الإيجابية في حياة الأفراد والمجتمعات -5

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإيجابية في حياة الأفراد والمجتمعات -5


بقلم : محمد فتحي النادي

7-تمنع الأثرة والأنانية

الأثرة والأنانية من الأدواء الفتاكة على مستوى الأمم والأفراد، وإذا حلاّ بقوم لا تجد الهناءة تملأ قلوبهم حتى لو ملكوا الدنيا في أيديهم.

فبالأثرة والأنانية ينظر المرء للدنيا نظرة ضيقة؛ حيث لا يرى إلا نفسه، وكذلك يمنعانه من التعاون في الحياة؛ حيث يعيش الجميع منفردين، كأنهم يعيشون في جزر منعزلة بعضها عن بعض.

وعنهما تنتج أمراض خطيرة تضخم الكيان الفردي وتزلزل كيان المجتمع؛ فالأناني يفت في كبده أن يرى غيره مثله، بله أحسن منه، ويكاد يموت غيظًا وكمدًا لذلك.

والأناني سلبي؛ حيث يقبع في ذاته متصورًا أنها ذات تستحق كل خير، وأنها أولى بالهناءة والسعادة من غيرها.

ولكن الذي تسامت نفسه وتطلعت إلى المعالي يرى أنه بنفسه لا قيمة له، ولكنه بإخوانه يصنع المستحيل؛ حيث تتحقق الأحلام والآمال.

ولذلك مدح الله سبحانه وتعالى الأنصار عندما فنيت نفوسهم الفردية في النفس الجماعية التي تآلفت بفضلٍ من الله ومنة، فضربوا أعظم الأمثلة في الحب في الله على غير أرحام تجمعهم أو مصالح تربطهم، قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[الحشر: 9].

وقد حذر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من الذي يعيش لنفسه؛ لأنه ما استحق أن يعيش من عاش لنفسه فقط، فقال: "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ"([1]).

"وذلك سهل على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدغل"([2]).

8-تمنع الظلم

هناك من تدعوه قوته ليتجبر على الضعفاء، ويبطش بهم ذات اليمين وذات الشمال، يقتل هذا، ويسبُّ هذا، ويسرق مال هذا، ويعتدي على عرض هذا غير مبال بأحد؛ فالكل في عينه حقير، فهو يعيش بقانون وحوش الغاب؛ حيث يفترس القوي الضعيف، ويطبق كذلك مبدأ البقاء للأقوى، فالحياة عنده صراع دائم... صراع مع من هو أقوى منه ليتخطاه... ومع من هو دونه ليصرعه.

هل هذه هي الحياة البشرية التي نتمناها ونسعى إليها؟

إنها بهذه الصورة تطبق المبدأ الجاهلي الذي صوره الشاعر بقوله:

الظُلمُ مِن شِيَمِ النُفوسِ فَإِن تَجِد

ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظلِمُ([3])

وقد "ذكر المفضل الضبي في كتابه "الفاخر" أن أول من قال: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، وأراد بذلك ظاهره، وهو ما اعتادوه من حمية الجاهلية، لا على ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول شاعرهم:

إِذَا أَنَا لَمْ أَنْصُرْ أَخِي وَهْوَ ظَالِمٌ

عَلَى الْقَوْمِ لَمْ أَنْصُرْ أَخِي حِينَ يُظْلَمُ"([4])

والإسلام لا يريد هذا، فهو يريد المجتمع الذي ينتصر للمظلوم من الظالم، فالمجتمع الذي يأخذ على يد الظالم لمنعه من ظلمه هو مجتمع إيجابي، وقد وضّح رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- القانون السليم بقوله: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: "تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ"([5]).

ففي هذا الحديث النبوي الشريف الذي خرج من مشكاة النبوة أمر لطيف حانٍ من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لكل مسلم أن ينصر أخاه المسلم عندما يكون مظلومًا برد حقه إليه، والاقتصاص له من المعتدي عليه، وأن ينصره أيضًا عندما يكون ظالمًا بالأخذ على يديه، ونهيه عن غيه، وتماديه في الباطل، وهذا ما جعل أحد الصحابة يندهش ويستفسر من الرسول المعلم -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بقوله: " أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟"، وهذا ما أجاب عنه وبينه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في نص الحديث.

فهذه دعوة محمدية من معلم البشرية الأعظم ومربيها الأكرم إلى التحلي بالإيجابية والعمل بها وعليها؛ ليسود التراحم والتواصل والتعاون. وهذا ما أمرنا به ربنا I في قوله: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[الحجرات: 9-10].

فالله I بين لنا في هذه الآيات المباركات أن الأخذ على يد الظالم وإنصاف المظلوم يؤديان إلى نيل رحمة الله I التي وسعت كل شيء، فهنا ثلاث فئات: فئة باغية (ظالمة)، وفئة مبغي عليها (مظلومة)، وفئة تسعى بين تلك الفئتين، فلو أن تلك الفئة لم يكن لها قوة تمنع الظلم والعدوان لفشا الظلم والبغي ولطال الجميع، ولكن قوتها في الحق تؤدي لنصرة المظلوم وردع الظالم.

9-تؤدي إلى العدل والإنصاف

جاء الإسلام برسالة السلام للإنسانية جمعاء، ولا يتحقق السلام إلا تحت مظلة العدل، ولا تنهض الأمم إلا بالعدل حتى ولو كانت كافرة، وكما قيل: إن الله ليرفع الأمة الكافرة بعدلها، ويضع الأمة المؤمنة بظلمها.

والعدل مما أمر الله سبحانه وتعالى به وحض عليه، وأكد على أن الجميع مكفولو الحق في نوال العدل من الحاكم، سواء في ذلك المسلم والمعاهد والكافر، قال تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ}[النساء: 58].

ومن أهم الأسباب الرئيسة المباشرة في انتكاس الأمم وسقوطها بعد نهضتها هو انحرافها عن منهج العدل.

وأعظم العدل أن ينتصر المرء من نفسه لغيره، وإن لم يكن على دينه ومذهبه، قال تعالى: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}[المائدة: 8].

يقول صاحب الظلال: "ومن الميثاق الذي واثق الله به الأمة المسلمة القوامة على البشرية بالعدل، العدل المطلق الذي لا يميل ميزانه مع المودة والشنئان، ولا يتأثر بالقرابة أو المصلحة أو الهوى في حال من الأحوال، العدل المنبثق من القيام لله وحده بمنجاة من سائر المؤثرات، والشعور برقابة الله وعلمه بخفايا الصدور.."([6]).

وقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنَّ الْمُقْسِطِينَ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَنَابِرَ مِنْ لُؤْلُؤٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيْ الرَّحْمَنِ بِمَا أَقْسَطُوا فِي الدُّنْيَا"([7])، "إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ سبحانه وتعالى -وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ- الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا"([8]).

ففي هذين الحديثين الشريفين بشارة من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- للمقسطين الذين يعدلون في حكمهم ولا يتبعون أهواءهم بأن لهم الفضل العظيم والخير العميم عند الله تعالى.

وفي هذا الحديثين أيضًا حث على العدل والقسط والإنصاف، وعدم الحيف والظلم والجور؛ فالعدل أساس الملك، والناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح، والمجتمع الذي يسود فيه الإنصاف ويرفرف عليه العدل والقسط مجتمع جدير بالتقدم والرقي والازدهار، ولم لا وقد ساد فيه العدل والإنصاف اللذان يؤديان إلى تكافئ الفرص وإعطاء كل ذي حق حقه؟ فلا حسد فيه ولا ضغينة، إنما حب ووفاء وتضحية وفداء.

(يتبع)

([1]) أخرجه البخاري في "الإيمان"، باب: "من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، ح(12)، ومسلم في "الإيمان"، باب: "الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب..."، ح(64).

([2]) الإمام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي: صحيح مسلم بشرح النووي، خرج أحاديثه: صلاح عويضة، راجعه لغويًا: محمد شحاتة، دار المنار، القاهرة، 1423ه-2003م، (2/213).

([3]) البيت للمتنبي.

([4]) الإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المنار، القاهرة، الطبعة الأولى، 1419ه-1999م، (5/110).

([5]) أخرجه البخاري في "الإكراه"، باب: "يمين الرجل لصاحبه إنه أخوه إذا خاف عليه"، ح(6438).

([6]) الظلال، (2/852).

([7]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ح(6197)، والحاكم في مستدركه، (4/100)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وقد أخرجاه جميعًا.

([8]) أخرجه مسلم في "الإمارة"، باب: "فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم"، ح(3406).

المصدر