الشهيد روحي مشتهى قيادي في حماس
من أبرز قيادات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وأحد مؤسسي جناحها العسكري كتائب عز الدين القسام في قطاع غزة، وإن كان لم يسمع عنه الكثيرون إلا أنه يعد الذراع اليمنى للسنوار، بعدما أفرج عنه بعد 25 عاما في صفقة تبادل الأسرى "وفاء الأحرار" مع يحيى السنوار، وانتخب عضوا في المكتب السياسي لحركة حماس بعد الإفراج عنه، وكان له دور محوري في صياغة قرارات الحركة وإدارة شؤونها الداخلية والخارجية، أنه روحي مشتهي.
المولد والنشأة
ولد روحي جمال عبد الغني مشتهى، ويكنى بـ"أبو جمال"، في حي الشجاعية بمدينة غزة عام 1959م لعائلة فلسطينية عريقة من حي الشجاعية بمدينة غزة، ويكمل دراسته فيها
في كتائب القسام
التحق مشتهى بجماعة الإخوان المسلمين في مرحلة مبكرة من حياته، وانخرط في نشاطاتها الدعوية والاجتماعية والنقابية، وانضم إلى صفوف حركة حماس منذ تأسيسها عام 1987، وأسس مشتهى وخالد الهندي والسنوار، بتكليف من مؤسس «حماس» أحمد ياسين، في عام 1986، جهازاً أمنياً للحركة أطلق عليه «منظمة الجهاد والدعوة»، ويعرف باسم «مجد»، وكان معنياً بالكشف عن «العملاء والجواسيس» وملاحقتهم.
اعتقاله
في 13 فبراير/شباط 1988، اعتقله جيش الاحتلال الإسرائيلي -ولم يكن قد مضى على زواجه إلا 6 أشهر- من داخل المستشفى الأهلي العربي بعد إصابته التي أدت لاحقا إلى بتر بعض أصابع يده اليمنى.
صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد نتيجة لنشاطه الأمني والعسكري وملاحقته المخبرين الذين عملوا إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي، وقضى 25 عاما في السجون الإسرائيلية، بل تعرض للعزل الانفرادي في سجون الاحتلال عدة سنوات.
السنوار ومشتهى كانا زميلين في الزنزانة خلال فترة سجن طويلة في إسرائيل وتم إطلاق سراحهما معًا عندما تم إطلاق سراح أكثر من ألف أسير فلسطيني مقابل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.
وصرح بعد خروجه: إن" الحركة الأسيرة حولت الأسر في سجون الاحتلال الاسرائيلي من محنة إلى منحة، ومن أهداف حماس منذ تأسيسها هو تحرير الأسرى
وأثناء حبسه فقد والديه، وارتقى أحد إخوانه، وقصفت طائرات الاحتلال منزله أثناء حرب العصف المأكول عام 2014، وأيضا في تصعيد شهر أيار/ مايو عام 2019، كما وضعه على قائمة الاغتيالات عام 2014، ووضعته الإدارة الأمريكية على قوائمها للـ “الإرهاب” عام 2015م، حيث صرح وقتها بقوله: إن قرار وزارة الخارجية الأمريكية بإدراج اسمه على القائمة السوداء الأمريكية "للإرهابيين الدوليين"، لن يثنينه عن تأدية دوره في خدمة شعبه وقضيته.
وأضاف: إن القرار لن يغير من قدَرِنا، نصْر مؤزر أو شهادة مشرفة، مشدداً على أن هذه القرارات لن تحرف مسار التاريخ.
وقال: أن مفهوم الإرهاب لدى الشعوب يختلف تماماً عن الأنظمة، مردفاً: لذا يقال إن الإرهابي بعين شخص، مناضل لأجل الحرية بأعين آخرين.
وشارك مع الأسرى في تخطيط وتنفيذ عدة فعاليات ضد سياسات مصلحة السجون الصهيونية منها الإضرابات عن الطعام حتى أُفرج عنه ضمن صفقة تبادل الأسرى "وفاء الأحرار" عام 2011م بعد قضاء 23 عاما في السجون الإسرائيلية.
اهتم مشتهى بقضية الأسرى في سجون الاحتلال، فأصبح رئيسا لجمعية وفاء الأحرار، وقاد فعاليات شعبية مناصرة للأسرى، منها إعلانه الإضراب عن الطعام إسنادا لهم، وكان ضمن وفد التفاوض الفلسطيني في مصر في أكثر من جولة تفاوض لإتمام صفقة تبادل للأسرى مع الاحتلال، وشارك في الأنشطة والمؤتمرات التي تعنى بالمسجد الأقصى وبمواجهة محاولات الاحتلال تهويده.
يستضاف مشتهى على وسائل الإعلام المختلفة للحديث عن القضية الفلسطينية وتطوراتها، ويرى أن المرابطين والمرابطات داخل الأقصى وحوله أعاقوا تحقيق الاحتلال لأطماعه في الاستيلاء على الأقصى.
نشاطه السياسي
بعد الإفراج عنه عاد إلى نشاطه السياسي داخل الحركة، وأصبح عضوا في مكتبها السياسي منذ عام 2013م، كما كان ضمن وفود الحركة التي شاركت في محادثات المصالحة مع حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) برعاية مصرية حيث كان مسؤولا عن ملف العلاقات مع مصر.
وأثناء العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014، وضع الاحتلال مشتهى على قائمة الاغتيالات لكونه من قادة حماس البارزين في القطاع. وتتهمه إسرائيل بإدارة الملف المالي للحركة والملفات الإدارية المرتبطة بحكومة قطاع غزة التي تعرف بـ"اللجنة الإدارية"، وكان يرأسها القيادي عصام الدعاليس.
لاحقا، أصبح ممثلا للحركة لدى جهاز المخابرات المصرية ومسؤولا عن التنسيق معها في الملفات المتعلقة بغزة، وتنقل بين القطاع والقاهرة من عام 2017 حتى اندلاع الحرب على غزة عام 2023 بعد إطلاق المقاومة الفلسطينية عملية طوفان الأقصى على مستوطنات غلاف غزة.
أبرز المناصب والمسؤوليات
أسهم في تأسيس أول جهاز أمني للحركة في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، إذ كان مسؤولا عن تعقُّب العملاء الفلسطينيين المتهمين بالتعاون مع إسرائيل.
أسهم مشتهى في تعزيز القدرات الأمنية للحركة، مما جعله هدفا دائما لمحاولات الاغتيال الإسرائيلية.
تولى التنسيق الأمني بين حماس والسلطات المصرية، خاصة ما يتعلق بمعبر رفح وعدد من القضايا الأمنية الأخرى المرتبطة بالحدود.
عضو المكتب السياسي لحركة حماس لأكثر من مرة.
كان من ضمن وفود الحركة التي شاركت في محادثات المصالحة الفلسطينية مع حركة فتح برعاية مصرية.
شارك في العمل الحكومي المدني بجانب العمل العسكري وصرح في تخريج دفعة من حفظة القرآن: إن غزة ترمي الاحتلال بأقواس عدة منها القرآن والمقاومة. وأضاف على هامش الحدث القرآني الأضخم بغزة أمس، "صفوة الحفاظ"، أن غزة رغم الحصار أنتجت جيلا فريدا، متميزا على كل مستوى. وأوضح: "اليوم نحو 500 حافظ لكتاب الله عز وجل، وهم أيضا قد يتواجدون في كل المواقع، سواء كانت مواقع الجهاد أو الوعظية أو القلمية، مضيفا "هذه غزة ترمي العدو عن قوس واحدة".
استشهاده
مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2024 أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي وجهاز الأمن العام "الشاباك"، وللمرة الرابعة اغتيال مشتهى وسامح السراج، إضافة للقيادي الأمني سامي عودة في غارة على مدينة غزة قبل 3 أشهر.
وفي 24 يناير/كانون الثاني 2025 نعت حركة حماس عضو مكتبها السياسي، ومسؤول جهاز الأمن العام في الحركة سامي محمد عودة بعد استشهادهما، وشيع مشتهى وعودة على أنقاض المسجد العمري، أكبر وأقدم مساجد غزة التاريخية الذي دمرته إسرائيل في حربها على القطاع.
وشهد التشييع حضورا شعبيا حاشدا شمل مختلف الفئات العمرية والمجتمعية، إضافة إلى قيادات سياسية وعسكرية من حركة حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى.
زواج ميمون
تبدو حكاية القائد الأسير المحرر روحي مشتهى وزوجته أم جمال، استثنائية بحجم التضحية والحب والوفاء المتبادل الذي توّج بتجدد اللقاء بعد انقطاع قسري دام قرابة 25 عامًا.
فبعد ستة أشهر فقط من زواجهما في غزة حدث الاعتقال لتغيّب قضبان السجان الصهيوني الفارس روحي الذي امتزجت روحه وتآلفت مع زوجته العروس الجديدة التي قدِمت خصيصًا من أجله من الأردن وهي تعلم أنها تسلك طريقًا محفوفة بالمخاطر والتضحيات الجسام.
ووسط ازدحام المهنئات بحرية القائد والزوج والحبيب أبو جمال (54 عامًا) ، التمعت عينا أم جمال بفرح اللحظة واللقاء الذي مسح آثار قرابة 25 عامًا من الحرمان والبعاد، وهي تتحدث لـ”المركز الفلسطيني للإعلام” متذكرة بداية اللقاء بالفارس الذي ارتبطت فيه بحب صادق لم يكن من السهل الانعتاق عنه.
“إنه صادق وصريح ومخلص .. أحببته من المرة الأولى التي رأيته كان صادقًا من بداية المشوار”.
صمتت بتأثر وقالت: “في أول لقاء قبل العقد الرسمي قال توقعي رؤيتي إما أسيرًا أو شهيدًا أو طريدًا، هذا هو حالي وهذا هو طريقي”.
بإيمان وإعجاب شديد اختارت أم جمال الموافقة، مشيرة إلى أنها لم تحكِ لأهلها خشية أن يرفضوا خاصة أننا نسكن الأردن ولم نكن ندرك طبيعة الواقع في قطاع غزة في ظل الاحتلال.
أما القائد روحي فقال إنه تأخر في الزواج لسن السابعة والعشرين، رغم إلحاح والديه، حتى حانت اللحظة التي قرر فيها أن يقدم على هذه الخطوة، ولأنه سلك طريق الحق والقوة والحرية أراد أن تكون علاقته بشريكة الحياة قائمة على الصراحة منذ البداية فإما أن تقبل وإما لا وهذا حقها، وكان القبول الذي تآلفت فيه الأرواح وتحقق الزواج.
وبعد ستة أشهر من علاقة فريدة بين شاب مسلم وفتاة ملتزمة أسسا بيتهما على أساس الإسلام العظيم، تشكل فيه المرأة المشجع لزوجها على سلوك درب الجهاد والتضحية، وفيما كانت ظلال الحب والإخلاص ترخي سدولها على هذا البيت العامر بالإيمان والجهاد، حدث خلل خلال محاولة القائد روحي صيانة عبوة ناسفة بها خلل لتنفجر العبوة بين يديه (بتاريخ 13/2/1988) على دوي هائل لينقل إلى المستشفى المعمداني ليعتقل بعد ذلك من قبل قوات الاحتلال الصهيوني.
الزوجة الصابرة قالت إنها سمعت صوت الانفجار الذي وقع أسفل المنزل وشاهدت زوجها ينزف دمًا قبل نقله للمستشفى وتنقطع أخباره بعد اعتقاله دون أن تعرف طبيعة إصابته إلاً بعد أربعة أشهر حيث حدثت الزيارة الأولى في سجن غزة المركزي “السرايا سابقًا” ليكون اللقاء المؤثر خلف القضبان بين عريسين لم يتمَّا عامهما الأول ولم يكتب لهما الحمل والإنجاب بعد.
أضافت أم جمال: “كانت هذه أول زيارة وأصعبها، فوجئت به يعرض علي الانفصال، عارضت بشدة وقلت له سأشاركك في الأجر ويقيني أن الفرج قريب، وإن لم نلتقِ في الدنيا سنلتقي في الآخرة”.
وبحياء وصراحة وصدق قالت: “صدقه الأول، والأيام الجميلة التي عشتها معه الأشهر الستة الأولى جعلتني أحبه وحبي يزداد مع إدراكي لحجم إيمانه والتزامه فكان القرار الحاسم بالثبات رغم أنه أشار لها أن قضيته كبيرة وقد يأخذ حكمًا كبيرًا (وهو ما كان لاحقًا حيث حكمه الاحتلال أربعة مؤبدات وعشرين عامًا، على خلفية مقاومة الاحتلال وعملائه) ورغم ذلك أصررت على البقاء والوفاء ولم أقطع الأمل والثقة بالله بساعة اللقاء.
وقال أبو جمال إنه أراد أن يحررها من الالتزام رغم العهد الأول ولكنها أبت فكانت صاحبة أجر أعظم كونها صبرت وأوفت مختارة ومقتنعة بهذا الطريق، حتى كانت هذه النهاية المشرقة، مستحضرًا قول ابن عطاء السكندري “من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة”.
وبقيت الزيارات التي كانت تقوم بها أم جمال لزوجها تخفف من اشتياقها له، وتعطيها المزيد من دفعات الصبر والثبات، ولكنها حرمت حتى من هذه الزيارة منذ ثماني سنوات ونصف لم تمنعها من استمرار عهد الوفاء والثقة بأن ساعة الفرج آتية بعز المقتدر الجبار.
وبالرغم من تبليغها بإدراج اسم الشيخ روحي ضمن محرري صفقة التبادل إلا أن مشاعر القلق والخوف والترقب بقيت تساورها حتى عندما كانت تتواجد في معبر رفح تنتظر وصول المحررين لأنها على يقين بأنه لا أمن لمكر اليهود.
وابتسمت أم جمال وهي تصف اللحظات الأولى للقاء: “كنت في حالة قلق أترقبه وأتفرس الوجوه والحافلات حتى شاهدته وتحقق اللقاء .. أديت له التحية العسكرية وبدوره أدى التحية العسكرية وتعانقنا وعندها أيقنت أنه تحرر وأن وعد الحرية تحقق وأن ربي أحسن بي وبه إذ أخرجه من السجن”.
ويقول أبو جمال إن لحظات الحرية لحظات فرح لم يعشها في حياته فلقيا الأحبة وملامسة ثرى الوطن بعد كسر القيد بفضل الله ومن ثم بفضل المقاومين الأبطال كانت لحظات تاريخية بصدق.
ويبدي القائد مشتهى الذي فقد والديه وشقيقه الشهيد مهدي والعديد من الأقارب والمحبين وعلى رأسهم شيخه وقائده الأول الإمام أحمد ياسين، خلال فترة الأسر، قناعة بأن موعد الفرج لكل الأسرى اقترب.
وقال: “لن يكون لنا فرح أو استقرار إلا أن نراهم بيننا.. لن نقيل أو نستقيل حتى ينالوا حريتهم ” مشددًا على أن فرح هذه الأيام سيكون الدافع لتحريرهم”.
وأضاف “الأرض أصبحت ممهدة لهذه الحرية، وهذا هو الطريق (أسر الجنود وتنفيذ صفقات تبادل)”.