التأصيل الشرعى للمواقف السياسية
إعداد محمد عبد الحليم قنديل
لا شك أن حركة الإخوان المسلمين هى محط أنظار الباحثين والدارسين والدعاة والعاملين للإسلام ليس فقط على المستوى الدعوى وما يمثله من فهم وادراك لفقه الواقع كونها كبرى الحركات الإسلامية فى العصر الحديث ولكن على المستوى السياسى والإجتماعى وما يمثله ذلك من تأصيل جماعة الإخوان المسلمين للتحرك السياسى المنضبط بالقواعد الكلية المحققة لمصلحة المجتمع المسلم تأصيلا شرعيا بغير تفريط ولا غلو ولا تطرف
من أجل هذا وجب علينا أن نوضح ونبين رؤية جماعة الإخوان المسلمين من الحراك السياسى القائم وهل المواقف السياسية للحركة يقيدها ويعيق حركتها الإلتزام الدعوى كما يدعيه البعض أم أن الحركة تنطلق من شمولية الإسلام ومن ثم لا يوجد فرق بين الدعوى والسياسى ؟
الحديث يأخذنا الى تناول القضية الأساسية التى يجب ان تشغل بال المسلمين كل المسلمين الا وهى وقضية تطبيق الشريعة الإسلامية وكيف تنظر اليها جماعة الإخوان المسلمين كقضية محورية للأمة المسلمة من أجلها دخل الإخوان السجون وعلقوا على أعواد المشانق وقدموا من التضحيات ويقدموا كل يوم الى ان يقضى الله أمراً كان مفعولا
أقول ان وضوح الرؤية فى هذه القضية اليوم هو مطلب أساسى لمن يعمل للإسلام من خلال جماعة الإخوان المسلمين حتى تخلص النوايا وتتوحد الأهداف ويتلاحم الدعوى والسياسى تلاحما يزيل الباطل وهنالك يفرح المؤمنون بنصر الله
رؤية الإخوان المسلمون من قضية تطبيق الشريعة ( وضوح الرؤية ):-
أحد الدعائم الأساسية التى يجب أن تصتصحب كمدخل من مداخل الفهم لهذا الموضوع ان هناك من الأهداف ما هو هدف استراتيجى وما هو هدف مرحلى وان هذه الأهداف يجمعها ويربطها أنها تحقق مفهوم العبودية لله سبحانه وتعالى واستخلاف الإنسان فى هذه الأرض امتثالاً لقول الله عز وجل ( وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون )
و كما وضح الإمام الغزالى أن (مقصود الشرع من الخلق خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعه مصلحة)
وكما تقدم يتضح ان حفظ الدين تقدم على حفظ النفس ومن هنا شرع الجهاد للدفاع عن دين الله وبذل النفس والمال فى سبيل ذلك وان حفظ النفس مقدم على حفظ العقل فمن اضطر لشرب الخمر مخافة الهلاك لعدم وجود ماء جاز بالقدر الذى يبقيه على الحياه وهكذا فى ترتيب هذه المقاصد من تحقيق المصلحة ودفع المفسدة
ومن الناحية الشرعية فإن هذا الموضوع مرتبط ومتكامل بعدة عناصر وضحها الإخوان فى اكثر من مناسبة وسردت فى ادبياتهم المقروءة والمرئية والمسموعة ولكن حسبى ان اصوب المصباح الى مواضع ومكامن قد تكون تلخيصا للمقصود وتوضيحا له
العنصر الأول : واجبات الحاكم المسلم فى رؤية جماعة الإخوان:
يعتقد الإخوان أن واجبات الحاكم المسلم على كثرتها تنحصر فى واجبين اثنين :
- 1- اقامة الشريعة الإسلامية ( والمقصود بها حراسة الدين )
- 2- إدارة شئون الدولة فى حدود أحكام الشريعة وفى جو من الشورى الملزمة ( سياسة الدنيا بالدين)
ولمن اراد الاستزادة فشروح المجلدات تمتلىء بالأدلة الشرعية الموضحة لذلك وهذا هو رأى الإخوان على الإجمال فى مسئوليات الحاكم
( يا داوود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) ص- 26
لذلك فالإخوان يعتقدون بأن صلاحية الحكام محددة بالحدود التى شرعها الله لأن الله سبحانه وتعالى لم يفوض الى احد من عباده لا الى رسول ولا نبى ولا إمام ولا ولى ولا الى غيرهم ان يشرع للناس من الأحكام ما يريد وان يحكم بما يراه هو من نفسه
العنصر الثانى : الحكم أمانة ثقيلة
يعتقد الإخوان أن الحكم امانة ثقيلة ومسؤولية فادحة امام الله عز وجل
( يا أيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا اماناتكم وانتم تعلمون ) الأنفال - 3
وفى صحيح مسلم ( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة )
نعم ان الحكم فى الإسلام ليس وجاهه ولا رفاهه ولا جنون عظمة عند محبى السلطة انما هو حمل باهظ وهم بشئون الأمة ثقيل وعقد يتم بين الحاكم والمحكومين على ان تكون طاعة المحكومين له مشروطة بطاعته هو لله ورسوله
العنصر الثالث : التصرف على الرعية منوط بالمصلحة
هذه القاعدة الفقهية العظيمة ذات شأن واهمية قصوى فى الفقه الإسلامى ولو تفحصنا كل مواقف الإخوان المسلمين لوجدنا ان هذه القاعده الحكيمة تحكمها حيث انها تحدد معالم السلوك للحكام والأئمة والولاة ومن يتصدر الناس للإصلاح واذا كان حديث : ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ...... الحديث ) تكلم عن المسئولية فهذه المسئولية تقتضى اداء الواجب مع النظر فى المصلحة مع الأخذ فى الإعتبار اولويات مقاصد الشرع فى حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والما ل
العنصر الرابع : وجوب ازالة التناقض بين ادعاء الإسلام وتعطيل شرائعه
يعتقد الإخوان أن من أوجب واجبات الحكام الشرعية فى الوقت الحالى أن يزيلوا هذا التناقض الصارخ بين ما يدعونه من ايمان بالإسلام عقيدة وشريعة من عند الله وبين تجميدهم لأحكامه وتعطيلهم لحدوده وإغفالهم لتوجيهاته وآدابه واستيرادهم لمذاهب وانظمة وقوانين من هنا وهناك بديلا عنه
إن الإسلام يفرض على الحاكم المسلم ان يكون مسلما فى نفسه عقيدةً وعبادةً وأخلاقاً كما يفرض عليه فى نفس الوقت ان يجهد ليكون المجتمع المسلم الذى يحكمه يتمثل الإسلام عقيدة وأخلاقا وفكرا وسلوكا وشرعة ومنهاجا
وحتى يكون تطبيق الشريعة جاداً وليس شعاراً يرفع لابد من اتخاذ عدة خطوات متأنية ومدروسة حتى تتحقق فى النهاية الغاية المنشودة الأمر الذي يتعين أن يكون تطبيق هذا الأمر بالتدريج وعلى مراحل حتى لا تتكرر تجربة السودان في هذا المجال فتطبيق الشريعة يستلزم تحديد أمور ثلاثة :
أولا : ما المقصود بتطبيق الشريعة :
إن كلمة الشريعة عبارة متسعة يعتقد الإخوان أنه حتى تنتقل من مجال النظرية إلى مجال التطبيق يجب تحديد مقصودها ومضمونها خاصة وأن هناك اختلافات في أمور فرعية أصبحت محل جدال عنيف وآراء متعددة مثل مسألة النقاب والموسيقى والأغاني وغيرها وينادى الإخوان بأن الشريعة كمنهج يجب أن تتناول تصور نظام الحكم الذي يرضاه الإسلام وأجهزة الحكم ونظام الشورى والنظم المالية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمع وذلك حتى يتحقق للتطبيق المنشود الشمول والتوافق ونكون بصدد الإيمان بالكتاب كله لا ببعضه
ثانيا: مجتمع الشريعة الإسلامية :-
من المسلم به أن المجتمعات الإسلامية إن لم تكن كلها أو غالبيتها قد ابتعدت عن تطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقاً كاملاً وصحيحاً فبعضها يأخذ منه ما يشاء ويدع الباقي أو يتهرب من تطبيقه كما أن بعض المجتمعات ليست كلها مسلمة ففيها جانب من غير المسلمين فضلاً عن الأجانب وهؤلاء ينظرون إلى الشريعة نظرة مخيفة ويتصورن أنها ستأخذ برقابهم وهذا ما يدفعهم لإثارة الدول الكبرى غير المسلمة واستعدائها على الدول الإسلامية والتي هي بلا شك وبكل أسف في حاجة شديدة إلى تلك الدول الكبرى سواء من ناحية السلاح أو من ناحية الغذاء والمساعدة وهي أمور حساسة يجب أن توضع في الاعتبار لذا يجب تهيئة تلك المجتمعات لتكون مستعدة لتطبيق الشريعة على الأقل بدون مشاكل كبيرة وذلك بدأً بتقوية هذه المجتمعات وتنمية قدراتها الاقتصادية حتى تكون قادرة على الاعتماد على نفسها في الأمور الرئيسية في حياتها ولا تكون تابعة وخاضعة للدول التي تطعمها وتكسوها مع تعميم وعى إعلامي كبير بمحاسن الإسلام ومزاياه وخاصة بالنسبة لغير المسلمين هذا فضلاً عن تأكيد معنى الحرية والعدل تأكيداً فعلياً لا قولياً وكفالة حقوق الإنسان وحرية الأديان وذلك حتى يأمن الإنسان على نفسه وماله وعرضه بعيداً عن إرهاب الدولة وإرهاب الأفراد
ثالثا: أجهزة تنفيذ أحكام الشريعة :
إذا ما توافرت عناصر تحديد الشريعة وتهيئة المجتمع وروعى فى التعامل مع المجتمع تحقيق مقاصد الشرع كما وضحتها سابقا واختيرت قيادات المجتمع السياسى والمدنى بالشكل السابق من خلال العناصر الأربعة السابقة لم يبقى بعد ذلك الا الأجهزة التي ستتولى تطبيق الشريعة وهذه يجب أن تكون في الأغلب الأعم مسلمة وصالحة لأنه إذا كان في هذه الأجهزة عدم كفاءة أو انحراف فإنها ستسيء إلى تطبيق الشريعة وليست تجربة السودان ببعيدة فقد كانت المحاكم التي عهد إليها بتطبيق قوانين الشريعة ليست على المستوى المطلوب مما أساء إلى الشريعة لذا فيلزم حسن اختيار هذه الأجهزة من العناصر الصالحة ولتكون بمثابة القدوة والشريعة المتحركة والنموذج الصالح الذي يكون حافزاً ودافعاً إلى التمسك بالشريعة واتباعها وللوصول إلى هذه الغاية يلزم تدريب تلك العناصر في جو إسلامي واختيار الصالح منها بدون مجاملة أو هوى .
وإذا ما تحققت هذه العناصر نكون بإذن الله وصلنا إلى مرحلة تطبيق الشريعة فعلاً لا قولاً وهذه المرحلة المبتغاة ليست سهلة وقريبة المنال لذا فلابد من السير فيها على مراحل أخذا بسنة التشريع الإسلامي نفسه في معالجة مثل هذه الأمور وليس في أي محاولة لهدم الإسلام كما ظن عديمو الخبرة من الشباب الذين يظنون أن الأمر سينتهي بمجرد صدور قانون بحلول الشريعة محل القوانين بل إن مثل هذا التسرع يقضى على آمال المسلمين بإعلان فشل التطبيق
هذه نظرة مختصرة لفقه الإخوان المسلمين فى تطبيق الشريعة ومراحله المختلفة يتلاحم ويتمازج فيه الدعوى والسياسى امتثالا لقول الله عز وجل ( قل هذه سبيلى ادعوا الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين ) يوسف 108-
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين
المصدر
- مقال:التأصيل الشرعى للمواقف السياسيةموقع:الشبكة الدعوية