الحج في كتابات دعاة الإخوان
مقدمة
الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام الخمسة، وشعيرة من شعائر الله العظيمة، لقول الله تعالى "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا"، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه". ولقد عظم الإخوان المسلمون هذه الشعيرة وعملوا على حث الناس على أدائها والاستعداد لها مبكرا، حتى أن كثير من مرشدي الإخوان وداعتهم كتبوا عنها مثل الأستاذ البنا والتلمساني وغيره.
ونحاول هنا أن نرصد ما كتبه بعض دعاة الإخوان عن شعيرة الحج وتعظيمها:
الحج في فكر الشيخ الغزالي
الشيخ محمد الغزالي أحد الدعاة الذين تخرجوا في مدرسة الإخوان المسلمين الوسطية وكان مسئولا عن قسم نشر الدعوة في عهد الإمام البنا، وقد كتب عن الحج فقال: الحج وفاء لنداء إبراهيم عليه السلام، وتلبية لأوامر الله تعالى، وتجرد وإخلاص لا شرك فيه، إنهم يجيئون ليترجموا عن وفائهم ويقينهم، ولتبقى دورات التاريخ متصلة المبنى والمعنى، لا يمر عام إلا أقبلت الوفود من كل فج كأنها الحمائم تنطلق من أوكارها، يحثها الشوق إلى مهاد التوحيد وحصنه: "ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ" (الحج: 32)
وليس للطائفين نجوى إلا مع الله وحده، شغلهم الشاغل ترديد الباقيات الصالحات، والتقدم بضعف العبيد إلى القوي الكبير أن يجيب سؤالهم ويحقق رجاءهم، ماذا يقولون؟ سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ثم يدعون: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" (البقرة: 201). إن الوفود القادمة من القارات الخمس على اختلاف لغاتها وألوانها وأحوالها يجمعها شعور واحد، وتنتظمها عاطفة دينية مشبوبة، وهي تترجم عن ذات نفسها بتلبية تهز الأودية! ويتحول ما أضمرته من إخلاص إلى هتاف بسم الله وحده، لا ذكر هنا إلا لله، ولا جؤار إلا باسمه! ولا تعظيم إلا له! ولا أمل إلا فيه! ولا تعويل إلا عليه.
الشيخ الخطيب وموسم الحج
الشيخ محمد عبدالله الخطيب أحد الدعاة بجماعة الإخوان المسلمين وأصبح عضوا بمكتب الإرشاد، وكتب عن الحج فقال:
- "المسلمون على موعد كريم مع ربهم، في جوار البيت الحرام، في ضيافة أكرم الأكرمين، لا يرد من قصد بابه، ووقف في رحابه، بل يعطيه ويَمنحه ويَجبره، كما أخبرنا الحبيب - صلى الله عليه وسلم - فقال "الغازي في سبيل الله والحاج والمعتمر وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم" رواه ابن ماجة، وفي الحديث أيضًا "ما راح مسلم مجاهدٌ أو حاجٌّ مهلل أو ملبٍّ إلا غربت الشمس بذنوبه وخرج منها".
وفي هذه الأيام المباركة نستقبل العشر الأوائل من ذي الحجة العشر المباركة السعيدة، وحجاج بيت الله من أطراف الأرض تَهوِي أفئدتهم إلى البقعة المقدسة، يبذلون الرخيص والنفيس، وكل حاج يحدث نفسه، ويمني عينيه أن تكتحل فتفوزَ بالنظر إلى البيت العتيق.. الكعبة المعظمة.. أول بيت وضع للناس بمكة مباركًا وهدًى للعالمين. إن كل حاج يبكي ذنوبه، ويبدي أسفه وندمه على تفريطه في جنب الله، ويسأل مولاه الرءوف الرحيم - رب البيت العظيم - من فضله؛ عساه أن يخرج من ذنبه وأدران الدنيا متطهرًا، فيعود كيوم ولدته أمه.
الأستاذ جمعة أمين وفريضة الحج
الأستاذ جمعة أمين عبد العزيز هو مؤرخ جماعة الإخوان المسلمين وأحد منظريها الكبار ولها العديد من الكتابات الفكرية والتاريخية، وقد كتب عن الحج بقوله:
الواقع أن دروس الحاج - كما قلنا - دروس عظيمة ومتعددة، فكلنا يعرف كيف أن درس السعي بين الصفا والمروة، والهرولة التي نراها من الحجيج في أماكن محددة، حددها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يستطيع المسلم أن يتجاوزها؛ لا يتقدم عنها، ولا يتأخر، ويذكرنا ذلك بأمنا "هاجر"، هذه المرأة التي تركها زوجها في مكان يصفه القرآن: لا زرع فيه، ولا إنس، ولا جن، بل إن هذا المكان الذي وصفه سيدنا إبراهيم: "رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ" (إبراهيم: 37).
وينفد منها السقاء، وتهرول مسرعة بين الصفا والمروة، تقول: "يا صاحب الغيث أغث، يا صاحب الغيث أغث"، فكانت (زمزم)، ودائمًا الطاعة لها ثمرة؛ فثمرة طاعة "هاجر" كانت هذه العين التي يرتوي منها الحجيج، وكم من دروس في هذه الأماكن الطيبة، وإن ننسى لا ننسى هذا الابن الحليم، هذا الابن الذي يقول له أبوه: "إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ" (الصافات:102)
ثم يقول له: (فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (الصافات:102)، كأنه يستفسر منه: ماذا تصنع؟ فكانت الإجابة من هذا الابن: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ (الصافات: 102)؛ لأنه كان يعلم أن الأمر ليس أمر أبيه إبراهيم؛ إنما هو أمر الله؛ ولذلك لم يقل: يا أبت، افعل ما أمرت، ولكن يقول: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، يعني أن أباه أُمر بذلك، فكان لابد من الانصياع إلى أمر الله سبحانه وتعالى، فلما أخلص الولد لله سبحانه وتعالى، ﴿.. فَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.
هذه الطاعة التي دائمًا يقول أعداء الإسلام فيها إنها غير معقولة المعنى، بل هي إن كانت غير معقولة المعنى، ولكنَّ كل المعاني فيها؛ لأن العقل تدبر في مصدرها، فعرف أنها من الحكيم العليم: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (الطلاق: 12).
فمتي يتذوق المسلمون الطاعة لله سبحانه وتعالى؟ متي يضعوا منهاج الله موضع التنفيذ؟ متي تكون آيات الله سبحانه وتعالى حياة ومنهج للمسلمين؟! كم نتمنى أن تكون هذه الوفود، التي جاءت إلى هذا المكان، تعقد مؤتمرًا عالميًّا، تتدارس فيه أحوال المسلمين؛ تعرف قواها، وتعرف مواطن ضعفها، وتتعاون فيما بينها وبين بعضها البعض.
الدكتور القرضاوي ونفحات الحج
الدكتور يوسف القرضاوي أحد العلماء الذين تربوا منذ صغرهم داخل جماعة الإخوان المسلمين، وقد كتب عن الحج بقوله:
أيها الأخوة المسلمون في هذه الأيام المباركة يرحل الناس من كل فجٍّ عميق، من مشارق الأرض ومغاربها وشمالها وجنوبها إلى بيت الله الحرام، ليؤدوا هذه الشعيرة العظيمة شعيرة الحج التي فرضها الله تبارك وتعالى على كل مسلم ومسلمة في العمر مرة متى استطاع إليها سبيلاً، يقول الله عز وجل "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ * ِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" "مَنْ كَفَرَ" أي من أعرض عن الحج ولم يستجب لأمر الله تعالى وهو قادر عليه وضع مكان هذه الكلمة "من ترك الحج".. "من كفر" كأن هذا كفر بالله والعياذ بالله "وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ".
الشيخ علي طنطاوي ورحلة الحج
يعد الشيخ علي الطنطاوي أحد قادة الإخوان بسوريا وعلمائها وقد كتب عن الحج فقال:
- يا عازمين على الحج، يا من يشد الرحال، ويعد الأحمال ليصل إلى فناء الحرم، ويقوم عند الملتزم، ويشرب من ماء زمزم: قفوا قليلاً فاستمعوا مني كلمة، ثم أمضوا على بركة الله.. إنكم ما حملتم مشاق السفر، ولا رضيتم بفراق الأهل، ولا أنفقتم هذا المال إلا ابتغاء ثواب الله، وادخاراً من الحسنات ليوم الحساب، فهل علمتم قبل أن تمشوا أن الحج حجان: حج مبرور وردت الأحاديث الصحاح بأنه ليس له ثواب إلا الجنة، وأن صاحبه يرجع منه كيوم ولدته أمه، وحج ما فيه إلا إنفاق المال وإرهاقُ الجسد، وفراق العيال، فماذا تعملون ليرفع الله حجكم إليه، ولا يرده عليكم، فيضرب به وجوهكم.
الدكتور مصطفى السباعي وذكريات الحج
الدكتور السباعي هو أول مراقب عام للإخوان في سوريا وأحد قادتها ودعاتها العظام حيث كتب عن الحج بقوله:
- إلهي! إن حجيجك واقفون الآن بين يديك شعثاً غبراً، شبه عراة، يمدُّون إليك أيديهم بالدعاء، ويملأون منك قلوبهم بالرجاء. وحاشا لكرمك أن تردَّهم وتردَّ من كان بقلبه وروحه معهم، فأفض علينا من رحماتك، وأمددنا بسبب إلى سماواتك، وطهر قلوبنا من نزعات الشر، واملأ نفوسنا برغبات الخير، وأعنَّا على طاعتك، وكرِّهنا بمعصيتك، وارزقنا الصبر على مرِّ بلائك، والشكر على حلاوة قضائك.
لم يقتصر على هؤلاء الدعاة لكن كثير من دعاة الإخوان كتبوا عن شعيرة الحج وتعظيمها ولربما يأتي اليوم الذي يجمع فيه هذا التراث ليقدم بين يدى القارئ.