباعه ويقول لهم: ليس لكم وجهة سوى التي أوجهكم إليها، والأمر أمري، والشورى ملكي، وكانت النتيجة أيضًا نجاة المؤمن في الدنيا من سيئات مكرهم، ونجاته في الآخرة من النيران، وهلاك فرعون وحزبه في الدنيا، وإدخالهم يوم القيامة في أشد العذاب.
اسمع إلى هذه الآيات البينات تصور لنا هذا المشهد العظيم: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ .......... فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}[غافر: 28-46].
وهذا الرجل له موقف سابق مع نبي الله موسى عليه السلام؛ حيث قيل: إنه هو الرجل الذي جاءه من أقصى المدينة يسعى، قال صاحب الظلال عند تفسيره لقوله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ}[القصص: 20]: "الأرجح أنه الرجل المؤمن من آل فرعون الذي يكتم إيمانه"([2]).
وعلى كل الأحوال فهو رجل أحياه الله I حياة الإيجابية فاستحق شرف الذكر في القرآن العظيم، ذلكم الرجل الإيجابي الذي جاء يسرع وقد كاد نفَسه أن ينقطع، وكادت روحه أن تخرج من شدة السعي والإرهاق حرصًا على حياة موسى عليه السلام، عندما سمع المؤامرة التي حاكها الأعداء لموسى عليه السلام، فما لبث إلا أن سلك أقرب الطرق الموصلة لموسى دون علم علية القوم وأكابرهم، وحملته إيجابيته وحبه للخير على التعب والإرهاق من أجل نصرة المظلوم، أو على الأقل نصحه ومحاولة إنقاذه، وهذه حسنة عظيمة من حسنات هذا الرجل الذي أحيا الله I به موسى، وحماه من القتل، فالأخذ بالأسباب من السنة، والاعتماد عليها شرك، فليتنا نتعلم من هذا الرجل الذي لم يذكر الإسلام لنا اسمه لكنه خلد رسمه، ورفع ذكره في القرآن الكريم.
4-أبو بكر الصديق
هو أول من آمن برسول الله من الرجال، صدق بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قلبًا وقالبا، وأحبه الحب كله، وأخلص له الإخلاص كله، ومن المعلوم أن من أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله.
دفعه حبه t لرسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى الدفاع عنه في أحلك الأوقات، وأشد الظلمات، وإلى التصديق به يوم نزلت به الملمات، فحق له أن يسمى بالصديق، فعن عروة بن الزبير قال: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنْ أَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: رَأَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّي فَوَضَعَ رِدَاءَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَفَعَهُ عَنْهُ فَقَالَ: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ}([3]).
فهذا هو المثل الأعلى، والرمز الأسنى، والقائد الأهدى، والخليفة الأرقى، صاحب رسول الله، ثاني اثنين إذ هما في الغار، أبا بكر الصديق t الذي صار مثالاً للإيجابية، وصارت الإيجابية مثالاً ورمزًا عليه، لم يقدر عليه الشيطان لا في جاهلية ولا في إسلام، كان حبيب خير البرية، عرفناه في بدر، وفي أحد، وعلمناه يوم الردة، فهو t الذي قال قولته الشهيرة: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لقاتلتهم عليه. وهذا دليل قاطع على قوته في الحق وصدق إيجابيته.
ومن الأدلة على إيجابيته أيضًا t إنفاذه لبعث أسامة رغم كثرة معارضيه، ومحاربته للمرتدين، وقتاله لمدعي النبوة، فجزى الله أبا بكر الصديق خيرًا عن الإسلام ورسوله والمسلمين، وحشرنا في زمرته مع النبي محمد سيد ولد آدم، خير من حقق الإيجابية في نفسه، وأمرنا بها، ورضي الله عن الصحب والآل والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
5-أصحاب الكهف
هؤلاء الفتية الأتقياء الأنقياء الذين آمنوا بربهم فزادهم هدى على هداهم، وآتاهم تقواهم، وجعلهم مثلاً أعلى يحتذى، ونموذجًا أرقى يقتدى في الصبر والثبات، أبصروا بعين اليقين فبصرهم الله، والتمسوا النجاة فنجاهم الله، وطلبوا الحماية فأراهم الله، وصدق فيهم قول الحق سبحانه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}[الطلاق: 2-3].
هؤلاء الفتية الذين فروا بدينهم من أعدائهم فرار الشاة الشريدة من الذئب المطارد، واستعانوا بربهم فأعانهم، وفعلهم هذا وتركهم لبلادهم وتوجسهم خيفة من أعدائهم إن دل على شيء فإنما يدل على صدق اليقين، محققين الإيجابية العالية، وضاربين المثل في التضحية الغالية، خرجوا من ديارهم ولسان حالهم يقول:
من غير ربي يرسل الغيث الذي
- يروي عطاش البيد في الصحراء
من غيره رزق الجنين غذاءه
- والنمل تحت الصخرة الصماء
لا أحد إلا الله.
اسمع إلى القرآن الكريم الذي يصور حالهم: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ........ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَمِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا}[الكهف: 9-26].
([1]) في ظلال القرآن، (5/2963).
([2]) السابق، (5/2685).
([3]) أخرجه البخاري في "المناقب"، باب: "قول النبي r: لو كنت متخذًا خليلاً"، ح(3402).
المصدر
- مقال:الإيجابية في حياة الأفراد والمجتمعات-10موقع:الشبكة الدعوية