الدكتور جعفر شيخ إدريس

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

نشأته

وُلِد الشيخ جعفر بن شيخ إدريس بن محمد بن صالح بن بابكر بن عبد الرحمن آلبَلَل في 15 يونيو 1931 في بورتسودان، بالسودان، لأسرة متدينة تعود جذورها إلى منطقة نوري شمالي البلاد. ونشأ في بيئة علمية، حيث أتمّ حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وتلقى تعليمه النظامي الذي تُوّج بتخرجه في جامعة الخرطوم، وهناك برز نبوغه العلمي وشخصيته القيادية بتوليه رئاسة اتحاد الطلبة.

في خطوة كانت نادرة في ذلك الوقت، انطلق في رحلته الأكاديمية العليا ليحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة عام 1970 من جامعة الخرطوم، بعد دراسة بحثية في جامعة لندن، وكانت أطروحته حول "مفهوم السببية في الإسلام". بهذا الإنجاز، أصبح من أوائل الأكاديميين السودانيين الذين يجمعون بين علوم الشريعة الإسلامية والفلسفة الغربية الحديثة بمنهجية علمية رصينة.

وإلى جانب النظام التعليمي الحديث، درس القرآن الكريم في المدارس القرآنية التقليدية. كما درس الفقه والحديث واللغة العربية على يد أساتذة تقليديين في المدينة، ودرس العقيدة مع جماعة أنصار السنة.

الشيخ والنشاط الدعوي

خلال دراسته الثانوية في مطلع خمسينيات القرن العشرين، انضم إلى حركة التحرير الإسلامي، وكان عضوًا نشطًا في صفوفها، يلقي الدروس والمحاضرات في مواجهة المد الفكري الشيوعي آنذاك، مما يجعله من الجيل المؤسس للحركة الإسلامية السودانية. هذا المزج المبكر بين النشاط الدعوي والعمق الفلسفي شكّل ملامح مشروعه الفكري فيما بعد.

ويُعَد من قادة الحركة الإسلامية في السودان، ممثِّلًا للتيَّار السُّنِّي التربوي فيها. وفي السعودية لازم الشيخ عبد العزيز بن باز، وتأثَّر ببعض العلماء الكبار كالشيخ بكر أبو زيد، مما غيَّر توجُّهَه وباعد بينه وبين العمل الحركي التنظيمي، وتوغَّل به في العمل السلفي السُّنِّي الفكري الدعوي المؤسسي.

دراسته

تلقَّى تعليمه الجامعي في كلِّية الآداب قسم فلسفة الاقتصاد والسياسة بجامعة الخرطوم (وكانت تُدعى "كلية غوردون التذكارية"، سُمِّيت بذلك تخليدًا لذكرى القسِّيس تشارلز غوردون، وكان البريطانيون يزعمونه بطلًا قوميًّا)، ثم تركها وفضَّل الدراسة بمصر، ولم يعجبه الحال هناك فعاد إلى جامعة الخرطوم ليتم دراسته فيها، وحصل على الإجازة (بكالوريوس) مع مرتبة الشرف عام 1961م.

وكانت الجامعة أيام دراسته تمور بالصراع الفكري بين الإسلامين والشيوعين والجمهوريين وغيرهم، وتعِجُّ بالنشاط السياسي الذي كان يضطَرُّ الإنجليز لاتخاذ إجراءات تعسفية مع الطلاب. وكان جعفر من رؤوس ذلك النشاط، وتقلَّب في وظائفه، حتى رأسَ اتحاد طلَّاب الجامعة سنة 1958، وهي السنة التي تسلَّم فيها الفريق إبراهيم عبود الحُكم، وحدثت في ذلك العهد محاولاتُ ثورة، ومحاولتا انقلاب عسكري، وشارك في ثانيتهما الرشيد الطاهر بكر المراقب العام للإخوان بالسودان، وإن كانت مشاركته رأيًا استبدَّ به فيما يظهر، باعتبار شخصي لا عَلاقة للجماعة به. وصدرت الأحكام على الانقلابيين قاسية، فقُرِّر إعدام الضبَّاط المنفِّذين للانقلاب، وسَجْن بعضهم وكان منهم الرشيد بكر. ومضى وفدٌ من اتحاد الطلَّاب إلى إمام الأنصار عبد الرحمن المهدي الراعي لحزب الأمَّة والمؤسس للجبهة الوطنية المتحدة لمعارضة نظام عبود التي ضمَّت إضافة إلى حزب الأمة (الإخوان المسلمين)، والجبهة المعادية للاستعمار (الشيوعيين)، والحزب الوطني الاتحادي، وبعض المستقلين. وشكَّل الطلَّاب لَجنة رأسها الطالب جعفر شيخ إدريس، وكتبوا أولَ مذكِّرة تقدِّمها جهة مدنية للمجلس العسكري تطالبه بإعادة الجيش إلى الثُّكْنات وإعادة النظام المدني، فاعتقل النظام اللجنة التنفيذية للاتحاد. ولم يكن فعلُ الطلاب يومئذٍ عبثًا؛ فمن جامعة الخرطوم بدأت الثورة التي أسقطت النظام العسكري عام 1964.

بعد تخرُّجه عُيِّن معيدًا بالجامعة، وسجَّل لدراسة مرحلة الماجستير، لكنَّ الجامعة ابتعثته في العام التالي للدراسة بجامعة لندن. وبعد سقوط نظام إبراهيم عبود ترك الدراسة واستقال، ليشارك في العمل السياسي الإسلامي. وكان مرشَّحَ جبهة الميثاق بمدينة بورتسودان. ثم عاد إلى الجامعة مرَّة أخرى عام 1967، وحصل على شهادة (دكتوراه) من جامعة الخرطوم في تخصُّص فلسفة العلوم عام 1970، وكانت دراسته الفعلية في جامعة لندن بحسب الاتفاقية بين الجامعتين.

عمله

بدأ البروفيسور جعفر شيخ إدريس مسيرته في التدريس الجامعي أواخر الستينيات، متنقلا بين مؤسسات علمية مرموقة. عمل مدرسًا للفلسفة في جامعة الخرطوم بين عامي 1967 و1973، ثم انتقل إلى المملكة العربية السعودية حيث عمل أستاذًا بقسم الثقافة الإسلامية في جامعة الرياض (جامعة الملك سعود حاليًا)، قبل أن ينضم إلى هيئة التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.

في جامعة الإمام، تقلّد عدة مناصب علمية، ودرّس مواد العقيدة الإسلامية والمذاهب المعاصرة، وأسهم في تأسيس مركز البحوث بالجامعة. تدرج في مسيرته حتى أصبح من أبرز أساتذتها، وأشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه. وقد تقاعد من العمل الأكاديمي الرسمي في جامعة الإمام عام 1997، بعد مسيرة حافلة امتدت 30 عامًا.

ولم يقتصر عطاؤه على العالم العربي، بل امتد إلى الغرب، حيث تولى إدارة معهد العلوم الإسلامية والعربية في ولاية فرجينيا بالولايات المتحدة، التابع لجامعة الإمام، وشغل منصب مدير قسم البحث العلمي ثم مستشارًا للمعهد في التسعينيات.

وفي خطوة رائدة، أسس مع نخبة من العلماء الجامعة الأميركية المفتوحة في واشنطن عام 1995، وأصبح رئيس مجلسها التأسيسي، بهدف نشر المعرفة الإسلامية بأساليب التعليم عن بُعد. كما عمل مستشارًا للعديد من المراكز الإسلامية حول العالم، مما يعكس مكانته الدولية كمرجع فكري وتربوي.

فكره

امتاز البروفيسور جعفر شيخ إدريس ببصمة فكرية فريدة، تمثلت في قدرته الفائقة على الربط بين الفلسفة الغربية ومفاهيم العقيدة الإسلامية بلغة عقلانية سلسة. وقد ساعده على ذلك إتقانه التام للغتين العربية والإنجليزية، مما جعله قادرًا على مخاطبة العقول الغربية بمنطقها ولغتها دون التنازل عن ثوابت العقيدة.

ركّز في طرحه الفكري على مركزية التوحيد وتنقية العقيدة من الشوائب، وعُرف بنقده الموضوعي والهادئ للتيارات الإلحادية والعقلانية المتطرفة، مؤمنًا بضرورة مواجهة موجات التغريب بالفكر العميق والحوار الرصين بدلًا من الشعارات. وأسهمت مقالاته وأبحاثه في ترشيد الخطاب الإسلامي، داعيا إلى تقديم الإسلام بصورة تتناسب مع العصر الحديث، مما أكسبه لقب "صوت العقل الإسلامي" لدى محبيه وتلاميذه.

ترك البروفيسور جعفر شيخ إدريس إرثًا علميًّا كبيرًا من الكتب والبحوث التي أثرت في أجيال من المفكرين. وتميزت مؤلفاته بالإيجاز والتركيز على الأطر الفكرية العامة.

من أبرز كتبه باللغة العربية: "الفيزياء ووجود الخالق"، "نظرات في منهج العمل الإسلامي"، و"الإسلام لعصرنا". وباللغة الإنجليزية، ألف كتبًا مهمة منها: (The Pillars of Faith) "أعمدة الإيمان"، و"Islamization: Its Philosophy & Methodology) "أسلمة المعرفة: فلسفتها ومنهجيتها".

ويُعدّ من أوائل من كتبوا في موضوع "أسلمة العلوم" خلال السبعينيات، حيث قدم أوراقًا تأسيسية أصبحت مرجعًا لمن جاء بعده. وقد تتلمذ على يديه عدد كبير من الطلاب والباحثين الذين يحملون فكره اليوم في أنحاء العالم.

وفاته

في يوم الجمعة 23 محرم 1447هـ الموافق 18 يوليو 2025مـ، توفي الشيخ بعد مرضٍ ومشقة عاناها سنين عدداً، عن عمر ناهز 94 عامًا ونعاه مجمَّع الفقه الإسلامي. ثم صُلِّي عليه في المسجد النبوي عقب صلاة العصر من يوم السبت 24 المحرَّم 1447هـ الموافق 19 يوليو 2025م، ودُفن في مقبرة البقيع.

قالوا عنه

كتب الشيخ محمد عبدالكريم الشيخ عنه قائلا:

لشيخنا العلّامة، تاريخه المضيء الناصع في الحركة الإسلامية في السودان، وإذا تتبعنا سيرته وجدناه أنه منذ أن بدأت الحركة الإصلاحية في السودان ومع وجود الاستعمار الإنجليزي أبى إلا أن يكون فاعلاً في كل تلك الأدوار والأطوار، التي مر بها السودان، بدءاً من انخراطه في جماعة أنصار السنة المحمدية في "بورتسودان"، مروراً بالحركة الإسلامية في مقاومة الاستعمار ، حيث انتقل الشيخ إلى حركة التحرير الإسلامي التي تحولت بعد ذلك إلى جماعة الإخوان المسلمين .

وإذا رجعنا إلى حقبة الستينات والسبعينات في تاريخ السودان، فإنّنا نلحظُ انّ قلم الشيخ كان حاضراً في بيان النهج الإسلامي ومواجهة طرائق الشيوعيين والجمهوريين والعلمانيين .

وانتقد بعلم وفقه، كثيرا من المنزلقات الفكرية، سواء في الفكر الجمهوري لمحمود محمد طه، أو الأفكار التي تزعّمها الدكتور حسن الترابي والعصرانيين وموقفهم من محكمات الدين، مع اسهاماته الثَّرَّةِ ومنافحته عن الشريعة الإسلامية، إزاء الداعين إلى نبذها أو تحريفها .

من أبرز إنجازاته العلمية، ومؤلفاته التي طبقت الآفاق، كتابه "الفيزياء ووجود الخالق" ، ولقد كان هذا الكتاب بفضل الله تعالى ، سبباً في رجوع كثيرٍ من الملاحدة إلى الإسلام،و كذلك كتابه "نظرات في منهجنا الإسلامي، و"الدعوة الإسلامية والغزو الفكري" و"صراع الحضارات "والكثير الكثير من روائعه العلمية التي دعمت المكتبة الإسلامية، ولقد درَّس الشيخ جعفر في عددٍ من الجامعات مثل "جامعة الملك سعود" و "جامعة الإمام محمد بن سعود" ، ثمَّ ذهب إلى أمريكا، داعيةً ومعلّماً فكان له أبلغ الأثر في الدعوة إلى الله ، ومن أعظم انجازاته مقالاته في مجلة البيان ، حيث بدأ الشيخ يكتب فيها بانتظام قرابة عقدين من الزمان ، إلى أنْ أعياه المرض ، وقد تشرفت بالتقديم للشيخ والتعريف به نيابة عن طلابه في الحفل البهيج الذي أقامته مجلة البيان تكريماً للشيخ على جهوده، هذا ويحوي حفل التكريم كلمات تبيّنُ جوانب من فكر الشيخ وآثاره :

(( حفل تكريم الشيخ أ.د.جعفر شيخ إدريس ..نموذج يُحْتَذى به

التقيت بالشيخ في أوائل التسعينات، حيث كان رائدنا ومقدّمنا ، في الردود على الانحرافات الفكرية ، والاتجاهات البدعية، التي كانت تروَّجُ في السودان آنذاك باسم الاتجاه العصراني، فوجدنا عند الشيخ من الوثائق والمعلومات التي بينت حقيقة ذلك الاتجاه، وصدع الشيخ حينها بالحقِّ في محاضرته الشهيرة بقاعة الشارقة بجامعة الخرطوم سنة ١٩٩٤ م .

اللهم ارحم عبدك الشيخ جعفر شيخ ادريس ؛ واغفر له؛ وتقبل حسناته؛وكفر عنه سيئاته؛ واغسله بالماء والثلج والبرد؛ وارفع درجته في الصالحين المهديين وأدخله جنة الفردوس مع المحسنين الأبرار .

واخلف على عقبه وطلابه في الصابرين الطيبين الأخيار اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله؛ وصل اللهم وسلم على نبينا المختار ؛ وآله الطيبين الأخيار

للمزيد

  1. الجزيرة: 19 يوليو 2025م