الشيخ علي الجداوي أول نائب مرشد لجماعة الإخوان المسلمين

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

وته لدى أعيان البلده وشيوخها وكان منهم الشيخ علي الجداوي الذي أصبح واحدا من مؤسسي دعوة الإخوان المسلمين بالإسماعيلية وشارك فيها سواء بالعمل في مدرستها أو الإشراف على ملجأها الذي أنشأته الجماعة.

في عام 1932م وبعد أربعة أعوام من بداية الدعوة صدر قرار بنقل الأستاذ حسن البنا للعمل في القاهرة ورغم الحزن إلا أن الجميع استسلم لقدر الله يقينا أن الله يدبر للدعوة الخير.

كان لابد من اختيار شخصا يكون نائبا للمرشد العام يتولى شئون الدعوة في الإسماعيلية –مهد الدعوة- فوقع اختيار الأستاذ حسن البنا على الشيخ علي أحمد الجداوي حيث واجه هذا الاختيار هوى بعض المتتسبين للدعوة واللمز في شخص وأنه لا يصلح للقيادة، غير أن الجمعية العمومية لجماعة الإخوان المسلمين أقرت اختيار الشيخ الجداوي وأصبح أول نائب للمرشد العام.

حياته

الشيخ علي أحمد الجداوي كان من القيادات الأولى للإخوان المسلمين في مدينة الإسماعيلية. وتم اختياره من قبل المرشد العام حسن البنا ليتولى منصب نائب الجماعة وخليفته في رئاسة فرع الإسماعيلية، وهو الفرع الأهم آنذاك، وكان ذلك في شتاء عام 1932م.

كما كان رئيسًا لاجتماعات الجمعية العمومية للإخوان المسلمين في الإسماعيلية، ومنها الاجتماع الذي عقد في 14 أغسطس 1932م.

كان يُطلق عليه لقب "نائب المرشد" في الإسماعيلية. وقد مثل الإسماعيلية في مجلس الشورى العام الأول لجماعة الإخوان عام 1933م بالإسماعيلية.

وفي عام 1934م، حضر مجلس الشورى الثاني للإخوان بمدينة بورسعيد ممثلاً عن مكتب الإسماعيلية.

وحينما نشر الإخوان ائماء مسئولي شعب الإخوان المسلمين على مستوى القطر المصري عام 1937م ورد اسم الشيخ علي الجداوي ضمن القائمة كمسئول عن الإخوان في الإسماعيلية.

والشيخ علي الجداوي كان يعمل نجارًا عجوزًا ويمتلك ورشة في حي العرب بمدينة الإسماعيلية وهو السبب الذي جعل من بعض ضعاف النفوس تلمز في توليه منصب نائب المرشد العام في ظل وجودهم وهم من حملة المؤهلات العليا.

وعلى الرغم من مكانة الشيخ الجداوي وسط الإخوان إلا أنه كان من أقرب الإخوان إلى قلوب حسن البنا وقلوب الإخوان وأحبهم إليهم، ويشير إلى ما كان للشيخ علي الجداوي من علم وفضل وسبق.

الإشراف على ملجأ الإخوان

وقد كلف الإخوان الشيخ علي الجداوي لتولي شئون هذا الملجأ والإنفاق عليه، وترتيب الدروس الدينية لهن، وقد وفق الله الكثيرات منهن فتزوجن وأصبحن ربات بيوت صالحات، ومن لم تتزوج منهن تعلمت فن الخياطة والتفصيل، أو فن الطهي، أو تربية الأولاد، وكان لهذا العمل الجليل أكبر الأثر في نفوس المسلمين جميعًا من أهالي الإسماعيلية وغيرهم.

كما تضمنت مهمته:

  • تنظيم شؤون الملجأ اليومية والإدارية.
  • توفير الإنفاق عليه، غالبًا من خلال التبرعات وجمع المال من أعضاء الجماعة والمحسنين.
  • ترتيب الدروس الدينية والتعليمية للفتيات المقيمات فيه.

إلى جانب الدروس الدينية والأخلاقية، كان الملجأ يوفر تدريبًا على المهارات المنزلية والعملية، أبرزها:

  • الخياطة: لتمكينهن من إعالة أنفسهن لاحقًا.
  • الطهي وأعمال المنزل: لتأهيلهن كربات بيوت صالحات.
  • كان المخرج النهائي للعديد من الفتيات هو الزواج، حيث كان الإخوان يتولون مهمة تجهيز الفتاة اليتيمة ومساعدتها على تأسيس بيتها بعد تعليمها وتأهيلها.

والملجأ كان جزءًا من خطة أوسع للعمل الاجتماعي تبناها حسن البنا لتجاوز العمل الوعظي النظري إلى العمل الخدمي الملموس في المجتمع.

مثَّل هذا العمل نموذجاً استُنسخ في فروع أخرى للجماعة في المدن المصرية، ليكون العمل الخيري والإغاثي ركيزة أساسية من ركائز الدعوة.

اختياره نائبا للمرشد

طلب الإخوان في الإسماعيلية أن يرشح لهم الإمام الشهيد من يقوم بأعباء الدعوة خشية أن ينقل الإمام الشهيد إلى مكان آخر دون ترتيب أمر الدعوة، فرشح الإمام الشهيد الشيخ علي الجداوي، وعرض الترشيح على الجمعية العمومية للإخوان فوافقت على اختياره وكان يعمل نجارًا، وكان هناك مدرس يعمل بمعهد حراء يتطلع لذلك المنصب، لكنه سلك سبيل الدس والوقيعة للوصول إلى ذلك المنصب، فصادق بعض أعضاء مجلس الإدارة ممن يعتقد أن لهم نفوذًا عند الإخوان، ولما رأى أن الإمام البنا قد رشح غيره ليتولى أمر الإخوان وهو يرى نفسه أكفأ وأعلم وأقدر وأكثر أهلية من هذا النجار الذي لا يحمل العالمية مثله، وليس له مواهب مثله، فهو يحسن قرض الشعر ويجيد الخطابة والقول ويعرف الكثير، وينشر الدعوة ويحسن الاتصال بالناس، ولذلك لابد له من عمل، ولما كان هذا الشيخ لا يمكن أن يذكر ذلك كله أو يطالب بهذا الأمر لنفسه، لذا فقد احتال على ذلك بصداقة أحد أعضاء مجلس الإدارة وظل يتردد عليه آناء الليل وأطراف النهار، ويحاول أن يقنعه بأنه أكفأ من أخيه وأقدر على حمل تبعات الدعوة منه، وأن الأستاذ قد هضم حقه بتعيينه الشيخ علي الجداوي نائبًا ولم يختره هو رغم تضحياته وسبق جهاده في سبيل تلك الدعوة، فكيف يتخطاه الأستاذ فضلاً عن أن اجتماع الجمعية العمومية لم يكن قانونيًا، وأثار بعض الشبهات حول الشيخ علي الجداوي والجمعية ومنها: أن الجمعية مدينة والشيخ علي الجداوي يتقاضى مكافأة على إمامة المسجد تبلغ ثلاثة جنيهات في حين أن الشيخ يمكن أن يقوم بذلك العمل متطوعًا أو نظير خمسين قرشًا فقط وبذلك فقد امتلأ قلب هذا الأخ بوسوسة الشيطان واتخذه مطية لأغراضه، وقد أصغى الأخ لهذه الوسوسة وأفضى بها لبعض أصدقائه من الإخوان حتى فشا هذا القول في وسط الإخوان، فجمع الإمام البنا هؤلاء الإخوة عنده واطلع على مطالبهم التي كانت تتركز على تعيين أخ آخر غير علي الجداوي نائبًا للمرشد، فاتفق معهم الإمام على إعادة الانتخاب مرة أخرى ووجهت الدعوة لانعقاد الجمعية العمومية وأعلن فيها عن سبب الاجتماع وهو اختيار نائب للمرشد، وقد اقترح فضيلة المرشد على الشيخ علي الجداوي إن ظهرت نتيجة الانتخاب في صالحه أن يتنازل عن راتبه، وظهرت النتيجة وفاز الشيخ علي الجداوي بأغلبية ساحقة وبعد ظهور النتيجة تنازل الشيخ علي الجداوي عن المكافأة.

وعلي الرغم أن الفئة التي اعترضت على تولي الشيخ الجداوي قد أثارت بعض الشبهات ومنها:

   الأولى:أن الشيخ علي الجداوي رحمة الله عليه ضعيف العلم والشخصية

   والثانية:أن الإمام البنا كان يختار بهوى و يفرض رأيه بلا شورى.

إلا أن الإمام البنا لم يترك الأمر دون توضيح حتى لا يلتبس الأمر على الناس فتصير فتنة وسط الإخوان وتنهار الدعوة.

أولا:الرد على من ادعى أن الشيخ علي الجداوي رحمة الله عليه ضعيف العلم والشخصية

   كان العربي من أهل مكة يعرف شعابها بين الجبال المحيطة بها معرفة جيدة فلا يضل فيها أبدا ، حتى أن بهائمهم من الغنم والجمال اذا ذهبت الى المرعى في هذه الجبال .لتعرف كيف تعود وحدها بدون راع الى منازلها ومرابضها.

   لكن الغريب في مكة لا يعرف مساكن العرب بين هذه الشعاب .واذا مشى وحده بين شعاب و مسالك هذه الجبال الكثيره ضل وانقطع وهلك من والجوع و العطش .ومن هنا جاء المثل العربي قديما : (أهل مكة أدرى بشعابها)

   فإذا أردنا معرفة الشيخ علي الجداوي وعلمه وجهده في الدعوة فلابد أن نعرف ذلك ممن عاش معه وعرفه لا من يتكلم عن عدم علم بالواقع بعد مرور عشرات السنين دون دليل أو سند على كلامه وهذا الأسلوب في التفكير إنما هو استناد للمثل السابق الذي يقره العقل ألا وهو أهل مكة أدرى بشعابها ..

   هذا أولا .. فضلا عن أن للشهادة أهلها المعتمدين في شرعنا الحنيف..

   فهل يعتمد العاقل على شهادة أهل الخير والعدالة أم على شهادة كل محتال أفاك يقول كلاما مرسلا لازمام له ولا خطام .. ونصل إلى الجواب حين نرجع لقول ربنا سبحانه " يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا"

وحين نعلم أن الله أمرنا أن نتحرى في الشهود العدالة يقول ربنا:

   "ممن ترضون من الشهداء " ويقول سبحانه " وأشهدوا ذوى عدل منكم" .. وحين نعقد مقارنة مبدئية بين الفريقين سنعرف من هم أهل العدالة الذين تقبل شهادتهم وأهل المجاهرة بالفسوق والمعاصي على الشاشات أمام ملايين الناس ..

   والآن نترككم مع شهادة العدول الذين عاشوا الحدث وعرفوا تفاصيله عن كثب لا تحريفا لما كُتب ..

يقول الإمام البنا رحمه الله :

   " الأخ الشيخ علي الجداوي، وهو من أفضل الإخوان خلقاً وديناً، وعلى قدر مناسب من العلم والمعرفة، حسن التلاوة لكتاب الله، جيد المشاركة في البحث، دائم الدرس والقراءة، مع أنه من أسبق الناس استجابة للدعوة. "

   هذه هي شهادة الإمام البنا في الشيخ علي رحمه الله ،شهادة الثقة العدل ، شهادة من عايش الشيخ علي عن كثب وعلمه سباقا في العلم والعمل من أجل الدعوة

   فهاهو الشيخ علي يعلم كيف يقرأ القرآن الكريم وهذا العلم هو أفضل و أشرف و أعظم و أعلى مراتب العلوم كلها وقليل من كان يحصل هذا العلم في تلك الفترة ، هذا بالإضافة إلى ديمومته على القراءة ، وحضور الدروس ومشاركته الجيدة في البحوث ... فهل لا زال في نظر من لا نظر له من أهل الهوى و الفسوق والبهتان مجرد عامل لا ناقة له ولا جمل في العلم الشرعي و الدعوة إلى الله تعالى ؟!.

   وكذلك الإخوة من أبناء الإسماعيلية الأفاضل كانوا يعلمون ما للشيخ علي الجداوي من علم وفضل وسبق ومن أجل هذا كان ترحيبهم الشديد به كنائب عن الإمام البنا في الإسماعيلية،

وفي هذا يقول الإمام البنا رحمه الله:

   " .... ومن أقربهم إلى قلوب الإخوان، وأحبهم إليهم... ، وعرضت عليهم ترشيحي، فوافقوا عليه بالإجماع في فرح شامل، وسرور عجيب بهذا الاختيار، وتحمس بعضهم، فاقترح أن يترك الشيخ علي عمله وقد كان يشتغل نجارا في دكان خاص به ويعين إماماً لمسجد الإخوان، وتصرف له مكافأة تكفيه من مال الدعوة، حتى يستطيع أن يؤدي عمله على أكمل وجه، ووافق المجتمعون على هذا العرض، واستحسنته، لأني أؤمن بفائدة التفرغ للعمل، وعين للشيخ علي الجداوي مكافأة ضئيلة، ورضي الرجل "

   وهكذا اجتمع رأي أهل الخير و الثقة و العدل على علم الشيخ علي وتقواه و أهليته لهذا التكليف ، فكيف يأتي بعد ذلك من يخالف هذا الإجماع و النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن الله قد أجار أمتي من أن تجتمع على ضلالة " انظر السلسلة الصحيحة للشيخ الألباني ، هذا فضلا عن كونه ليس من العدول ممن تؤخذ شهادتهم محل الثقة بالاضافة لإدعائه أن مصدر كلامه هو مذكرات الدعوة والداعية فها نحن أتينا بنصوصها لبيان الافتراء والكذب .

ثانيا:الرد على من ادعى أن الإمام البنا كان يختار بهوى و يفرض رأيه بلا شورى

   مما لا جدال فيه أن العالم أجمع بشرقه وغربه،وشماله وجنوبه،وعربه وعجمه،المسلم منه والكافر،يعلم تمام العلم أن الإمام حسن البنا حمل لواء الدعوة الإسلامية ، و أراد عودة الخلافة الإسلامية ، وأسس "جماعة الإخوان المسلمون" الإسلامية ..

   كل هذا يعني أن الإمام كان دستوره القرآن الكريم و السنة النبوية ، وهذا الأمر يعلمه الصغير قبل الكبير ... فمن المضحك فعلا أن ينعق ناعق الغربان بأن الإمام لم يطبق مبدأ الشورى في عمله كمرشد للجماعة!

   واستشهد الناعقون بحادثة هي بذاتها دليل على حرصه رحمه الله على تطبيق مبدأ الشورى.. وهي حادثة اختيار نائبه في الإسماعيلية الشيخ علي الجداوي..

يخبر الإمام عن هذه الواقعة فيقول :

   " كان الإخوان يخشون انتقالي من الإسماعيلية قبل أن أقيم لهم من بينهم من ينهض بأعباء الدعوة، فعرضوا علي التفكير جدياً في هذا الأمر حتى لا نفاجأ بالانتقال، ونؤخذ على غرة، ورأيت الفكرة وجيهة، فشغلتني حيناً، وأخيراً رشحت لهذه المهمة أحدهم، وهو الأخ الشيخ علي الجداوي؛

   ودعوت إلى اجتماع شامل، وعرضت على الإخوان فكرة إخوانهم من ترشيح نائب للإخوان يقوم بالعبء بإشرافي قبل أن نفاجأ بنقل، أو نحوه، فرحبوا بها جميعاً، وعرضت عليهم ترشيحي، فوافقوا عليه بالإجماع في فرح شامل، وسرور عجيب بهذا الاختيار، وتحمس بعضهم، فاقترح أن يترك الشيخ علي عمله؛

   وقد كان يشتغل نجارا في دكان خاص به ويعين إماماً لمسجد الإخوان، وتصرف له مكافأة تكفيه من مال الدعوة، حتى يستطيع أن يؤدي عمله على أكمل وجه، ووافق المجتمعون على هذا العرض، واستحسنته، لأني أؤمن بفائدة التفرغ للعمل، وعين للشيخ علي الجداوي مكافأة ضئيلة،ورضي الرجل إذ كان معنا على التضحية لا على الغنيمة، وهي شيمة إخوان الإسماعيلية جميعا بحمد الله "

   تأمل أيها العاقل المنصف سير الأحداث ، لما وقع اختيار الإمام على علي الجداوي الشيخ علي ماذا فعل ؟ تطبيقا لمبدأ الشورى جمع إخوانه كلهم ، ثم عرض عليهم هذا الإختيار ليتشاوروا فيه ، فأجمعوا عن بكرة أبيهم على الشيخ علي .. و أيدوا ترشيح الإمام البنا .. أين هو الاستبداد بالرأي الآن ؟!!

ولنكمل الواقعة .. يقول الإمام البنا عن القائم بالفتنة:

   " شيخ أريب أديب عالم فقيه لبق ذلق اللسان واضح البيان عين مدرساً بمعهد حراء" وقدرت فيه مواهبه فأسندت إليه رئاسة لجنة الحفلات وبعض الدروس في مسجد الإخوان. وكان محترماً من الجميع فتطلع إلى أن يكون رئيساً للجماعة بإخوان الإسماعيلية وبخاصة وهو يعلم أنه لا بد من أنني سأنقل يوماً من الأيام كموظف من هذا البلد الذي قضيت فيه نحو أربع سنوات إلى بلد آخر، ونسي هو أنه موظف كذلك وأنه عرضة للنقل أو الفصل أكثر مني.

   ولم يسلك إلى تحقيق هذه الرغبة طريقها الطبيعي وهو الإخلاص في العمل والتفاني في خدمة الدعوة، ولكنه سلك إليها الطريق الملتوية: طريق الدس والتفريق والوقيعة، فصادق بعض أعضاء مجلس الإدارة الذين يعتقد أن لهم نفوذاً بين الإخوان ومنزلة فيهم وأخذ يوثق رابطته بهم ويكثر من زيارتهم ويدعوهم إلى زيارته.

   ونحن جميعاً لا نرى في هذا إلا عملاً بريئًا لا غبار عليه وعلى دعوة الإخوان، وهل دعوة الإخوان إلا توثيق الروابط بين الإخوان؟!

   ورأي الشيخ بعينيه أنه قد حيل بينه وبين ما يأمل من رياسة الإخوان بهذا الوضع، فها هو ذا نائب المرشد قد عين واختير فعلاً، فهل يسكت على ذلك، وهو يرى نفسه أكفأ وأعلم وأقدر وأكثر أهلية لهذا المنصب من هذا" النجار"؟

   وأين الشيخ علي الجداوي في علمه وموهبته من فضيلته، وهو يحمل شهادة العالمية من جهة، ويحسن قرض الشعر، ويجيد الخطابة والقول، ويعرف كيف ينشر الدعوة، ويتصل بالناس، وإذن فلا بد من عمل: وعمل محكم مرسوم فهو لبق حكيم، استعان بأصدقائه الذين أحكم صلته بهم من قبل، وأفرد أحدهم بأخلص صداقته، وأخذ يفتله في الذروة والغارب، ويوسوس له بالليل والنهار، ويقنعه بأنه أكفأ من أخيه، وأليق بهذا المنصب منه؛

   وأن الأستاذ قد ظلمه حقه وغمطه تضحياته، فهو قد احتمل كثيراً، وأنفق كثيراً، وجاهد كثيراً، وأخلص للأستاذ أعظم الإخلاص، ووضع ماله وحياته ومستقبله وأهله فداءً له وللدعوة، وماذا فعل الشيخ من هذا كله؟ لا لشيء أبداً، فهو لم ينفق، ولم يجاهد، ولم يخلص مثل هذا الإخلاص، فكيف يتخلى الأستاذ أخلص الناس له وللدعوة ليرشح من هو أقل منه إخلاصاً، وأضأل منه شأناً، هذا ظلم مبين.

   ذلك فضلاً عن أن اجتماع الجمعية العمومية لم يكن قانونياً، فقد جاء مفاجئاً ولم تصل الدعوة لكثير من الأعضاء الذين إن حضروا كان يحتمل أن يكون لهم رأي آخر، وهذا غمط لحق هؤلاء في التصويت وفي إبداء الرأي."

   وحتى لما عارض هذا الإجماع ثلة قليلة جدا من أصحاب النفوس الضعيفة ..ماذا فعل الإمام ؟!! هل أجبرهم على رأيه ؟! هل كمم الأفواه و أخرس الألسنة وألزمهم بالانقياد للأمر ؟!!

   لاوالله ما فعل .. و إنما جمع هؤلاء المعارضين واستمع إلى مطالبهم ، و عقد اجتماعا آخر بناء على رغبتهم لإعادة الشورى في أمر اختيار الشيخ علي .. الآن أين هو الاستبداد بالرأي ؟!!

يقول الإمام البنا:

   " وأفضى بهذا القول إلى بعض أصدقائه من الإخوان، فمنهم من نصح له، ومنهم من أشفق عليه وتأثر بقوله. وفشا في الإخوان هذا القول، وشعرت به، فعلمت من أين هبت الريح، وأحضرت هذا الأخ، ونصحت له؛

   ولكنه كان قد امتلأ إلى نهاية تفكيره، واستغرقته فكرة أولويته، وزين له الشيطان أن في ذلك مصلحة الدعوة، وأنه يتشدد لا لنفسه ولكن للمصلحة العامة، وهذا هو المنفذ الذي ينفذ منه الشيطان دائماً إلى نفوس المؤمنين ليفسد عليهم صدق إيمانهم وطهر قلوبهم، وتشيع لهذا الأخ ثلاثة من أصدقائه كان العامل الأول في تشيعهم له صداقته لهم؛

   ثم انضم إلى ذلك وسوسة الشيخ لهم ونفورهم الطبيعي من الشيخ علي، وحسدهم إياه على ما وصل إليه، وشعار ذلك كله مصلحة الدعوة والحرص عليها.

   فأردت أن أقضي على الفتنة من أساسها، ولا أدع لهم عذرا، إذ كنت حريصاً عليهم حسن الظن بهم، مقدراً لسابقتهم في الدعوة، وخدمتهم إياها، وتضحيتهم في سبيلها، معتقدا أن الحصول على أمثال هؤلاء الجنود الذين نهلوا من مناهل الدعوة، وشبوا في أحضانها عسير عزيز يتطلب مجهوداً آخر، وكفاحاً آخر، وتربية تستنفد وقتاً، وتتطلب عناءً.

   وبعد ذلك كله فهناك الوفاء للاخوة والحب للإخوان والعطف عليهم وما أجلى هذه المعاني وأوضحها في وصف الله تبارك وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام" عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم".

   ومن واجب أصحاب الدعوات أن يتحروا هذه الأخلاق النبوية، وأن يكون لهم. في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فيعز عليهم ما يصيب المؤمنين من عنت، ويحرصون على أخوتهم، وسلامة نفوسهم أشد الحرص، ويكونون بهم ذوي رأفة ورحمة.

   لهذه الحيثيات جميعاً لم أرد أن أؤاخذهم بقسوة، أو أعاجلهم بعقوبة، أو أباعد بينهم وبين إخوانهم بإقصاء، أو فصل، ولكني آثرت التي هي أفضل وأجمل، فجمعتهم عندي، وسألتهم ماذا تريدون؟

   فقالوا: نريد ألا تسند مهمة النيابة عنك إلى هذا الأخ، فقلت.: جميل أنتم تريدون هذا، ولكن إخوانكم قد أرادوا غيره، واختاروه، وأسندوا إليه هذه المهمة، فإذا نفذت إرادتكم خالفت إرادة إخوانكم، فقالوا: لا، إنهم لم يكونوا جميعاً حاضرين، ولو حضروا جميعاً لكان لهم رأي آخر، وكانت الدعوة مفاجئة، ولم يكن المقصود منها معلوماً؛

   فقلت: وهل إذا جددنا الدعوة للجميع، وأعلنا الغرض منها، وتركنا لكل إنسان الحرية الكاملة في أن يقول رأيه تنزلون عند رأي الجماعة؟ قالوا: نعم. قلت: جميل لم نخسر شيئا؟ إذن فلنعاهد الله على هذا، وعاهدنا الله، واتفقنا على الموعد، ووجهنا الدعوة موضحاً بها الغرض من الاجتماع، والواقع أن هذا المظهر كان جديداً وغريباً على أوضاع الإخوان التي لم تعرف إلا الوحدة الكاملة، والإندماج التام، فرأي أحدهم هو رأي جميعهم، يتمثل فيهم قول نبيهم عليه الصلاة والسلام: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد".

   وقوله عليه الصلاة والسلام: " المسلمون عدول بعضهم على بعض يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم". ولكن أخذت به إيثاراً للحسنى وسداً للذريعة، واجتمعنا وكنت أعلم من نفوسهم فوق ما أعلنوا، فأوعزت إلى الأخ الشيخ علي أنه إذا ظهرت نتيجة الانتخابات في جانبه أن يعلن تنازله عن مرتبه، وأنه سيعمل في المسجد متطوعاً.

   وقد كان: اجتمع الإخوان، وظهرت نتيجة الانتخابات، فإذا هي إجماع رائع عدا أصوات هؤلاء فقط على اختيار أخيهم الشيخ علي، وإذا به يفاجئهم بهذا الإعلان في تأثر عميق نال من نفوسهم جميعاً، وأخذوا يستغربون لموقفه هذا، وموقف هذا العدد منه، أربعة يأبون إلا أن يفرضوا أنفسهم على أكثر من خمسمائة؛

   فإذا لم ينفذ رأيهم كان الخمسمائة مخطئين، لأن الأربعة يأبون إلا أن يكونوا في نظر أنفسهم مصيبين، وهذا من أغرب الأوضاع في الجماعات، ولقد كان الإسلام حكيماً أعظم الحكمة في وصيته بأخذ مثل هؤلاء الخوارج على رأي الجماعة بمنتهى الحزم

   "ولكنا تأثرنا إلى حد كبير بالنظم المائعة التي يسترونها بألفاظ الديمقراطية والحرية الشخصية، وما كانت الديمقراطية، ولا الحرية يوما من الأيام معناهما تفكيك الوحدة والعبث بحرية الآخرين."

لقد كان الإمام يغرس في نفوس الإخوان روح الشورى والأخذ برأي الجماعة من مطلع بداية الدعوة في الإسماعيلية فلم يقطع أمراً مهماً دون استشارة وأخذ برأي الأغلبية.

لقد كان قول سلفنا الصالح الذين سبقونا بالعلم والإيمان:

   " إن كنتَ ناقلاً فالصحّة ، وإن كنتَ مدّعياً فالدليل " ..

   فأين هؤلاء المفترون من هذا الشعار ..

   و أين هم من وعيد الله عزوجل في قوله:

   "ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا" سورة النساء ، آية " 112".

ووفق التقرير الذي اصدرته الجمعية العمومية وعددها(196 عضو) لجماعة الإخوان المسلمين ردا على الذين اتهموا الشيخ الجداوي فجاء فيه:

  • أما عن مرتب الشيخ علي الجداوي والشيخ الحصري وما قاله عنهما أنهما تقررا بدون علم المجلس، فكذب صريح فقد تقرر في جلسة المجلس رقم (23) بتاريخ 31 من مارس 1931 أن يكون المرتبين جنيهين للأول ومائة قرش للثاني وفي جلسة المجلس رقم (24) بتاريخ 19 من أبريل 1931 تقرر زيادة مرتب علي الجداوي إلى ثلاثة جنيهات ومرتب الشيخ الحصري إلى 150قرشًا، وأن مرتب الشيخ الجداوي تقرر في مارس 1931م، واستمر في صرفه حتى مارس 1932 عندما تنازل عنه الشيخ الجداوي بعد انتخابه نائبًا عن الإخوان، فأين كان ذلك المفتون طوال تلك الفترة.
  • أما عن انتخاب الشيخ علي الجداوي فنحن وفقًا لقانون الجمعية المعد والذي وافقت عليه الجمعية العمومية وهو يعطي الحق للمرشد العام للإخوان المسلمين أن يختار نائبه، ولكن الأستاذ البنا رفض ذلك ورشح لهذا الأمر كلاً من الشيخ علي الجداوي والشيخ محمد الغزالي والأسطى عبد النبي سليمان، وفاز بها الشيخ علي الجداوي بأغلبية ستة أضعاف ما ناله كل واحد من زميليه، ثم يتساءل التقرير: ما هو الضرر في اختيار الجمعية لذلك النائب.