الإيجابية في حياة الأفراد والمجتمعات-6
بقلم : محمد فتحي النادي
10-تحمي العرض وتسترد الأرض وتحقق النصرة للمسلمين
جاء الإسلام ليحافظ على الضروريات الخمس، وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال.
وهناك من يجعل حفظ العرض بدلاً من حفظ النسل، وعلى كلٍ فإن الحفاظ على العرض من المقاصد الضرورية، أو مما يلحق بها.
ونتيجة لنـزغ الشياطين بين بني البشر يحدث الاعتداء على العرض والأرض، وإذا لم يهب أحد لدفع هذا الاعتداء لفسدت الأرض، والمدقق يرى أن هناك فئتين تتحملان مسئولية دفع هذه الأمور:
الأولى: هي من وقع عليها الاعتداء، وذلك بتحركها لدفعه عنها، قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قَاتَلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قَاتَلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ"([1]).
والثانية: هي التي تحضر وتشهد هذا الاعتداء، والواجب عليها أن تدفعه، وألا تخذل من وقع عليه إهانة عرضه أو اغتصاب أرضه، أو ما شابه ذلك، ففي الحديث يقول الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم: "مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلاَّ خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلاَّ نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ"([2]).
ففي هذا الحديث الشريف الجامع المانع بشارات ونذارات بيّنها لنا الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم؛ حيث إن الإنسان المسلم الإيجابي الذي ينصر أخاه، ويمنع عنه الظلم الواقع عليه، وينافح عن حرمته، ويذود عن عرضه، يسخر الله I له من ينصره في وقت يكون فيه في مسيس الحاجة إلى من ينصره، ويدفع عنه الظلم الواقع عليه، وبيّن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن الإنسان الأناني السلبي الذي لم يعلم من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، الذي لا يتمعر وجهه من أجل انتهاك عرض مسلم، والذي لا ينصر أخاه في وقت حاجته إليه، أن الله I سيخذله في وقت يحب فيه أن ينصر، وهيهات... هيهات فقد سبق الامتحان وفات الأوان.
والأمثلة كثيرة في أناس هبوا عندما انتهكت الأعراض أو اغتصبت الأراضي، فحموا العرض والأرض، فـ"عن أبي عون قال: كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديًّا، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاصطرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع"([3]).
فما النسب بين هذا المسلم هذه المسلمة، إنه نسب الإيمان الذي لا يعلوه نسب، لقد هلك دون عرض هذه المرأة ولم يخش كثرة يهود في سوقهم، ولكن الحمية لانتهاك ما حرمه الله جعله يفتدي عرض هذه المرأة بنفسه، وكفى بفعله هذا شرفًا.
هذا الرجل الذي لم نعرف عنه شيئًا، وما يضيرنا في عدم معرفة اسمه، إن الضرر كل الضرر ألا نجعل هذا الفعل نبراسًا نقتدي به في حياتنا.
وهذه الإيجابية في المجتمع المسلم كانت تدب في كل أوصاله، وكل زواياه، وتسري من القاعدة إلى قمة الهرم الاجتماعي والسياسي؛ فإذا كان ما سبق من مسلم لم نعرف عنه شيئًا، فإننا نجد كذلك الخلفاء الأوائل يقومون بأعمال مجيدة سطرها لنا التاريخ، منها ما قام به المعتصم من فتح لعمورية، "وكان سبب فتح المعتصم عمورية أن امرأة من الثغر سبيت، فنادت: وا محمداه... وا معتصماه، فبلغه الخبر، فركب لوقته وتبعه الجيش فلما فتحها قال: لبيك أيتها المنادية"([4]).
ومن المواقف العظيمة التي تجلت فيها الإيجابية التي حققت النصرة للمسلمين رغم الظروف الصعبة التي أحاطت بهم من قلة في العدد والعداد، ومحاربتهم لجيش عرمرم يسد الأفق مدجج بالسلاح، تأتي غزوة مؤتة والتي حكى قصتها عبد الله بن جعفر فقال: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ r جَيْشًا اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَقَالَ: "فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ أَوْ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ أَوْ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ". فَلَقُوا الْعَدُوَّ فَأَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرٌ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَتَى خَبَرُهُمْ النَّبِيَّ r فَخَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: "إِنَّ إِخْوَانَكُمْ لَقُوا الْعَدُوَّ، وَإِنَّ زَيْدًا أَخَذَ الرَّايَةَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ أَوْ اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ بَعْدَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ أَوْ اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ أَوْ اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ"([5]).
فلولا إيجابية هؤلاء الجبال الشوامخ والأبطال الفوارس لما عرف كل واحد منهم واجبه، ولما أدى ما عليه من تكاليف، فهذا زيد حب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي شرفه الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في العالمين عندما أعلن تبنيه إلا أن الحق أبى إلا أن يرد الحق إلى أهله فحرم التبني- يتولى إمارة الجيش حتى تفيض روحه، وتخرج أنفاسه الطاهرة حتى تستقر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فيأتي من بعده الفارس الهمام والبطل المقدام الشهيد الطائر ذو الجناحين جعفر بن أبي طالب فيحمل الراية بتكليف من سيد البشرية -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي ألقى بالمسئولية على عاتقه، فما كان له بد من حملها والنهوض بواجبها حتى قدّم مهرها ودفع ثمنها من أجلّ ما يقدم مهرًا، ومن أغلى ما يدفع ثمنًا، فأمهرها روحه الطيبة الطاهرة النقية التقية حتى قال في حقه سيد الخلق وحبيب الحق الذي لا ينطق عن الهوى في مراسم تشييعه وتكريمه السماوية التي أبت أن تكون أرضية: "رَأَيْتُ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مَلَكًا يَطِيرُ فِي الجَنَّةِ مَعَ المَلائِكَةِ بِجَنَاحَيْنِ"([6])، فأنعم به من تكريم، وأجمل به من تشييع، وما أجملها منزلة تلك هي التي فتحت أبوابها من أجله، ألا وهي الجنة التي عرضها كعرض السموات والأرض فانطبق عليه قول القائل:
واعمل لدار غد رضوان خازنها
- قصورها ذهب والمسك طينتها
من يشتري الدار في الفردوس يعمرها
- الجار أحمد والرحمن ناشيها
والزعفران حشيش نابت فيها
- بركعة في ظلام الليل يحييها
أمهر الجنة روحه الزكية فكانت عروسه الرضية.
ثم يأتي بعد هذين الشهدين المقدامين ثالثهما المنافح عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بلسانه وسنانه فبذل أقصى ما في وسعه من أجل إعلاء كلمة التوحيد، ونشرها عالية خفاقة في ربوع الدنيا، فلم يبخل ولم يضن بما يملك، وأراد أن يلحق بأخويه الأكرمين؛ لأن روحه تحن إليهما، ونفسه تشتاق إلى نفسيهما، وجوانحه تأبى إلا التعلق بجوانحهما.
وما مات حتى مات مضرب سيفه
- من الضرب واعتلت عليه القنا السمر
وكقول الآخر:
هل سألت الشمس عنا والقمر
- يوم حررنا من الرق البشر
وقال غيره:
ولوينا رأس كسرى
- ونصبنا العدل في دار عمر
قدم هذا الثالث الفريد من نوعه روحه الزكية مهرًا للجنة، وجاد بأنفاسه الطاهرة لتكون له من النار جنة.
فأتى من بعدهم أسد يأبى إلا أن يكون سيد الغاب، وفارس الوغى، وقاطع رأس الشرك، ألا وهو سيف الله المسلول الذي سله الله على الأعداء، الذي لم يهزم في معركة قط، ولما لا إنه خالد بن الوليد الذي لازم النصر رجليه، وحنت الغنائم إلى صهيل جواده. فأخذ الراية وأذاق العدو الحسرة والندامة، وألحق به الهزيمة، وجعله يفر من أمامه فرار القط من أسد هصور، ففتح الله له وعليه، ورفع به كلمة التوحيد، واقتص لإخوانه الشهداء الذين رووا الأرض من دمائهم الزكية.
ولو أردنا أن نتعلم من هؤلاء الأعلام درسًا، ونأخذ منهم عبرة، لتعلمنا منهم الإيجابية والشعور بالمسئولية في أعلى معانيها، وأرمى مبانيها، وأغزى مراميها.
فيا ليت شبابنا يتخذون من هؤلاء الأكابر قدوة، ومن أولئك الأعلام أسوة، وساعتها أكرم بها من أسوة، وأنعم بها من قدوة، وخير هدية نقدمها لسيف الله المسلول وإخوانه الأبرار ما قاله معلمهم وقدوتهم -صلى الله عليه وآله وسلم: "مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ([7]) لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ، يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ، أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ، أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الأَوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ، لَيْسَ مِنْ النَّاسِ إِلاَّ فِي خَيْرٍ"([8]).
فهذا الرجل المتأهب المتحفز لنصرة الدين عندما سمع صوت الاستنجاد من المستغيثين لم يتردد ولم يتأخر، فهو متأهب دائمًا؛ حيث لا تفارق عنان فرسه يده، وما هو إلا صوت الاستغاثة حتى يطير على متن فرسه.
يا لها من روعة في التصوير، وجمال في الأسلوب، فهل تهزم أمة وفيها مثل هذا الصنف من الرجال؟!
فكل الأمثلة التي سبقت هي مثال لهذا الرجل، هؤلاء الذين أقاموا الصلاة بأرواحهم، وآتوا الزكاة من دمائهم، وعبدوا الله بأنفاسهم.
11-تؤدي إلى التحقق من صحة الأشياء وعدم التسرع في إصدار الأحكام
كثيرًا ما تؤدي الوشايات إلى إيقاع الفتن بين الناس ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾[التوبة: 47]؛ فالقلوب المريضة التي لا ترضى للأفراد أو المجتمعات أن يعمهم الخير أو ترفرف عليهم السكينة لابد أن تلقى كل تجهم وإعراض حتى نقطع دابر الفتن، هذا إلى جانب توافر الحكمة والأناة في معالجة المشكلات؛ لأن العجلة تزيد الأمور تعقيدًا، فربما حكمنا على أشخاص برآء لمجرد الظنة.
وقد حذر الإسلام من ذلك فقال جل وعلا: ﴿يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾[الحجرات: 6].
وقد ضرب لنا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أروع الأمثلة في التحقق من صحة الأشياء، فقد اتهم في عرضه فلم يدفعه ذلك لاتخاذ إجراءات تعسفية تجاه زوجه، أو تجاه من اتهمت به، وله العذر في ذلك، ولكنه تريث حتى يتبين له الحق والصواب.
نعم، أصابه ما يصيب النفس البشرية من الحزن والغم، ولكن جاءه الفرج والبشارة بزوال الغمة.
والنبي سليمان u لما سأل الهدهد عن سبب غيابه وعدم ظهوره وقص عليه الهدهد ما رآه لم يقل له: إنك كاذب ولم يقتله، بل تحقق من صحة قوله، وهنا تظهر لنا حكمة النبي سليمان u وعدم تسرعه في إصدار الأحكام.
فالتأني التأني، والحذر الحذر من التعجل والتسرع في إصدار الأحكام على الآخرين.
المصدر
- مقال:الإيجابية في حياة الأفراد والمجتمعات-6موقع:الشبكة الدعوية