الإيجابية في حياة الأفراد والمجتمعات 11

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإيجابية في حياة الأفراد والمجتمعات 11


بقلم : محمد فتحي النادي

الإيجابية في حياة الأفراد والمجتمعات 11

2-تقع على الشيوخ

هناك من ضعفت أبدانهم، ورغم هذا لم تضعف عزائمهم؛ فالعبرة بالإرادة والعزيمة، وما الجسد إلا مطية للروح تستخدمها فيما تشاء.

فكم من أقوياء في الأبدان ضعاف في العزائم؛ لأن أرواحهم ليست وثابة ومتطلعة إلى بلوغ المعالي، ولكنها أرواح خاملة ترضى بالعيش بين الحفر، ولا تهوى صعود الجبال.

فضعف الأبدان لا يؤثر في العزائم، ولكن ضعف العزائم لا يجعل للبدن أهمية مهما كانت قوته.

وهناك من الشيوخ من لم يمنعه كبر سنه من أن يبذل ما في وسعه، وأن يشمر عن ساعد الجد، وأن يظهر صبرًا وجلَدًا وعزيمة ماضية، وهم يعلمون أن الأمة بقدر حاجتها للشباب القوي البدن ذي الحماسة الفوارة تحتاج كذلك لمن يوجه ويرشد ويكون قدوة في ميدان العمل لا في ميدان القول وحده، وهكذا تتلاحم الأمة بجميع عناصرها لتتكامل المنظومة.

وهناك على مر التاريخ الإسلامي شيوخ سطروا بأحرف من نور أن عامل السن لا يقعد بهم عن طلب المعالي، نختار من هؤلاء:

1-أبا أيوب الأنصاري

الصحابي الجليل الذي يربطه بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- رباطان متينان: رباط الإسلام، ورباط الرحم؛ فهو الأنصاري من بني النجار اسمه: خالد بن زيد، حفيد مالك بن النجار، بايع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في بيعة العقبة الثانية.

وبعدما دخل الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- المدينة وأراد أن يتخذها عاصمة لدين الله كتب الله I لأبي أيوب أن يكون رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ضيفه وجليسه، وبينما الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- يركب على ناقته والكل يهفو إلى أخذ الرسول الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم- عنده؛ لكي يفوز بهذه المكانة السامية والمقام الكريم، فإذا بالرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- يخاطبهم برفق كالنسمات: "خلوا سبيلها فإنها مأمورة"([1])، وتأبى الناقة إلا أن تصل رحم الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم، وتبرك عند بيت أبي أيوب، ومن هنا يطير أبو أيوب t فرحًا بضيافة رسول الله الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم، وأسرع ليعد للرسول الكريم والضيف العزيز المقام المناسب له في الدور الثاني من بيته، لكن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في أدب سام وذوق رفيع يعلم أن الناس بحاجة إلى رؤياه والحديث معه، فاختار المكان الأنسب والأليق له حتى لا ينـزعج أبو أيوب بكل هؤلاء الناس، وحتى لا يطّلعوا على حرمة بيته، إلا أن أبا أيوبt لم يستطع أن يجلس في مكان أعلى من مكان رسول الله، فألح على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- حتى يعيش الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في الدور الأعلى، فاستجاب الرسول الكريم لرجائه إلى أن يتمكن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من بناء أول معلم حضاري إسلامي في عاصمته، وهو المسجد راية الدين، ومنارة العلم، ومن ثم يبني له حجرة بجواره.

وأحب أبو أيوب t الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- الحب كله، وقاتل من أجل نصرته وتبليغ دعوته في كل الغزوات في حياة النبي وبعد ما مات، ولم تفته إلا معركة واحدة.

فلقد جاهد في سبيل الله في بدر وأحد والخندق وكان شعاره الذي يردده دائما قول الحق I: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[التوبة: 41].

وبعد وفاة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ووقوع الخلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنهما وقف في صف علي؛ لأنه الإمام الذي أعطي بيعة المسلمين، ولقد كان محبًّا للشهادة في سبيل الله، فحرص عليها وانتظرها طويلاً معركة بعد معركة، وغزوة بعد غزوة حتى جاءته الفرصة الذهبية التي انتظرها كثيرًا، ووقف على بابها طويلاً، فلقد أبصر جيش الإسلام متوجهًا نحو القسطنطينية فطار إلى فرسه فامتطى ظهره، وحمل سيفه ورمحه، وراح يبحث عن محبوبته الغالية، ألا وهي الشهادة.

وبالفعل فقد أصيب في هذه المعركة إصابة قاتلة استشهد على إثرها، ودفن في القسطنطينية لتشهد له دماؤه الزكية، وليشهد له كل شبر في هذه الأرض صلى عليه موحد وكبر عليه مؤذن.

لله دره شيخًا جليلاً وفارسًا مغوارًا وبطلاً مقدامًا، عاش إيجابيًّا ومات إيجابيًّا، فكانت حياته مصباح هدى ونبراس ضياء، وكان موته عنوان فتح ورفعة ومجد وسؤدد، رضي الله عن أبى أيوب الأنصاري في الخالدين، وجعلنا له نعم الخلف.

2-عمر المختار (أسد الصحراء) [1858-1931م]

"لقد كانت حياة المختار مكرسة كلها للعلم والدعوة والجهاد، طلب العلم في الزوايا التي أنشأتها الحركة السنوسية، ثم كان أحد روادها في الدعوة وتربية الناس، حتى نادى منادي الجهاد فقضى بقية عمره معتليًا صهوة جواده، ممسكًا بسلاحه، لم يهادن أبدًا، ولم يستسلم لعدوه، بل قارعه مقارعة الند للند، رغم قلة الإمكانات، ورغم عدم التكافؤ في العدد والعدة، ولكنه استعلاء الإيمان، وقوة اليقين، الذي ازداد صلابة وعمقًا في ميادين الجهاد وساحات المعارك"([2]).

لقد جاوز المختار الستين من عمره عند مقارعته للطليان، ولكنه على الرغم من هذا "كان على إيطاليا وجنرالاتها أن تخوض حربًا لا هوادة فيها... ولقد جردت إيطاليا كل ما لديها، آلاف الجنود والمدافع والدبابات والطائرات والضباط والقادة الذين تخرجوا من([3]) الكليات العسكرية المتقدمة، والتي كانت مصدرًا يفخر به الغرب على المسلمين، لكن الذي لم يدركه الإيطاليون وأدركه المختار: أن المقاييس في هذه الأحوال لا تخضع دائمًا للتقديرات المادية، فقوة الإيمان، وعزائم الرجال، وتجردهم في سبيل الله يرجح الموازين، ويخزي الظالمين.

ونستمع إلى كلمات المختار من وراء السنين، تجلو الهمة والعزيمة والإصرار التي يتميز بها عندما دعي إلى التفاوض مع إيطاليا: "إنا حاربناكم ثمانية([4]) عشرة سنة، ولا نزال بعون الله نحاربكم، ولن تنالوا منا بالتهديد" إلى أن يقول: "لن أبرح الجبل الأخضر مدة حياتي، ولن يستريح الطليان فيه حتى توارى لحيتي في التراب".

إن أمة مثل هذه لا سبيل لقهرها إلا بالقضاء عليها، وما أحوج المسلمين اليوم لأن يدركوا مثل هذه العبرة، وأن يتعلموا مثل هذا الدرس"([5]).

ولقد أُعدم -رحمه الله- في يوم الأربعاء الثاني من جمادى الأولى 1351ه-16 سبتمبر 1931م.

3-سيد قطب [1906-1966]

هذا الرجل الذي وقف في وجه الظلم والطغيان لم تخفه عمليات الاعتقال المتكررة، وتلفيق الاتهامات، والمحاكمات الباطلة، ولكنه آثر أن يموت على ما آمن به واعتقده، فقد أصدرت محكمة من محاكم الثورة حكمًا بإعدامه وهو على مشارف الستين من عمره، وقد طُلب منه أن يكتب كلمة تأييد للحاكم فأبى ذلك -رغم أن ذلك يحميه من حبل المشنقة- وقال كلمته الشهيرة: "إن إصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة يأبى أن يكتب كلمة واحدة يقر بها لحاكم طاغية، فإن كنت مسجونًا بحق فأرتضي حكم الحق، وإن كنت مسجونًا بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل".

كان يمكن له أن يقول: لقد كبرت، والخير في الشباب، ولكنه أراد أن يكون قدوة للشباب، ونستشف هذا من قوله: "إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع، حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح، وكتبت لها الحياة".

وقال: "إن هذا القرآن لا يعطي سره إلا للذين يخوضون به المعركة، ويجاهدون به جهادًا كبيرًا".

ولقد نظم سيد قطب وهو خلف بوابات السجن قصيدته الرائعة: "أخي" التي تعتبر إحدى عيون الشعر الإسلامي، والتي يعبر فيها عن نبض قلبه ووعيه ووجدانه، ومنها قوله:

أخي أنت حر وراء السدود

أخي أنت حر بتلك القيود

إذا كنت بالله مستعصمًا

فماذا يضيرك كيد العبيد؟

أخي ستبيد جيوش الظلام

ويشرق في الكون فجر جديد

فأطلق لروحك أشواقها

تر الفجر يرمقنا من بعيد

أخي هل تراك سئمت الكفاح وألقيت عن كاهليك السلاح؟

فمن للضحايا يواسي الجراح

ويرفع رايتها من جديد؟

وقد قال عنه الأستاذ أحمد حسن: "... ويسجل التاريخ أن سيد قطب سقى تربة الدعوة بدمه، وغذاها بفكره، وأطعمها من وقته وأعصابه وراحته. لقد مات سيد قطب ولكن آثره لم تمت، فقد خلف من بعده كتبًا وآثارًا ستبقى خالدة على مر التاريخ؛ لأنه كتبها مرتين: مرة بمداد العالم، ومرة بدم الشهيد"([6]).

4-الشيخ أحمد يس 1936م -2004

هذا الرجل جعله الله U حجة على الناس، فلا عذر لمعتذر؛ لأنه إذا كان مقعدًا لا يحرك يدًا ولا رجلاً فأولى له أن يعتذر عن الجهاد والعمل.

لم تشفع له حالته الصحية من أن يعتقل في سجون الاحتلال، وتوجيه التهم له، وهذه التهم شرف له، والتي يأتي على رأسها تأسيسه لحركة المقاومة الإسلامية حماس.

عاش الشيخ مجاهدًا، ومات ميتة تليق بالشيخ المجاهد؛ "لأنها أعطت لحياته معناها الكامل، وختامها الحاسم السريع.

لم يكن يليق له بعد مسيرة الجهاد الطويل أن يموت على فراشه...

لقد كان أحمد ياسين طرازًا فريدًا بين قادة الثورات الوطنية، وكان إيمانه عاصمًا له من اليأس، أو الركض وراء السراب أو الأوهام، وقد أدرك قبل غيره حقيقة النوايا الإسرائيلية، وأن السلام الذي يتحدثون عنه ليس سوى الاستسلام الرخيص، ففضل تسمية الأشياء بأسمائها، وعدم إضاعة الوقت، وقد جاءت نهايته مصداقًا لما آمن به، ودعا قومه لإدراكه"([7]).

3-تقع على الصبية

إن الأمة التي تربي أولادها على طلب المعالي، والترفع عن الدنايا، وتبث العزيمة والقوة في نفوس أبنائها، وتدفع عنهم الخور والوهن، هي أمة جديرة بالسيادة والريادة.

والأم التي ترضع ولدها لبان العز تنشئ بذلك المجتمع العزيز الذي يعرف قيمة الإباء والعزة والأنفة، ويدفع عن نفسه الضيم والذل والهوان.

وكما قال نابليون: إن الأم التي تهدهد ابنها بيمينها تهز العالم بشمالها.

ولكم كان فخر عمر بن كلثوم عظيمًا عندما قال:

إَذا بَلَغَ الفِطامَ لَنا وَليدٌ

تَخِرُّ لَهُ الجَبابِرُ ساجِدينا

ولقد حدثنا الإسلام عن صبية فعلوا ما لم يفعله الرجال، وإذا تنـزلنا شيئًا قليلاً قلنا: فعلوا ما يفعله الرجال، ومن هؤلاء:

1-معاذ ومعوذ ابنا عفراء

أخرج مسلم عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ نَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلاَمَيْنِ مِنْ الأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا تَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَقَالَ: يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِr، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لاَ يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا. قَالَ: فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ. فَغَمَزَنِي الآخَرُ فَقَالَ مِثْلَهَا. قَالَ: فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَزُولُ فِي النَّاسِ فَقُلْتُ: أَلاَ تَرَيَانِ؟ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلاَنِ عَنْهُ. قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ فَضَرَبَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتَّى قَتَلاَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ: "أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟" فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُ. فَقَالَ: "هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟" قَالاَ: لاَ. فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: "كِلاَكُمَا قَتَلَهُ"، وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَالرَّجُلاَنِ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَمُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ([8]).

هذان الغلمان الذكيان اللذان رضعا لبان الشجاعة والبطولة علما أن أبا جهل عادى الله ورسوله، فأقسما على أن يوفياه جزاءه جزاء وفاقًا، واقتحما ساحة الوغى، وسألا عن مكان الخصم اللعين، والعدو اللدود، فلما عرفا مكانه انقضا عليه انقضاض الأسد الضاري على فريسته، فصرعاه أرضًا، وأذاقاه جزاء كبره وغروره، ولسان حالهما يقول له: أنت لا تستأهل حمزة ولا عمر إنما نحن أهل لك وبك جديران، صرع البطلان عدو الله أرضًا، ولقنوه درسًا مريرًا.

فيا ليت شبابنا اليوم يتخذون من هذين الجبلين الأشمين قدوة طيبة يحذون حذوهما وينهجون نهجهما.

وينشأ ناشئ الفتيان منا

على ما كان عوده أبوه

رحمة الله وبركاته على هذين الأشمين، وسلام عليهما في الخالدين.

2-عبد الله بن عباس

حبر الأمة وترجمان القرآن، هذا العلَم الذي تربى صغيرًا في مدرسة الحبيب محمد -صلى الله عليه وآله وسلم، فشب قويًّا فتيًّا ورعًا تقيًّا نقيًّا، ولما لا وهو الذي حاز حب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم، ونهل من علمه، ورشف من فيض أخلاقه.

ولقد أخرج الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: لما توفي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قلت لرجل من الأنصار: هلم يا فلان، فلنطلب العلم؛ فإن أصحاب رسول الله r أحياء، قال: عجبًا لك يا ابن عباس، ترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله r من فيهم؟ قال: فتركت ذاك وأقبلت أطلب، إن كان الحديث ليبلغني عن الرجل من أصحاب رسول الله r قد سمعه من رسول الله r فآتيه فأجلس ببابه فتسفي الريح على وجهي، فيخرج إلي فيقول: يا ابن عم رسول الله r ما جاء بك؟ ما حاجتك؟ فأقول: حديث بلغني ترويه عن رسول الله r. فيقول: ألا أرسلت إلي؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك. قال: فبقي ذلك الرجل حتى أن الناس اجتمعوا علي، فقال: هذا الفتى كان أعقل مني([9]).

هذا هو الفتى الأديب، والفقيه الأريب، والعالم النحرير، ابن عباس أخلص في طلب العلم، وجد واجتهد حتى رفعه الله به في الدنيا والآخرة.

"قال محمّد بن كناسة "من الطويل":

تعلمْ فليس المرءُ يُخلقُ عالمًا

وإنّ كبير القوم لا علمَ عنده

وليس أخو علمٍ كمن هو جاهلُ

صغيرٌ إذا التفَّتْ عليه المحافلُ"([10])

3-أسامة بن زيد حب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم

هو أسامة بن زيد بن حارثة الذي ولد في الإسلام، ولم يشهد الجاهلية، ولم يقترف إثمًا من آثامها، كان t صاحب منزلة رفيعة، ومكانة عالية عند رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- على الرغم من أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مات ولم يجاوز أسامة العشرين من عمره.

عرف الصحابة الكرام له قدره ومنزلته؛ فكانوا إذا اشتد عليهم الأمر يذهبون إلى أسامة كي يخاطب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في هذا الأمر.

هذا الفتى الصغير الذي كتب الله له أن يكون فارسًا مغوارًا، وبطلاً مقدامًا منذ صغره، فصنعه على عينه، وحفظه بحفظه.

يوم أحد أراد أسامة وهو الصغير أن ينال شرف الجهاد في سبيل الله فنظر إليه الرسول نظرة الأب الحاني المشفق الذي يخشى على الوجه البريء أن تغتاله اليد الغاشمة الآثمة، فرده الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم، فعاد أسامة باكيًا حزينًا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لم يقبله في جند الإسلام، ولكن إيجابية أسامة t جعلته يرقب الفرصة ويستعد لينال شرف الجهاد في سبيل الله، وجاءت غزوة الخندق فاستعد أسامة t لها وأعد لها عدتها، ولم يرد الرسول الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يرده هذه المرة غاضبًا فقبله بطلاً من أبطال الإسلام، وأسدًا من أسود المسلمين، الذين خرجوا بأنفسهم وأموالهم من أجل إعلاء راية التوحيد، فحمل أسامة السيف وهو ابن خمس عشرة سنة، وقاتل قتال الليوث الضواري.

وفي غزوة حنين عندما اغتر المسلمون بكثرة عددهم انهزموا وولوا الأدبار في بادئ الأمر، وثبت أسامة مع العباس عم الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- وأبي سفيان وستة صحابة آخرين، واستطاع الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- بهؤلاء الصحابة الشجعان أن يحول الهزيمة نصرًا، وأن يحمي المسلمين من فتك المشركين.

وفي غزوة مؤتة رأى أسامة t مصرع أبيه فلم يهتز، ووقف وثبت ثبات الجبل الأشم، والطود الشامخ الذي لا تؤثر فيه الرياح ولا الأعاصير، وقاتل قتال الأبطال حتى انتهاء المعركة.

وفي السنة الحادية عشرة من الهجرة أمر الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- بتجهيز جيش لغزو الروم، وأمّر على هذا الجيش أسامة t، وجعل تحت إمارته أكارم أماجد من أبطال الإسلام أمثال أبي بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص وأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عن الجميع، وكان عمر أسامة ساعتها لم يتجاوز العشرين.

وفجأة مرض النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مرضًا شديدًا، وحزن الصحابة الأبرار الحزن الشديد على مرض النبي، وتوقف مسير الجيش انتظارًا لاستقرار حالة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم، وأملاً في الشفاء، وذهب أسامة إلى حبيبه -صلى الله عليه وآله وسلم- يعوده، فأخذ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يرفع يده إلى السماء ثم يضعها على أسامة t وهو يدعو له، ومرت الساعات والصحابة في ألم أليم وهول عظيم بسبب مرض حبيبهم -صلى الله عليه وآله وسلم، وجاء أمر الله بالحق، ومات النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فحزن أسامة كل الحزن على فراق حبيبه الذي رباه فأحسن تربيته، وحمله على فخذه صغيرًا مع الحسن ودعا له قائلاً: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا"([11]).

وجاء أبو بكر الصديق t لينفذ بعث أسامة، ويظهر من بين الصحابة من يستنكف أن يخرج في إمرة شاب حدث صغير ليس له دراية بأمور القيادة، وجاء عمر t ليبين للصديق رأي بعض الصحابة في هذه المسألة، فأخذ الصديق "بلحية عمر فقال له: ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب، استعمله رسول الله r وتأمرني أن أنزعه، فخرج عمر إلى الناس فقالوا له: ما صنعت؟ فقال: امضوا ثكلتكم أمهاتكم ما لقيت في سببكم من خليفة رسول الله"([12]).

ونفذ بعث أسامة، وانتصر على الأعداء، ونشر لا إله إلا الله في بلاد الروم، وأحب الصحابة الكرام أسامة الحب الجم، فكان عمرt يعطيه أكثر مما يعطي ولده عبد الله، وكان عمر t عندما يقابله يحييه قائلاً له: مرحبًا بأميري.

رضي الله عن أسامة، وعن أبيه، وجعله مثلاً هاديًا، ونموذجًا محتذى لأبناء المسلمين([13]).

4-فاطمة بنت النبي r (أم أبيها)

لم نشأ أن نترك هذا الأمر دون ذكر ريحانة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم، فاطمة الزهراء أمّ سيدي شباب أهل الجنة، ونقتطف من حياتها الطاهرة هذه اللقطة السريعة التي تدل على مدى حبها لأبيها وحدبها عليه، وعدم خوفها من أساطين أهل الكفر، فعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ r يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالأَمْسِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلا جَزُورِ بَنِي فُلانٍ فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَأَخَذَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ r وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ، وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ r، وَالنَّبِيُّ r سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ فَجَاءَتْ وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ r صَلاتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ، وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلاثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلاثًا ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ" ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمْ الضِّحْكُ وَخَافُوا دَعْوَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ"، وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا r بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ.

قَالَ أَبُو إِسْحَقَ: الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ غَلَطٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ([14]).

5-الغلام المؤمن

غلام جعله الله سببًا في هداية قومه، وخروجهم من عبادة الطواغيت إلى عبادة ملك الملوك جل وعلا، هذا الغلام الذي أُريد له أن يكون ساحرًا يخدم الملك الطاغي بسحره، فانقلب السحر على الساحر، وإذا بالغلام يخدم في محراب رب الأرباب I، ويقف في وجه من أراد للنور أن ينطمس، وللهداية أن تنمحي.

فعَنْ صُهَيْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ: "كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلاَمًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلاَمًا يُعَلِّمُهُ، فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلاَمَهُ فَأَعْجَبَهُ، فَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَّاهِبِ وَقَعَدَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ. فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتْ النَّاسَ فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ آلسَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمْ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ؟ فَأَخَذَ حَجَرًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا، وَمَضَى النَّاسُ، فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أَيْ بُنَيَّ، أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي، قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنْ ابْتُلِيتَ فَلاَ تَدُلَّ عَلَيَّ.

وَكَانَ الْغُلاَمُ يُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ، وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الأَدْوَاءِ، فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ فَقَالَ: مَا هَهُنَا لَكَ أَجْمَعُ إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي فَقَالَ: إِنِّي لاَ أَشْفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ، فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، فَآمَنَ بِاللَّهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ، فَأَتَى الْمَلِكَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي. قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟! قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلاَمِ، فَجِيءَ بِالْغُلاَمِ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أَيْ بُنَيَّ، قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ فَقَالَ: إِنِّي لاَ أَشْفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ، فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، فَدَعَا بِالْمِئْشَارِ فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلاَمِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلاَ فَاطْرَحُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهِمْ الْجَبَلُ فَسَقَطُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلاَ فَاقْذِفُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمْ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ. فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعْ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلاَمِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلاَمِ، ثُمَّ رَمَاهُ، فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ... آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ... آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ.

فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَدْ -وَاللَّهِ- نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ، فَأَمَرَ بِالأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ، وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا، أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ.

فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتْ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا فَقَالَ لَهَا الْغُلاَمُ: يَا أُمَّهْ، اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ"([15]).

يا لجلال الموقف وروعته؛ فهذا الغلام آية من آيات الله تدل على أن الدعوة تحتاج الصغير والكبير على سواء، فهو بموقفه هذا -رغم ما حدث له ولقومه من العذاب والابتلاء- ليدل على أن انتصار الحق على الباطل يتحقق على أيدي من اصطفاهم الله لذلك من الكبار والصغار على السواء.

6-عبد الله بن الزبير

إن كان أحد يفتخر بآبائه وأجداده فمن أولاهم عبد الله بن الزبير بن العوام، ابن حواري الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم، وابن ذات النطاقين، وجدته لأبيه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم، وجده لأمه الصديق أبو بكر، وخالته أم المؤمنين عائشة، هذا الصبي فرح المسلمون بمقدمه، وحنكه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد فطن هذا الصبي الصغير لما يدور حوله من أحداث في المدينة المنورة، وأحب أن يشارك فيها كما يشارك فيها الكبار، وكان من أهم الأمور في المدينة أن تأتي الوفود لتبايع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يكن لهذا الصبي أن تفوته هذه البيعة، فقد جاء إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو ابن سبع سنين ليبايع النبي r -أمره بذلك أبوه الزبير، "فتبسم النبي r حين رآه مقبلاً ثم بايعه"([16]).

وقد قيل: إن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- "كُلّم في غلمة من قريش ترعرعوا: عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير، وعمرو بن أبي سلمة فقيل: لو بايعتهم فتصيبهم بركتك ويكون لهم ذكر. فأُتي بهم إليه فكأنهم تكعكعوا فاقتحم عبد الله بن الزبير أولهم فتبسم رسول الله وقال: إنه ابن أبيه"([17]).

(يتبع)

([1]) محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي: الثقات، تحقيق: السيد شرف الدين أحمد، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1395ه-1975م، (1/134).

([2]) أ.د.توفيق يوسف الواعي: موسوعة شهداء الحركة الإسلامية في العصر الحديث.. إيمان- بطولات- كفاح- استشهاد، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1427ه-2006م، (1/330).

([3]) كذا بالمطبوع، والصواب: "في".

([4]) كذا بالمطبوع، والصواب: "ثماني".

([5]) السابق، (1/332-333) باختصار.

([6]) انظر: المستشار عبد الله عقيل سليمان العقيل: من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1423ه-2002م، ص(657-673).

([7]) موسوعة شهداء الحركة الإسلامية، (1/124-125) باختصار.

([8]) أخرجه مسلم، كتاب: الجهاد والسير، باب: استحقاق القاتل سلب القتيل، ح(3296).

([9]) محمد بن محمد الحاكم النيسابوري: مستدرك الحاكم، تحقيق: د.يوسف المرعشلي، دار المعرفة، بيروت، 1406ه، (3/538).

([10]) الحافظ اليغموري: نور القبس، ص(610).

([11]) أخرجه البخاري في "المناقب"، باب: "مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما"، ح(3464).

([12]) تاريخ الطبري، (2/246).

([13]) انظر: د.عبد الحميد هنداوي: رجال ونساء حول الرسول r، دار الدعوة الإسلامية، القاهرة، (67- 72).

([14]) أخرجه مسلم في "الجهاد والسير"، باب: ما لقي النبي r من أذى المشركين"، ح(3349).

([15]) أخرجه مسلم في "الزهد والرقائق"، باب: "قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام"، ح(5327).

([16]) سير أعلام النبلاء، (3/365).

([17]) الإصابة في تمييز الصحابة، (4/92).

المصدر