الإيجابية في حياة الأفراد والمجتمعات-4
بقلم : محمد فتحي النادي
5-تحافظ على المجتمع من عوامل الضعف
المجتمع البشري كالأفراد تمامًا بتمام، يصيبه ما يصيبهم، والعلاقة بين المجتمعات والأفراد علاقة طردية؛ فكلما حسنت حالة الأفراد حسنت حالة المجتمعات، والعكس بالعكس؛ لأن المجتمع ما هو إلا أفراد البشر الذين تجمعهم علاقات وروابط وأهداف واحدة، ويعيشون في صعيد واحد.
فإذا كانت الأهداف والغايات سامية، والوسائل مشروعة، والتصورات واحدة، والتعاون بين الأفراد قائم، فهذا مجتمع قوي يقوم على أسس سليمة متينة.
أما إذا انحطت الغايات، واستخدمت الوسائل المشروعة وغير المشروعة، وحدث اختلاف في التصورات، فالنتيجة الحتمية أنه لا تعاون بين أفراد هذا المجتمع، مما يكون مؤشرًا على ضعفه.
فالإيجابية هي التي تبني الفرد بناءً سليمًا، وإذا شعر الفرد بمسئوليته تجاه مجتمعه أهمه ما قد يجده من سلبيات فيه، فيعمل على تغييرها أو إزالتها بالتعاون مع من ينتهجون نفس المنهج وتجمعهم نفس التصورات.
وقد صور النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في تصوير دقيق حال الأفراد إذا كانوا إيجابيين، ونتيجة ذلك على المجتمع الذي يعيشون فيه، والذي صوره بسفينة تسير وسط الأمواج المضطربة، وحالهم إذا كانوا سلبيين وأثر ذلك على المجتمع نفسه، صور ذلك كله في صورة تمثيلية فقال: "مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْمُدْهِنِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا، وَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا يَصْعَدُونَ فَيَسْتَقُونَ الْمَاءَ فَيَصُبُّونَ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلاَهَا. فَقَالَ الَّذِينَ فِي أَعْلاَهَا: لاَ نَدَعُكُمْ تَصْعَدُونَ فَتُؤْذُونَنَا. فَقَالَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا: فَإِنَّا نَنْقُبُهَا مِنْ أَسْفَلِهَا فَنَسْتَقِي. فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ فَمَنَعُوهُمْ نَجَوْا جَمِيعًا، وَإِنْ تَرَكُوهُمْ غَرِقُوا جَمِيعًا"([1]).
ففي هذا الحديث النبوي الشريف يضرب لنا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- المثل حتى تتضح أمامنا حقيقة الأشياء، ويزول اللبس؛ حيث شبه المجتمع الذي نعيش على أرضه بالسفينة، والمعاصي والذنوب بالبحر، والأفراد الذين يركبون السفينة هم أفراد المجتمع، فلو أن هؤلاء الأفراد تناصحوا فيما بينهم، وتعاونوا على البر والتقوى، وتناهوا عن الإثم والعدوان، كان مجتمعهم عاليًا راقيًا قويًّا فتيًّا.
وعلى العكس من ذلك، فلو ساد في هذا المجتمع التناحر، واقتراف المعاصي، وعدم المبالاة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، لأصبح هذا المجتمع ضعيفًا ركيكًا، ولأصبح قول الحق فيه، والتناهي عن المحرمات، وارتكاب الموبقات، وفعل المهلكات صرخة في واد أو نفخة في رماد.
والمجتمع السلبي الذي يعيش فيه كل فرد لنفسه على حساب الآخرين مجتمع زائل لا محالة، كما أن المجتمع الإيجابي المتناصحة أفراده، المتحدة أفكاره، المتوافقة أهدافه مجتمع راق عال لاشك، وهذا ما بينه لنا الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في الحديث الذي سقناه آنفًا.
والتمزق والتشرذم من عوامل ضعف المجتمعات، بل هما كالسوس الذي ينخر في عظام المجتمع حتى يخر عاليه على سافله، ومن أشد ما يساعد على التفرق والتشرذم أن تكثر الأشياع والفِرَق والأهواء، ويكثر الخروج على الحاكم الشرعي الذي اجتمعت عليه الكلمة، فمن أراد أن يشق وحدة الصف وجب على المسلمين أن يقفوا أمامه، وإن وصل الحد للقتال للحفاظ على الوحدة للمجتمع الإسلامي.
وتخيل مجتمعًا يكثر فيه طالبو الرياسة والوجاهة، هل يستقيم أمره؟ أو يكون له شوكة تحميه من الأخطار المحدقة به؟ لاشك أنه سيكون كالريشة في مهب الريح لا تملك من أمرها شيئًا؛ لذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: "إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا"([2]).
ففي هذا الحديث الشريف ينهى -صلى الله عليه وآله وسلم- عن الاختلاف المشئوم الذي يؤدي إلى التناحر والتدابر والتفكك والتمزق والتشرذم، فيأمر بقتل الآخر من الخليفتين اللذين بويعا، حقنًا للدماء، وصونًا للأعراض، وحفظًا للكرامة، وتجنبًا للمحن والفتن.
فالمؤمنون إخوة، يحترم صغيرُهم كبيرَهم، ويحنو كبيرهم على صغيرهم، فهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وهم أمرهم شورى بينهم فلا يجوز لواحد منهم أن يشق عصا الجماعة، أو أن يحيد عن القافلة، فهو بذلك معرض للهلاك؛ حيث إن الذئب لا يأكل من الغنم إلا القاصية، ومن هنا أمر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بقتل من أراد أن يشق عصا خليفة المسلمين العامل المختار؛ لأنه بفعله هذا يفسد البلاد ويضر العباد.
6-تُعرّف المرء ما له من حقوق وما عليه من واجبات
يعيش المرء في مجتمعه من خلال شبكة معقدة من العلاقات، ولابد من وجود قواعد تنظم تلك العلاقات، والقاعدة المحكمة هي أن يعرف المرء ما له من حقوق وما عليه من واجبات، فلا يعيش ينتظر من الآخرين ما عليهم تجاهه من حقوق وينسى الواجبات المنوطة به، ولكن كما يأخذ يعطي، فلا ينتظر الولد -مثلاً- أن يلبي أبوه كل ما يرغب فيه، وفي المقابل يضن على أبيه ببره والإحسان إليه، ولا ينتظر الزوج كذلك أن يأخذ حقوقه من زوجته كاملة غير منقوصة دون أن يعترف بالواجبات المعلقة بعنقه تجاهها، وهكذا على كل المستويات والأصعدة.
فالسلبي هو الذي لا يرى لغيره حقوقًا عليه، وفي المقابل يحب أن يأخذ كل ما يراها حقوقًا مكتسبة له، ويضيق صدره ويتبرم إذا قصّر أحد معه، أو منعه ما يراه حقًّا له.
والناظر في قصة أبينا إبراهيم عليه السلام مع ولده إسماعيل عليه السلام يرى إلى أي مدى وصلت العلاقة بين الأب وابنه، وكيف تجلت تلك القاعدة في أسمى معانيها؛ فالأب له حق البر والسمع والطاعة على ابنه، والابن له على أبيه حق الحب والرحمة والعطف والحنان، وكل منهما يسارع في بذل ما يراه واجبًا عليه، يقول جل جلاله: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}[الصافات: 102-107].
قال صاحب الظلال عند قول أبينا إبراهيم لابنه: {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى}: "فهي كلمات المالك لأعصابه، المطمئن للأمر الذي يواجهه، الواثق بأنه يؤدي واجبه. وهي في الوقت ذاته كلمات المؤمن، الذي لا يهوله الأمر فيؤديه في اندفاع وعجلة ليخلص منه وينتهي، ويستريح من ثقله على أعصابه!
والأمر شاق ما في ذلك شك، فهو لا يطلب إليه أن يرسل بابنه الوحيد إلى معركة. ولا يطلب إليه أن يكلفه أمرًا تنتهي به حياته.. إنما يطلب إليه أن يتولى هو بيده. يتولى ماذا؟ يتولى ذبحه.. وهو مع هذا يتلقى الأمر هذا التلقي، ويعرض على ابنه هذا العرض، ويطلب إليه أن يتروى في أمره، وأن يرى فيه رأيه!
إنه لا يأخذ ابنه على غرة لينفذ إشارة ربه وينتهي. إنما يعرض الأمر عليه كالذي يعرض المألوف من الأمر. فالأمر في حسه هكذا. ربه يريد. فليكن ما يريد. على العين والرأس. وابنه ينبغي أن يعرف، وأن يأخذ الأمر طاعة وإسلامًا، لا قهرًا واضطرارًا؛ لينال هو الآخر أجر الطاعة، وليسلم هو الآخر ويتذوق حلاوة التسليم!
إنه يحب لابنه أن يتذوق لذة التطوع التي ذاقها، وأن ينال الخير الذي يراه هو أبقى من الحياة وأقنى..
فماذا يكون من أمر الغلام، الذي يعرض عليه الذبح، تصديقًا لرؤيا رآها أبوه؟
إنه يرتقي إلى الأفق الذي ارتقى إليه من قبل أبوه: {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}..
إنه يتلقى الأمر لا في طاعة واستسلام فحسب، ولكن في رضا كذلك وفي يقين…"([3]).
وإذا حدث خلل في تصور تلك القاعدة، فإن الإسلام يعالجه، ويضع الأمور في نصابها، ففي الحديث أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- آخَى بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا. فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ: كُلْ. قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ. قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ. قَالَ: فَأَكَلَ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ. قَالَ: نَمْ. فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمْ الآنَ، فَصَلَّيَا. فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : "صَدَقَ سَلْمَانُ"([4]).
فهنا أبو الدرداء بالغ في أداء العبادات من صلاة وصوم وقيام، وهذا حسن، ولكنه نسي في خضم الواجبات حقوق زوجته عليه التي رأت عزوف زوجها عنها فأهملت نفسها، وعندما رأى سلمان هذا الأمر لم يسعه إلا أن يعرّف أخاه ما عليه من واجبات وما له من حقوق، حتى لا تطغى الأمور بعضها على بعض فتختل الموازين وتفسد الأحوال، وقد أقر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هذا الأمر من سلمان.
ومن الصور التي تبين لنا هذا المعْلم الأكيد والمهم من معالم الإيجابية تلك القصة التي جرت بين الخَضِر عليه السلام ونبي بني إسرائيل موسى عليه السلام ، هذا العبد الرباني المعلَّم المعلِّم الذي علمه ربه وآتاه من لدنه علمًا، وأعده ليكون معلمًا لواحد من أولي العزم، وهو موسى عليه السلام كليم الله.
الخضر عليه السلام ضرب المثل الأعلى في صفات المعلم الأخلاقية الشاملة من أدب جم رفيع، وتواضع، وحسن خلق، وجمال أدب.
المعلم الذي لا يعرف الضيق ولا الضجر ولا الاستهزاء ولا السخرية، علم موسى من مواقفه التي أمره الله بها، وفي أدب تام نسب الفضل لأهله ولم ينسبه لنفسه، وهذا من سمات الأوفياء الأنقياء فقال في نهاية حديثه إلى موسى: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} فكان نعم المعلم، ونعم المربي.
وموسى نبي بني إسرائيل ضرب المثل الأعلى في صفات المتعلم الذي يصبر على أستاذه، ويخشى أن يضيق أستاذه به ذرعًا، فيتلمس منه العذر تلو العذر حتى قضى الله أمرًا كان مفعولاً.
(يتبع)
([1]) أخرجه الترمذي في "الفتن"، باب منه، ح(2099)، وقَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
([2]) أخرجه مسلم في "الإمارة"، باب: "إذا بويع لخليفتين"، ح(3444).
([3]) في ظلال القرآن، (5/2995).
([4]) أخرجه البخاري في "الصوم"، باب: "من أقسم على أخيه ليفطر..."، ح(1832).
المصدر
- مقال:الإيجابية في حياة الأفراد والمجتمعات-4موقع:الشبكة الدعوية