الحج بين قيمة الزمان وعظمة المكان
بقلم : خميس النقيب
لا يعظم الزمان ، ولا يقدس المكان ، إلا بقدر ما فيهما من ذكريات حافلة ، وتجليات حاضرة ، وعظات مؤثرة لهذا الدين العظيم من لدن ادم عليه السلام إلي يوم الدين .
شهر رمضان لا يقدس لأنه دورة معينة من دورات الزمن ، وإنما يقدس عند المسلمين لأنه نزل فيه القران ، وفيه الصوم الذي يذكر بهدي القران" شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ..."( البقرة : 185)
ويوم الجمعة لا يقدس لأنه يوم الجمعة ، وإنما يقدس لان الله استدعي الناس فيه من بيوتهم وأعمالهم وبيوعهم إلي خير بقاع الأرض( بيوته) يناجونه ويدعونه ويستغيثون به..انزل الله تعالي سورة سميت باسم ذلك اليوم (الجمعة ) قال فيها :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ "(الجمعة:9) ، يدعوهم فيه ليقفوا أمامه ، ويخشعوا بين يديه ، ويبثوا حوائجهم إليه وهمومهم ،يخافون عذابه ، ويرجون رحمته ، ويحصلون آجره..قال عليه الصلاة والسلام : من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها قال الشيخ الألباني : صحيح
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة لا في يوم الجمعة . رواه مسلم .
ويوم عرفة لا يقدس لأنه يوم عرفة ..! وإنما يقدس لا ن الله تعالي قال "َ... فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ "(البقرة:198) و عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من يوم أكثر من أن يعتق الله عز وجل فيه عبدا أو أمة من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة قال الشيخ الألباني : صحيح
وبيوت الله في الأرض ( المساجد ) التي نعمرها بالبناء والتشييد ، ونعمرها بالصلاة والذكر والتسبيح لا تقدس لذاتها ، وإنما تقدس لان الله تعالي انتدبنا إليها ، واوجب علينا الصلاة فيها فقال سبحانه " فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ "(النور:36-37).
والبيت الحرام كذلك لا يقدس لذاته ، ولا يعظم لبنائه ، وإنما لان الله قال فيه " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ "(آل عمران:96) ودعانا إليه ، واوجب علي المستطيع حجه و زيارته " فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ " (آل عمران:97) دعاهم للطواف حوله والسعي فيه ، فضلا علي الصلاة عندما انتدب إبراهيم عليه السلام أن ينادي في الناس " وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ "(الحج:27)
هذا أمر الله ، لباه كل من أطاعه ، وأبي كل من عصاه ...! كل شيء يلبي الحجر والشجر والمدر ..! ما من ملب يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا ... قال الشيخ الألباني : صحيح ويلبي كذلك المؤمن " إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "(النور:51)..." رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ "(آل عمران:193)
الكل يصدح بهذه التلبية الفريدة و هذا النشيد الثائر ، الذي يزلزل الزمان والمكان ( لبيك اللهم لبيك ..لبيك .. لبيك لا شريك لك لبيك ... إن الحمد لك والملك ... لا شريك لك لبيك ) يعيدون الحمد والثناء لله ، يوجهون التلبية والتهليل إلي الله، يعلمون أن التوكل لا يكون إلا علي الله ، والاستعانة لا تكون إلا بالله والاستمداد والاستلهام لا يكونا إلا من الله ...!!
فالله تعالي هو مالك الملك وخالق الخلق وصانع الفلك بيده كل شيء وهو علي كل شيء قدير.
والحجر الأسود لا يقدس لأنه حجر كذلك ، وإنما يقدس ويقبل لأنه عمل من أعمال الحج ، ومنسك من مناسك الحج ،ومشعر من مشاعر الحج التي أمرنا الله أن نعظمها لان في ذلك الخير لنا " ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ..."( الحج:30)، ...!!كذلك لننال تقواه ورضاه " ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ "(الحج:32)" كذلك الحجر جزء من البيت العتيق ، عنده تسكب العبرات ، وتقبل القربات ، وتمحي الذنوب والسيئات ، وقد قبله رسول الله صلي الله عليه وسلم .
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه : والله إني لأعلم انك حجر لا تضر ولا تنفع ، وما قبلتك إلا لأني رأيت رسول الله يقبلك .
تجاوب القلوب : آيات بينات لمن يريد أن يصل إلي منزلة عظمي من الله ، ومكانة عليا من الدين ، لمن يريد أن يستشعر هذه المعاني ، و أن يعي تلك المحطات ،حتى ولو كان بعيدا عن ذلك المحفل العظيم، لمن يريد أن يحصل رحمات الله تعالي ، فإنما هي نفوس تستشعر ، وعيون تدمع ، وقلوب تخشع ...المؤمن ما هو إلا مجموعة من المشاعر والأحاسيس ، وإذا ذهبت هذه المشاعر وتبلدت هذه الأحاسيس، أصبحت الحجارة أفضل منه ، لان الحجارة لو انزل عليها القران لتصدعت من خشية الله " لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ "(الحشر:21)..وقد تهبط من خشية الله " ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ "(البقرة:74) وقد هبطت الحجارة مع إبراهيم وهو يرفع القواعد من البيت ، وعلامة ذلك موجودة حتى الآن هناك علي الحجر ....ّ!!!
رباط وثيق : شاء الله تعالي -ولا راد لمشيئته سبحانه - أن ترتبط المساجد في الكون كله ، في الدنيا بأسرها بأول مسجد وضع للناس ، فهم يتجهون في صلاتهم إليه ، ثم ينتدبون في الوصول إليه، مرة في العمر واجبة التنفيذ علي المستطيع ...!! ، وأن يرتبط المسلمون في كل الدنيا بابيهم الأول إبراهيم عليه السلام ، فهو الذي نادي ، وهم الذين لبوا النداء ، يؤدون نفس ما أداه ويعملون ما أمرهم به الله ....!!
في المكان موسم ومؤتمر : الحج موسم تجارة – في كل الحالات مع الله - تجبي أليه من ثمرات كل شيء" .. أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ "(القصص:57) ، احل الله فيه البيع والشراء " لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضالين "(البقرة:198) ...!! والحج موتمر عبادة يجمع بين العبادة البدنية( صلاة وطواف وسعي ) والعبادة الروحية ( تلبية وذكر وتهليل وتسبيح ) ،الله وجه الذين تفاخروا هناك بالألقاب والأنساب إلي شيء آخر . إلي ذكره وشكره " َإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً.."(البقرة :200)
اللهم ارزقنا حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا ، اللهم نجنا من عذاب القبور ، ونجنا من هول النشور ، واجعلنا في الآخرة من أهل السعادة والسرور ،اللهم سدد خطانا إليك ، شرفنا بالعمل لدينك ، ووفقنا للجهاد في سبيلك ،وغير حالنا لمرضاتك ، امنحنا التقوى وأهدنا السبيل وارزقنا الإلهام والرشاد ، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل ،ولا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا ،وصلي اللهم علي سيدنا محمد وعلي أهله وصحبه وسلم ،والحمد لله رب العالمين
المصدر
- مقال:الحج بين قيمة الزمان وعظمة المكانموقع:الشبكة الدعوية