الاخوان المسلمون و التعددية الحزبية (1976 – 1981)
المقدمة
كانت جماعة الإخوان المسلمين هي البديل الحقيقى للحكم العسكرى والذى بدأ منذ انقلاب 1952 ، ورغم محاولة نظام الحكم العسكرى فرض معادلته الخاصة على الحياة السياسية ، واستجابة الأحزاب لتلك المعادلة ، الا ان الإخوان المسلمون استطاعوا – بكثير من التكلفة – ان يفرضوا كذلك معادلتهم الخاصة ..
هذا بحث في تاريخ الحياة الحزبية في مصر خلال فترة حكم السادات ، يرصد واقعها وآثارها ، ويرصد كذلك كيفية تعامل القوى السياسية المختلفة مع ذلك الواقع الذى فرضته سلطة الحكم آنذاك ، وذلك في عهد السادات والذى ورث واقعا حزبيا عن عبد الناصر ، وكلاهما كانا جزءا من الحكم العسكرى الذى بدأ من انقلاب 52 ولازال الى اليوم يحكم البلاد ، باستثناء عام واحد حكم فيه رئيس مدنى منتخب (الرئيس محمد مرسي) عقب ثورة يناير 2011 .
الحياة الحزبية في دول ما بعد الاستعمار
سمة أساسية في دول ما بعد الاستعمار ، وهى الا تقوم فيها ديمقراطية حقيقية او تعددية حزبية حقيقية ! وان وُجدت فهى (منزوعة الدسم) لاتسمن او تُغنى من حرية او شفافية او كرامة .
وتم هذا بفعل اثنين ، الاستعمار و السلطة (الوطنية) الحاكمة والتي بدت من فرط قسوتها كما لو أنها وكيلة عن الاستعمار الاجنبى .. فاما الاستعمار ، فما كان له ان ينسحب من ارض احتلها ، الا بعد ان يضعها رهينة في يد اقلية متحكمة تضمن له مصالحه .
واما السلطة المستبدة فما كان لها ان تضمن بقائها الا بنظام حكم شمولى (دولة ذات حزب واحد) لا تعترف فيه بالاخر الا تابعاً مطيعاً ، وان سمحت تلك السلطة بتعددية حزبية ، فهى شكلية لا تعنى اى معنى من معانى تداول السلطة ، هي فقط للديكور او التنفيس او في احسن احوالها التعبير عن الرأي ، لكن دون احتكاك بالجماهير يحرك الوعى او يبنى الاتجاه !
وبطبيعة الحال ، غابت عن هذه الحياة السياسية جماعة الإخوان المسلمين ، والتي لم تجد لنفسها مكانا فى الحياة السياسية او الحزبية ، سواء في عهد الاحتلال او في عهد الحكم العسكرى الذى حل محله ، الا انتزاعا استطاعته بعد رحيل عبد الناصر ..
وتعددية حزبية لا يُسمح فيها بتداول على السلطة ، هي حياة حزبية زائفة ، ومن شارك فيها يعلم مسبقا زيفها ! والمعارضة فيها (مستأنسة) لاتحلم يوما بان تكون بديلا محتملا للسلطة !
وكان لتلك الحياة الحزبية الزائفة وجه اخر ، الا وهو استقالة الناس من السياسة وتعاطيها ، وهو اثر مباشر عن تجريف الحياة السياسية والعقل الجمعى للجماهير ، فلم تعد تنبت فيه الكوادر السياسية التي تستطيع ان تحرك المياه الراكدة في بحر السياسة ..
ميراث السياسة بعد عبد الناصر
بدأت الحياة الحزبية في مصر منذ عام 1907 ، عندما أسس الزعيم مصطفى كامل الحزب الوطنى ، ثم توالت الأحزاب بعد ذلك ، مما يعنى ان التعددية الحزبية قبل الانقلاب العسكرى 1952 استمرت لنحو 45 عام قبل حدوث الانقلاب العسكرى في عام 1952 . فماذا كان رد فعل نظام انقلاب 52 على تلك التعددية الحزبية ؟
موت السياسة في زمان عبد الناصر
حدث انقلاب 1952 ، وقد ورث عن الملكية حياة سياسية حقيقية وان لم تكن كاملة ، فكانت هناك صحافة حرة ، حراك شعبى يستطيع ان يُسقط حكومات ، وثقافة شعبية يمتع بها حتى طلبة المدارس ، وكانت هناك أحزاب تتداول السلطة أحيانا برضا الانجليز والملك واحيانا بغير رضاهم ، كل ذلك في ظل دستور متوازن (دستور 1923) وضعه اساطين السياسة والقانون في مصر ..
جاء الانقلاب العسكرى ، فاقتلع ذلك كله من جذوره !! فقد قام الضباط الانقلابيون بعد 4 أشهر فقط بحل الأحزاب السياسية كافة واستبدالها بتنظيم سياسى وحيد هو الاتحاد الاشتراكي ، وذلك بعد قرابة 50 عاما على بدء الحياة الحزبية في مصر!
وتبع ذلك سيلا هائلا من كتابات الساسة والادباء والصحفيين تستهدف تغيير ثقافة الشعب المصرى ونظرته للتجربة الحزبية في عصر الملكية ، وتعدهم بعصر جديد يكون الشعب فيه هو من يحكم ! وهكذا كان توجه الحكم آنذاك توجهاً (شمولياً) .. أي ان الدولة كانت ذات (تنظيم واحد) ، وكان اليسارفيه هو الاكثر تواجدا وتأثيرا ..
وبعد انهاء الملكية ومجئ الجمهورية ، اكتشف الشعب الحقيقة ، فلم يكن له دور في الحكم سوي الموافقة علي الاستفتاء لمد فترة الرئاسة للزعيم ! فغاب السياسيون ، وماتت السياسية ، ومن وقف ضد هذا التيار ، دفع حريته واحيانا حياته ثمنا لذلك ، وكان من هؤلاء الذين دفعوا ذلك الثمن ، الإخوان المسلمون ، حيث مكثوا في سجون عبد الناصر ما يقرب من عشرين عاما ، هذا غير الذين قضوا نحبهم في تلك الفترة منهم او من غيرهم ..
ميراث عبد الناصر .. تنظيم ميت !
لم يبقى من ميراث عبد الناصر سوى تنظيم سياسى وحيد هو (الاتحاد الاشتراكى) ، الا ان هذا الميراث لم يجد من يدافع عنه ! لانه ببساطة ، لم يكن له مشروع او جماهير !!
فقد كان ملفتاً للنظر ان السادات عندما خطَّ لنفسه خطا جديدا كل الجِدة ، بعيدا عن سياسة عبد الناصر ، لم يلق مقاومة تُذكر من (الناصريين) ! الا من بقايا يساريين كانوا قد تحالفوا مع عبد الناصر وعاشوا معه عصرهم الذهبى ، حيث تقلدوا في عهده ارفع المناصب في الدولة !
بمجرد موت عبد الناصر ، وتمكُّن السادات من الحكم بعد صراع قصير مع (مراكز القوى) ، انتقل معظم أعضاء الاتحاد الاشتراكى والتنظيم الطليعى واللجنة التنفيذية العليا الى صف السادات ، وأيدوه في توجهاته بنفس قوة تأييدهم لعبد الناصر وتوجهاته ، فاستطاع السادات الإمساك بمقاليد الدولة في يده
اما الرافضين لسلطته (مراكز القوى) من قيادات الدولة ، وبرغم ان مفاصل الدولة كلها كانت فى أيديهم قبل أن يقدموا استقالاتهم متخيلين أن الجماهير وأعضاء التنظيم والاتحاد الاشتراكى سيخرجون فى مظاهرات دعما لهم مما يعجل بسقوط السادات ورحيله !! لكن شيئا من هذا لم يحدث ! (1)
نعم استطاع تنظيم عبد الناصر (الاتحاد الاشتراكى) ان يُنتج كوادر سياسية ، لكنه عجز ان يكون له شعبية مؤيده له ولخطه السياسى ! فالجماهير لا تدافع عما لا تعرف .. وبقيت تلك الكوادر السياسية (الناصرية سابقا) أداة طيعة في يد السادات وفى تنفيذ سياساته التي تناقضت مع سياسات عبد الناصر تماما !
فقد كان السادات يعلم من تجربة عبد الناصر السياسية (الفاشلة) ، ان يسير عكس خطاه .. فأنشأ السادات داخل الاتحاد الاشتراكى ثلاثة منابر: منبر يمثل اليسار بقيادة خالد محي الدين (حزب التجمع) ، وآخر يمثل اليمين بقيادة مصطفى كامل مراد (حزب الاحرار) ، وثالث يمثل الوسط بقيادته (حزب مصر) والذى تحول لاحقاً إلى الحزب الوطنى الديمقراطي .
هذه كانت طريقة السادات في الحكم ، والتي تجنب بها دفع تكلفة سياسية باهظة لقراراته المنفردة ، سواء في اتفاقية السلام مع دولة الاحتلال (إسرائيل) او في سياسة الانفتاح الاقتصادى .
وفلسفة هذه الطريقة تتلخص في الهيمنة على الحياة السياسية مع برلمان ضعيف وأحزاب شكلية (ديكور) ، فابتعد السياسيون ودخل رجال الأعمال والعصبيات والقبليات ، مما وفر الفرصة للسلطة التنفيذية للهيمنة على عملية التشريع .. ومع ضعف البرلمان ، ضعفت وظيفته الرقابية على السلطة التنفيذية ، مما يعنى تلقائيا شيوع الفساد بشقيه السياسى والادارى .
معادلة السادات .. حزب قوى وتعددية مقيدة
تلك هي المعادلة التي أدار بها السادات الحياة الحزبية طوال سنوات حكمه ، وهى المعادلة التي رضخت لها كل الأحزاب الموجودة في ذلك الوقت ، وهى ونفسها المعادلة التي رفضها الإخوان المسلمون ، وعاكسوها بمعادلة أخرى حققت لهم نجاحا بين الجماهير ، اقلَّه الإفلات من حالة الجمود التي اصابت كل الأحزاب المصرية .. وتتلخص تلك المعادلة في (حزب قوى في السلطة ، وتعددية حزبية مقيدة)
تجربة حزبية جديدة .. لكنها تعثرت
استراتيجية جديدة: ففي بداية استراتيجيته الجديدة للحكم ، دعى السادات في عام 1976 الى فكرة (المنابر) كبناء حزبى يعبر من خلاله السياسيون عن رؤاهم لادارة البلاد ، منبر اليمين ومنبر اليسار وبينهما منبر الوسط ، لكن كل ذلك كانت تحت عباءة الاتحاد الاشتراكى في بداية الامر .
وتلك المنابر تحولت لاحقا الى حزب مصر الاشتراكى (الوسط) وحزب الاحرار الاشتراكيين (اليمين) وحزب التجمع الوطنى التقدمى والوحدوى (اليسار) وتم تنظيم اول انتخابات برلمانية في ظل تلك التعددية عام 1976 ، والتي تميزت بدرجة ملحوظة من النزاهة ، سمحت بفوز كتلة محدودة العدد - ولكنها مؤثرة - من المستقلين ، فضلاً عن ممثلين لثلاثة أحزاب سياسية ..
لم يكن هدف السادات من فتح المجال للعمل الحزبى والتعددية الحزبية ان يحدث تداول للسلطة ! انما كان هدفه استيعاب الشارع السياسى وتفاعلاته ، وفى نفس الوقت اخلاء الساحة السياسية من منافسيه على السلطة (رجال عبد الناصر) والذين اعتبروه خارجا عليهم بعد ان ابعد الكثير منهم من جهاز السلطة الحاكم .
الا ان احداثا جدَّت ، بعضها كان بفعل السادات وبعضها الاخر لم يكن في حسبانه ..
تعثرات التجربة: حدثان أثرا في حاضر ومستقبل الحياة السياسية المصرية بالغ الأثر ، الأول : أحداث يناير 1977 ، والثاني هو إتفاقية السلام مع دولة الاحتلال (كامب ديفيد) .
- انتفاضة يناير 1977 : خرجت انتفاضة جماهيرية في 18 يناير 1977 بسبب قرارات رفع بعض أسعار بعض المواد الغذائية ، مما اجبر السادات على التراجع عن أول محاولة للاستجابة لنصائح صندوق النقد الدولي ، وهي الانتفاضة التي فاجـأت السادات حينذاك ، والذي كان خارجاً لتوه كبطل من حرب 1973 ، وحدث في هذه الاثناء المواجهة الشهيرة بين رئيس اتحاد طلاب جامعة القاهرة آنذاك طالب الطب عبد المنعم أبو الفتوح مع السادات ، وغضب ساعتها السادات غضبا شديدا .. وقد أدت تلك الاحداث الى تزايد القيود على النشاط الحزبى ..
- اتفاقية السلام مع (إسرائيل): والتي بدأت باعلان السادات المفاجئ يوم 9 نوفمبر 1977 بأنه على استعداد للسفر الى (إسرائيل) ، وسافر بالفعل بعدها بعشرة أيام ، وأسفرت تلك الزيارة عن توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل في سبتمبر 1978 ، مما مثَّل صدمة كبيرة للمصريين والعرب على السواء .. ليدخل بعدها النظام معركة (كسر عظم) مع القوى السياسية المختلفة ، بدأت بعمل (قانون الأحزاب) الذى اشترط على الأحزاب أن تكون مؤيدة لاتفاقية كامب ديفيد !!
ولاحقا ، تم حلّ برلمان 1976 ! لاعتراض 15 نائباً على اتفاقية (كامب ديفيد) !
الخريطة السياسية قبل رحيل السادات
لاحقا بدأت خريطة القوى السياسية المصرية تتغير ، بوافد جديد وبتحول في القديم . فاما الوافد الجديد فكان قبول تأسيس حزبى الوفد والعمل ، واما القديم الذى تحول فكان حزب مصر العربى الاشتراكى والذى صار الحزب الوطنى الديمقراطى ، وهو في الحالتين كان ممثل السلطة الحاكمة ، وبنفس الأعضاء والبرنامج والقادة ! بالإضافة الى جماعة الإخوان المسلمين ، والتي بقيت كما هي ، جماعة (محظورة) !
فتأسست ثلاثة أحزاب :
- حزب الوفد الجديد: حيث تقدم فؤاد سراج الدين في يناير 1978 بطلب الإعلان عن عودة حزب الوفد ، وبعد اخذ ورد وافقت لجنة الأحزاب عليه في 4 فبرير 1978 باسم حزب الوفد الجديد ، لكن لاحقا شعرت قيادات الوفد بصدام وشيك مع السلطة فجمدوا نشاطهم طواعية !
- الحزب الوطنى الديمقراطى: حيث تم تأسيسه في عام 1978 من قِبَل السادات ! ليصبح بمجرد تأسيسه حزب الأغلبية ! اذ انتقل اليه كل أعضاء حزب مصر العربى الاشتراكى !
- حزب العمل الاشتراكى: وهذا تم تأسيسه قبيل رحيل السادات في عام 1981 ، ولقى ترحيبا من السلطة في ذلك الوقت ، على عكس موقفها من حزب الوفد ! ويبدو ان السادات رأى في تأسيسه اضعافا لحزب التجمع ..
وهكذا فانه بنهاية عهد السادات كان في مصر الأحزاب الخمسة التالية :
- الحزب الوطني الديمقراطي
- حزب الأحرار الاشتراكيين
- حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي
- حزب الوفد الجديد
- حزب العمل الاشتراكي
(4) الاخوان المسلمون: أما جماعة الإخوان فأخذت طريقها ، بعيدا عن الأحزاب ، الى داخل المجتمع ، فصاروا أقرب الى التوجه الدعوى والخدمى ، مع دور توعوي وتعبوى بدأ ينمو شيئا فشيئا ، ليصبح الإخوان المسلمون بعد ذلك هم التيار الأقوى تأثيرا ونفوذا في المجتمع المصرى ، برغم عدم تمتعه بمظلة قانونية !!
نتيجة مهمة: لم يكن السادات جادا في التأسيس لتعددية حزبية حقيقة .. انما كان نظامه ، نظام (حزب واحد) لكن بصيغة معدلة ، حتى نسبة (50% عمال وفلاحين) في مجلس الشعب ، المنصوص عليها في الدستور، تم الالتفاف عليها لتصبح فقط (فئة متميزة) من الطبقة الوسطى !
الرئيس (السادات) أطلق التعددية بهدف تأمين نفسه ضد أخطار اليسار واليمين معا ، فيما يسمى بأحزاب بديلة .. أى أن الحزبين كانا موظفين من حزب الوسط الذي رأسه (السادات) بنفسه
وهكذا صار على الحياة الحزبية قيدين :
- الأول: قيود سلطة لاتعترف بالاخر فضلا عن تداول للسلطة !
- الثانى: مجتمع لم يعد يثق بالسياسيين او من يتحدث بمنطقهم !
وصار على السياسيين واجب المدافعة في هذين الميدانين ، كسر قيود السلطة ، وتغيير المجتمع الذى كفر بالسياسة والسياسيين
سقوط الأحزاب في فخ النظام ؟!
تم تشكيل الأحزاب بقرارات من السلطة الحاكمة غالبا .. ودون تماس حقيقى مع الشارع يعبر عن توجهها السياسي امام الجماهير ، ويحمى كذلك مبدأ تداول السلطة .
وللأسف قبلت الأحزاب ذلك المبدأ (التعددية المقيدة) ! يقول القيادى الناصرى واحد مؤسسي حزب التجمع (عبد العظيم المغربى) : (نحن في أحزابنا وافقنا على أن نلعب (الشوط) بالشروط المفروضة والمعدة سلفا.. انما اللعبة اتضح أنها فاسدة) (2)
فالمنابر الثلاثة تحولت الى أحزاب بعد ذلك في أكتوبر 1976 ، ولم يكن واردا لديها فكرة (تداول السلطة) لانها لم تكن في حكم المتاح .. بل أقصى ما كانت تتمناه هو تمثيلاً مناسبا في البرلمان !
ولأنها تشكلت بقرار من السلطة ، فظلت مشغولة دوما بمحاولة توسيع هامش الممارسة السياسية ، منشغلة بذلك عن محاولة تغيير وعى الناس من اجل الاحتماء بهم ، (ولم تدرك أن الناس عندما تنضج سياسيا سيفرضون هم تغيير القوانين) كما يقول المفكر (وحيد عبد المجيد) .
فكانت التعددية الحزبية التي صنعها السادات ، مجرد (ديكور) لتجميل وجه نظامه ! ولاستيعاب التحولات في الشارع السياسى . وهكذا قبلت الأحزاب السياسية في مصر ، معادلة السادات في إدارة العملية السياسية (حزب قوى في السلطة ، وتعددية زائفة في الأطراف) !!
معادلة الإخوان .. مخاطبة الجماهير قبل النظام
لكن جماعة الإخوان المسلمين سلكت سبيلا اخر غير الذى سلكته الأحزاب المصرية ، ليس لانها كانت الوحيدة من دونهم التي بقيت محظورة قانونا ! انما لانها – فيما يبدو – قد فهمت اللعبة مقدماً ، فلم ترضى بها ، وقررت ان تمارس العمل السياسى انطلاقا من فكرها الاسلامى أولا ، وفهمها للوضع السياسى ثانياً .
وهذا ما أكده القيادى الناصرى (عبد العظيم المغربى) اذ يقول:
- (واذا نظرنا في الحياة السياسية المصرية الراهنة ، لوجدنا أن القوى السياسية الأكثر فاعلية في الشارع بخلاف الحكومة وأجهزتها.. بمافيها الحزب الوطني هم (الإخوان المسلمين) لماذا؟.. لأنهم الموجودين أصلا، وليسوا من حضن النظام أو صنعه) (3)
كيف أفلت الإخوان من فخ النظام ؟!
نجحت جماعة الإخوان المسلمون فيما فشلت فيه الأحزاب التي كانت لها شرعية قانونية ! بل ربما كانت أسباب فشل تلك الأحزاب في انتزاع حقوقها من النظام آنذاك ، هي نفسها أسباب نجاح الإخوان ، كيف ؟ لان الإخوان انشأوا لانفسهم معادلة خاصة غير تلك التي فرضها النظام (السادات) على الأحزاب السياسية في مصر ، فسببت كل ذلك الجمود في الحياة السياسية .. كانت معادلة الإخوان المسلمين تتلخص في (التغيير الاجتماعى قبل التغيير السياسى) او بتعبير اخر (مخاطبة الجماهير قبل مخاطبة النظام) .
فبينما كانت الأحزاب تكتفى بعقد ندوات داخل مقار أحزابها ، كان الإخوان المسلمون يدخلون كل بيت ، ويتحركون في كل شارع ، ليس بوصفهم سياسيين ، انما بوصفهم دعاة وخادمين وداعمين لكل محتاج او فقير او طالب علم او باحث عن مساعدة ...
اما ممارسة العمل السياسى او المنافسة الانتخابية ، فلم تكن في اولياتهم في تلك الفترة ، وربما حاولوا ان يستكشفوا الوضع وردات الفعل في انتخابات 1976 ، فقد شارك الإسلاميون فيها ولكن بقرار فردى حيث نجح الشيخ صلاح أبو سماعيل - يرحمه الله - فى دخول برلمان 1976 ثم تبعه الحاج حسن الجمل - رحمه الله - فى برلمان 1979 ... ولم تعلن جماعة الإخوان المشاركة الفعلية في الانتخابات البرلمانية الا في عهد مبارك (1984) ...
وهكذا استطاعت جماعة الإخوان المسلمين بنضالها الدعوى والتوعوى والاجتماعى ، ان تكون نواة لحركة وطنية مصرية جديدة ، وعجز نظام السادات عن احتواء او تطويع جماعة الإخوان المسلمين ، مثلما نجح في ذلك مع الأحزاب التي نشأت تحت عبائته وفي حضنه ..
نتائج تجربة الحياة الحزبية فترة السادات
انتهت فترة حكم السادات ، وبدأ الإخوان المسلمون يتحولون الى رقم يصعب تجاوزه او تجاهله في معادلة السياسة المصرية ، برغم انه لايملك حزبا او جريدة .. لكنهم كانوا يملكون الشارع ويراهنون عليه .. فقد ادرك الإخوان المسلمون ما لم تدركه الأحزاب مجتمعة ، وهو ان التغيير الاجتماعى مقدم على التغيير السياسي ، وان مخاطبة الشعوب اهم من مخاطبة الأنظمة ..
وجاءت الاحداث بعد ذلك تثبت نجاعة معادلة الإخوان تلك ، وانها قادرة رغم الحظر القانوني على انتزاع مساحات متقدمة من العمل السياسى ، ما كان النظام ليسمح بها ابدا لمن رضى ان يعمل في الساحة وفقاً لمعادلته .
ملاحظات
- لماذا فشل عبدالناصر فى إنشاء تنظيم شعبى؟ أسامة سلامة – روزاليوسف – 6/1/2018
- التعددية الحزبية بمصر في ربع قرن البيان – 6/6/2001
- التعددية الحزبية بمصر في ربع قرن البيان – 6/6/2001