الشَعبوية وصناعة الدكتاتور
عبد الناصر نموذجاً
(الشَعبوية) أحد تلك الأمراض التي شلَّت حركة المجتمع المصري، في سبيل نهضته والقيام من كبوته لعقود طويلة، فعن طريقها تحكَّم الحاكم المستبد في الشعب المصري، فخدَّره بأكاذيب وأوهام، من خلال خطاب (شَعبوي) يستثير العاطفة ويخاطب الغريزة، فتحولت الجماهير بهذا الخطاب إلى (قطيع) يأتمر بأمر الحاكم ويتحرك لأجله! وكأنهم في حالة (تنويم مغناطيسي) يسلب منه العقل والإرادة! فتأسست في العالم العربي دكتاتوريات، تتحدث باسم الشعب، وتعمل لغير صالحه!
وقد تسبَّب شيوع ذلك الخطاب في تدشين تيار داخل المجتمع المصري، يتبنى ثقافة (القطيع) ويدافع عنها! وعنه تكوَّنت نخبة الحكم في مصر (باستثناء مرسي)، مما مما ورط مصر والأمة العربية، في كوارث لا زالت الأمة تدفع أثمانها حتى الآن.
وعلى النقيض من ذلك الخطاب (الشَعبوي) المضلِّل، كان خطاب جماعة الإخوان المسلمين، الذي تعامل مع الشعب المصري على أنه مصدر السلطة وصاحب القرار وسيد البلاد، فتوفَّر للشعب المصري بهذا الخطاب، الفكرة الملهمة والقيادة الواعية..
فما هى طبيعة الخطاب الشَعبوي؟ وما آثاره ومآلاته؟ وكيف تجلَّت مظاهره في المجتمع المصري، سواء على مستوى الحكام أو على مستوى النخبة والأفراد؟
الشَعبوية.. معناها وطبيعتها
الشَعبية والشُعوبية والشَعبوية، ثلاثة مصطلحات تشابهت حروفها وتباينت معانيها.
فالثقافة الشعبية هى المعبر عن ثقافة عموم الناس وفنونهم وآدابهم وأساطيرهم، وهي في التراث العربي تأتي على نقيض "الثقافة الرسمية" التي تتحدث بلغة فصحى، وتتناول موضوعات جادة حسب معايير فنية محددة وصارمة.
أما "الشُعوبية" فهي حركة أدبية اجتماعية قومية؛ ظهرت في نهاية العصر الأموي واشتد عودها مع بداية العصر العباسي، تقوم على رفض تفوق العنصر العربي على العناصر الأخرى المكونة للحضارة الإسلامية آنذاك، وقد قاد الفرس هذه الحركة محاولين إظهار تفوقهم على العرب.
أما "الشَعبوية" فقد ظهرت مع اندثار الشُّعوبية، وبقاء الثقافة الشَعبية حاملاً لإرث الناس وحكاياتهم، ظهرت كوباء يهدد المدنية الحديثة ويشي بتقويض أركانها ومكتسباتها، فبعد أن كانت عند نشأتها في القرن السابع عشر، مناصرة لقطاعات الشعب العاملة (من مزارعين وعمال) ضد سطوة الإقطاع في روسيا القيصرية، وضد استغلال شركات السكك الحديدية والبنوك في الولايات المتحدة، تحوَّلت تحولاً كبيراً مع بدايات القرن العشرين، لتكون عوناً للمستبدين من الحكام، من خلال زعمهم امتلاك الحقيقة وتقويض كل الحريات باسم "الشعب"! [١]
والخطاب الشَعبوي، هو خطاب الشعارات الرنَّانة والعواطف الملتهبة، الباعثة على التحريض والتهييج، وهو الخطاب المفضل لدى المستبدين، فبه يتلاعبون بالجماهير، من خلال مخاطبة عواطفهم وغرائزهم، وينتعش هذا اللون من الخطاب حين يكون هناك فراغ سياسي، فيغيب عن الجماهير ساستها وقادتها وحكماؤها، فتتحرك بلا عقل كما (القطيع)، بحسب تعبير جوستاف لوبون في كتابه «سيكولوجية الجماهير» الصادر عام 1895.
فهذا الخطاب تعبير عن (مرحلة فراغ وتيه اجتماعي، ينتج عنها بروز قيادة سياسية تتجاوز قواعد الديمقراطية والمؤسسات، وتعمل على تجريف السياسة كمفهوم وممارسة. وعندما تصاب المجتمعات بالمرض تعتلُّ السياسة والسياسيون) [٢]
وعندما ينجح المستبد في السيطرة على الجماهير، (يرى نفسه يساريا فوق اليسار، ومتدينا فوق الإسلاميين وأكثر وطنية من القوميين. إن هزائم وانتكاسات الزعيم الشعبوي في نظره نجاح تام، مادام باقيا في الحكم، ولم تتمكن التحولات والحروب من إزاحته عن كرسيه. والأخطر في شخصية الزعيم الشعبوي هو أنه يُعدي الناس، فيصبحون يفسرون الأمور على طريقته وأسلوبه) [٣]
ودائماً يفضل النرجسي المستبد مخاطبة العواطف والغرائز، مخاطبة العقل والمنطق، (ولهذا يعمد الشَعبويون من اليمين واليسار إلى الخطابة المطولة لدغدغة وتهييج مشاعر الجماهير) [٤])
فالزعيم الكوبي الراحل فيدل كاسترو، كان شعبويا من الطراز الأول، وكان لديه ما يقوله على الدوام خلال المخاطبات الجماهيرية، خاصة ما يتعلق بمعاداة الولايات المتحدة لبلاده، ولكنه كان يغمر إخفاقات حكومته بمعسول الكلام عن "غد أخضر"، والماركسيون يهدئون خواطر من يحاولون استمالتهم لفكرهم بمقولة إن النظرية رمادية والمستقبل أخضر؛ وعندما (خاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1960 ظل كاسترو يتجاهل النداءات بانقضاء المدة الزمنية المخصصة له ولم يسكت إلا بعد أربع ساعات و29 دقيقة) [٥]
أمَّا القذافي فكان له مسلك آخر في خطابه الشعبوي، فقد رأى أن الخطب الجماهيرية وحدها لا تكفي، فصار يقدم برنامجا تلفزيونيا مفتوح الأمد، يخوض فيه في كل شيء مستعينا بالسبورة والطباشير!
وفي التاريخ العربي المعاصر كان جمال عبد الناصر هو من ابتدع الخطب الجماهيرية الطويلة، وبما يملكه من طاقة كاريزمية هائلة كان قادرا على تصوير الواقع على غير حقيقته، من خلال اللعب بعواطف المستمعين بخطابات حماسية، لكنها خالية من المضمون، في جو من التضليل وأُحادية الخطاب واحتكاره، فيتحدث عن حرب 1956 كأحد إنجازاته! وأنها كانت (إفشال للغزو الفرنسي البريطاني الإسرائيلي)! برغم أن التدخل الأمريكي هو من أوقف الحرب!
عبد الناصر ونخبته.. مثالاً
الخطوة الأولى التي خطاها عبد الناصر بعد انقلاب يوليو 1952، هى إيجاد حالة من (الفراغ السياسي) في البلاد، فقام بتصفية الحياة السياسية بالكامل، أحزاباً وجمعيات وصحافة وإعلام، وفي تلك الحالة من الفراغ السياسي، ترعرع الخطاب الشعبوي، الذي يهدف إلى حشد الشعب في كتلة واحدة تسير خلف الزعيم، في زحف مقدس لأجل تحقيق أهداف الثورة! فشاعت في تلك الفترة المشاهد الإحتفالية والكرنفالات والمهرجانات الخطابية، وفي تلك الحالة تم صُنع (زعيم الفراغ السياسي)، البطل الذي تنتظر الجماهير خطاباته، بصفته ممثلاً للشعب لا وكيلاً عنه! فقام بإصدار دساتير 1958 و1964 من غير حاجة حتى إلى استفتاء شكلي! وأصدر الميثاق الذي مَثَّل الوثيقة الفكرية والسياسية الأهم في الحقبة الناصرية كلها بعد دعوة منه وبتعيين أعضاء المؤتمر كافة دون أي انتخابات في عام 1965! هنا سقطت إرادة الشعب لصالح (الزعيم الصنم)، لتبدأ مرحلة (الشعب القطيع)..
فــ (الشعبوية ضد الديمقراطية، وهي صنو التسلط، بتلاعبها بمسألة الشعب التي تفترض الوصاية عليه، ومصادرة حرية أفراده، بدعوى حماية الوطن من الأعداء والعزة القومية) (6)
وخلال فترة حكم عبد الناصر، والتي امتدت لثمانية عشر عاماً، منذ انقلاب 1952 وحتى وفاته عام 1970، بدا عبد الناصر مسكونا بنقل ثورته إلى الخارج أكثر من اهتمامه ببناء الدولة وتنمية الإقتصاد، ولم تكن القرارت (الثورية) الخاصة بمجانية التعليم وتوزيع الأراضي على الفلاحين، لم يكن لها هدف سوى تحجيم الطبقة المتوسطة التي هيمنت سابقاً على الحياة السياسية، وتوسيع قاعدته الشعبية، وتوطيد حكم المؤسسة العسكرية، وتمكين الجيش على حساب الشعب!
وامتدت (عدوى) هذه الثقافة الشعبوية التي تقوم على مخاطبة الغرائز واستثارتها، إلى أهل الفكر والرأى والقلم! فكاتب مثل أحمد بهاء الدين يكتب عن قائد هُزم في كل معاركه، ممجِّداً فيه ومعظِّما لدوره وأثره! فكتب في يناير 1970 مقالا بعنوان (ماذا كان عبدالناصر.. وماذا سنكون؟!) جاء فيه: (من النادر جداً فى عالم السياسة أن يحدث مثل هذا التركيز المطلق على شخص قائد، كالتركيز الذى هو حادث اليوم على شخص عبدالناصر.. الشرق الأوسط، منطقة هامة وحساسة لا يمكن أن تغفلها أى قوة كبرى من حسابها. وكل قوة من القوى تحمل فى مخيلتها "خريطة" تتمناها لهذا الشرق الأوسط، وتعمل على تحقيقها.
وعبدالناصر، يقف كحجر العثرة فى طريق كل من يرسم خريطة من هذا النوع للمنطقة هكذا كان منذ سبعة عشر عاماً، ولا يزال.. القوى الدولية المتصارعة والكتل السياسية هنا وهناك..
فرنسا يوماً وانجلترا يوماً آخر وأمريكا يوماً ثالثاً وإسرائيل كل يوم
ومتعلقة كل يوم بذراع من يرسم خريطة للمنطقة تناسب هواه وهواها..
والمشكلة هى زعامة عبدالناصر)، ثم يتحدث عن دور عبد الناصر فيقول: (وجود عبدالناصر يجعل اللعبة كلها مربوطة به ويحجر بالتالى على حرية الذين يريدون أن يلعبوا فى المنطقة. والقوى الكثيرة التى تريد أن تتخلص منه تريد أن تسترد حرية اللعب وأن تضع كل منها قواعد اللعبة التى تناسبها وهى حرية لا يتمتعون بها فى وجود قيادة عبدالناصر وماتمثله لدى الجماهير العربية.
قيادة عبدالناصر تعترض طريق الجميع، جميع الغرباء عن المنطقة.
وقيادة عبدالناصر تحمى الجميع، الذين هم من المنطقة)! (7)
كتب أحمد بهاء الدين هذا المقال في يناير 1970 أثناء حياة عبد الناصر، ثم أعاد نشره في أكتوبر من نفس العام وفي نفس المجلة بعد وفاة عبد الناصر!
عندما تقرأ مثل هذا الكلام، تتسائل: ألم يطِّلع كاتب مثل أحمد بهاء الدين على سجل خزايا ذلك العهد الناصري؟! خاصة أنه كان معاصراً له؟ خاصة بعد أن كتب رفقاء عبد الناصر في مذكراتهم عن فترة عبد الناصر ما كتبوا!
الإجابة: نعم قرأ، لكنها عدوى الثقافة الشَعبوية التي أشاعها وبثَّها الزعيم..
ما فعلته (الشَعبوية) في الدولة والمجتمع؟
أحد أخطر آثار شيوع الخطاب الشعبوي، هو التقديرات الجزافية بناء على أحلام وأمنيات، والتي سرعان ما تنهار مع أول مواجهة مع تحديات الواقع الداخلية والخارجية، وهذا ما حدث مع كل تجربة تبنت الخطاب الشعبوي، فيفيق الناس على كارثة كبيرة تستنزف حياة أبنائه ومقدراتهم!
- قرار حرب اليمن
فعبد الناصر أعلن أنه سيدخل حرب اليمن مسانداً للحرية.. ثم أتضح بعد ذلك أنه أرسل قواتنا إلى اليمن لكي يعاقب رؤساء عربا تجرءوا على نقده .. واقرأ خطب الريس عبد الناصر خلال سنتي 1962 و1963 لتري ذلك بكل وضوح.. واقرأ مقال الأستاذ محمد حسنين هيكل في الأهرام بتاريخ 30 فبراير 1962 تحت عنوان: وداعا يا صاحب الجلالة . ثم اسأل نفسك: وهل كان شعب مصر يريد العدوان على أى جار عربي حتي نجرد الحملات العسكرية لقلب الأوضاع في الجزيرة العربية؟... وهل كان شعب مصر يريد إنهاء مرحلة التضامن العربي والدخول في حرب أهلية داخل الوطن العربي نفسه؟ إن هذا بالضبط هو ما قرره الميثاق بإملاء من عبد الناصر.. فقد جاء في الفصل التاسع منه.. إن الاستعمار اتحد مع الرجعية العربية وأصبح من المحتم ضربهما معا..
فهل كان من صالح شعب مصر أن تُسخَّر قواته وموارده لخدمة طموح رجل واحد أو خدمة عواطفه والانتقام من خصوم شخصيين له في العالم العربي؟ ثم ألم يكن في البلد برلمان يُستشار؟ هل مصر كلها عبد الناصر وعبد الحكيم عامر؟ وهل كان من اللائق أن يقال أن مصر تدخلت في اليمن لنقل الشعب اليمني إلى الحضارة؟( خطاب عبد الناصر في عيد العمال في 1/5/64) وهل كان شعب مصر يتمتع إذ ذاك بالحرية والعدل حتي يذهب شعب مصر برسالة إلهية إلى اليمن لنشر العدل والحرية فيه؟ ( خطاب عبد الناصر في استقبال القوات العائدة من اليمن في 30/ 5/ 1963)، أم أن الحقيقة أن عبد الناصر وعامر أحسا بعد الانفصال عن سوريا بأن مركزهما قد اختل في العالم العربي فسعيا إلى الدخول في مغامرة جديدة على حسابنا وعلى حساب قواتنا؟ عندك فصل كامل عن هذا الموضوع في كتاب أحمد يوسف عن " الدور المصري في حرب اليمن" ص 42 وما يليها فاقرأ لتعرف المزيد.. (8)
- الوضع الإقتصادي للدولة
ألم نكن يوما من الأيام ملوك القطن؟ ألم يكن قطننا ذهبا تتزاحم الدنيا على شرائه؟
ألم تكن مصر أكبر مركز لصناعة الكتاب العربي؟ ألم يكن الناشرون الطيبون في حي الأزهر يصدرون من المصاحف ما قيمته إذ ذاك خمسة ملايين من الجنيهات في العالم؟ ألم نكن نطبع الكتب الأندونيسية والملاوية والأوروبية ونحتكر صناعتها في العالم؟ فكيف خبنا اليوم وأصبحنا عاجزين حتي عن طبع الكتاب العربي؟ ألم يكن بلد مصري واحد هو دمياط يصنع الأثاث لنصف العالم العربي؟ ألم يكن تجار الموبيليا في دمياط يعاملون الدنيا كلها ويبيعون بالملايين من مصانع صغيرة؟ أين ذهب ذلك كله؟ وهل كان عمال المطابع في مصر إذ ذاك يموتون من الجوع؟ وهل كان صناع الأثاث في دمياط لا يجدون ما يطعمون به أولادهم؟ عندكم شيوخ العمال فاسألوهم.. كانوا سادة عظاما وأسطوات ومعلمين ملء الخدوم.. وهؤلاء المعلمون أرسلوا أولادهم إلى المدارس الابتدائية والثانوية والجامعة ودفعوا لهم المصاريف من كسب يدهم لا من إحسان أصحاب المصانع.. لقد كانوا سادة بعملهم وصدقهم وإخلاصهم.. وأولادهم اليوم أطباء ومهندسون وحرفيون تفخر بهم مصر.. وكان الوالد يحتفظ بولد واثنين للصنعة الشريفة، وفي ذلك العصر عرفت مصر الرخاء والاستقرار وعزة العمل والعمال، ومأساة العصرين الناصري والساداتي هي قلة الصدق مع الله ومع النفس ومع الناس فكل شئ يتم وكأنا في مسرحية وكل الذين أمامنا ممثلون.. ممثلون غير مجيدين.. ولكنهم ممثلون .. (9)
عبد الناصر وتدجين المصريين
حدثت نُسخة مُصغَّرة من مظاهرات التنحي قبل انتهاء موعد الاستفتاء على ترشيح عبد الناصر للرئاسة مرة أخرى. فحين أعلن عبد الناصر عن رغبته في التفرُّغ لإدارة الاتحاد الاشتراكي، وتحت تأثير حملة دعائية ضخمة وتعبئة من الاتحاد الاشتراكي، والنقابات المهنية والعمالية والجمعيات الزراعية، خرجت تظاهرات حاصرت مجلس الأمة وطالبته بترشيح عبد الناصر لرئاسة الجمهورية. وقد كانت المظاهرات في مضمونها تعبيرا عن فراغ مؤسسي وسياسي ضخم ملأته زعامة عبد الناصر وحدها، وهو ما وصفة الصحفي "إحسان عبد القدوس" بدقة بليغة بقوله: "جمال عبد الناصر يُمثِّل حقيقة هذه الجموع، إننا عندما نجلس أحدنا إلى الآخر نحس بأنفسنا كأفراد، وعندما نلتف حول عبد الناصر نحس بأنفسنا كشعب" (10)
لماذا تخرج التظاهرات الشعبية يوم (التاسع والعاشر من يونيو 1967)، كي ترفض تنحي قائد عسكري مهزوم تسبَّب بوضوح -وباعترافه الصريح- في أكبر هزيمة عسكرية شهدتها البلاد منذ معركة التل الكبير قبل نحو قرن؟
الإجابة على هذا السؤال، توضح لنا أثر الخطاب الشعبوي في تعبئة الرأى العام مع أو ضد، خاصة في ظل الغلق التام لوسائل التعبير عن الرأى وحرية إبداء الرأى
لكن نقطة ضعف فكرة (الفراغ السياسي) التي يصنعها الزعيم المستبد، أنه مع أول ظهور لفكر سياسي حقيقي، أو مع أول صدام بالواقع، يحدث انهيار لتلك الزعامة، وهو ما حداث عقب هزيمة يونيو 1967، فبرغم خروج الجماهير يوم التاسع والعاشر من يونيو 1967، إلا أنه بعدها بأشهر أفاقت الجماهير على وقع الكارثة بمناسبة مهزلة محاكمة الطياريين الذين جعل منهم عبد الناصر كبش فداء! لإخفاقه وفشله.. وبعدها تبخَّرت تنظيمات عبد الناصر وشعبية عبد الناصر!
ومع موت عبد الناصر وحكم السادات، خرج الإخوان المسلمون من السجون بعد نحو عقدين من الزمان، لكن بخطاب مختلف عن (شَعبوية) عبد الناصر والسادات، لتبدأ رحلة الصعود لوطنية جديدة لا تستبعد الإسلام من هويتها وشرعيتها..
الاخوان المسلمون ونقيض الشعبوية
حمل الإسلاميون حملة شديدة على الإستبداد ومرتكزاته وأساليبه، ومنها ذلك الخطاب الشعبوي، الذي إختزل الشعب والدولة ومؤسساتها في شخص الحاكم!
فقد اعتبر الشيخ محمد الغزالي أن الإستبداد أحد ألوان (الوثنية السياسية)، وقرر أن (جماهير العرب عطشى إلى الحرية والكرامة، ولقد بُذلت جهود هائلة لمنعها من الحق والجد، وتعويدها عبادة اللذة إلى جانب عبادة الفرد) ثم يقول: (كنت أردد بإعجاب صيحات الرجال الكبار وهم يهدمون الوثنية السياسية ويلطمون قادتها ولو كانوا في أعلى المواضع) (11)
ويؤكد ذات المعنى، المفكر البوسنوي علي عزت بيجوفيتش الذي يمثل مدرسة الاعتدال في البلقان، حيث احتلت قضية الحرية عنده مكانا محوريا في مشروعه الفكري، فاعتبرها أساس الأخلاق وشرط الإيمان وجوهر الإنسانية، وكان من تأكيده على الحرية، أنه رأى أن الدكتاتورية غير أخلاقية، حتى عندما تمنع الحرام، والديمقراطية أخلاقية حتى عندما تسمح به، ومن كتبه الفريدة في هذا الجانب كتاب "هروبي إلى الحرية"، وهو مفعم بالتحريض على المطالبة بالحرية باعتبارها أساس كل فضيلة، فـ "الحرية تؤكد ذاتها بذاتها" (12)
وكان هناك إدراك من مفكري مدرسة الاعتدال (الإسلامية)، أن الحرية ليست مرادفة لنتيجة التصويت في الانتخابات، وإلا وقع الحق والشرع تحت سلطة الجماهير وعقلها الجمعي، ولكن الشرع فتح آفاق الحرية واسعة في مجالاتها المحددة لها، فمثلا لاعب الكرة أثناء المباراة يستطيع أن يصيب بالكرة أبعد رأس في المتفرجين دون أن يحرز الهدف في شباك الفريق المنافس، ورغم هذه الحرية والمهارة إلا أن الجميع لا يعترف به لاعبا محترفا، بل قد يمنع من اللعب مرة ثانية، لأنه أساء الحرية الممنوحة له في غير مقصدها، فالحرية ليست أن تفعل ما تشاء، ولكن ألا يوجد قيد يقمع إرادتك الحرة، ولذا فإن مدرسة الاعتدال حذرت من عمليات تضليل الحرية بشراء الأصوات، وشراء الناس كما يجري في التلاعب بالأصوات للانقضاض عليها، كما يقول الشيخ محمد الغزالي. (13)
وما ذهب إليه الشيخ محمد الغزالي والمفكر البوسنوي علي عزت بيجوفيتش، لم يكن إلاَّ تعبيراً عن الخط الأصيل للفكر الإسلامي، الذي إستندت إليه الحركة الإسلامية حين انطلاقتها على يد حسن البنا في أوائل القرن العشرين، وهو خط يناقض بالكلية الخط العام للنظام العربي الرسمي، الذي تشكَّل بعد الحرب العالمية الثانية، والذي قام على الثقافة (الشَعبوية)، التي روجتها أنظمة الإستبداد العربي.
فتحولت الجماهير التى هى (قطيع) في وجهة نظر الثقافة (الشَعبوية)، إلى جماهير صانعة للتغيير وقائدة له، في وجهة نظر الحركية الإسلامية على يد الإخوان المسلمين.
فالحشود ليست شرأٌ كلها، إلا إذا غابت عنها الفكرة الملهمة والقيادة البصيرة الواعية، حينذاك ينطبق عليها ما سبق أن قاله الموسوعي الفرنسي جوستاف لوبون، بأنها (الإنسان بمحض مشاركته في حشد منظم، يتدنى درجات عدة على سلم الحضارة، فهو في عزلته قد يكون فردا متحضراً لكنه في الحشد يكون همجياً) (14)
فلم يقتصر الإخوان المسلمون في خطابهم على مجرد الشعارات ومعسول الكلام في تحقيق أهدافهم، بل سلكوا طريقاً عملياً واضحاً.
وهذا يبين خطأ البعض حين اتهموا الإخوان بتبني الخطاب الشعبوي! فقالوا: (قد يكون فكر الشهيد سيد قطب رحمه الله بما ملكه من سحر البيان الأدبي والكاريزما الشخصية والتضحية في سبيل ما نظَّر له، وتقديم النظرية الفكرية للنهوض وفقا لتصوره في إعادة المجد للأمة من خلال إعادة تكرار النموذج الأول للدولة الإسلامية الأولى، ووصفه بأن كل المجتمعات مجتمعات جاهلية، وأن المهمة التي يدعو لها هي تكوين النواة الأولى، شبيها بما قام به الرسول الكريم ومن ثم الدعوة للمجتمع للإسلام. فهي الفكرة والنظرية التي أسست للخطاب الشعبوي داخل أوساط الحركة الإسلامية) (15)
ربما صحَّ هذا في بعض فصائل التيار الإسلامي، ممن لم يكن لهم سابق خبرة ودراية بممارسة العمل السياسي من قبل، لكن يظل الخطاب الإسلامي في الأغلب الأعم، وخاصة الذي تبناه الإخوان المسلمون، أقرب إلى العملية منه إلى الشَعبوية التي شاعت في الفترة الناصرية وما بعدها..
فالحشود الواعية بإمكانها أن تغير مجرى التاريخ، إذا امتلكت الوعى والقيادة، وهذا هو الفارق بين خطاب المستبد وخطاب المصلح، بين خطاب عبد الناصر ومَن سلك مسلكه، وبين خطاب جماعة الإخوان المسلمين ومَن سار على هديهم.
فالجماهير التي خرجت نُصرة لعبد الناصر يومي التاسع والعاشر من شهر يونيو 1967، لتنادي به رئيساً بعد أن جلب عليهم الهزيمة! لم تكن نفسها الجماهير التي حشدها الاخوان المسلمون لأجل دفع بلاء الكوليرا عن المصريين عام 1947، ولأجل إسقاط الدكتاتورية في انتفاضات الربيع العربي مطلع العشرية الأولي من القرن الحالي..
الفرق.. أن عبد الناصر حشدهم بعد أن حولهم إلى قطيع، وكذلك يفعل كل دكتاتور فاسد مستبد، بينما الاخوان المسلمون أعطوا للجماهير وعياً وعقلاً، ثم أخرجوا من بينهم قيادة واعية أمينة قوية، تصنع بهم التغيير وتقوده.
فوصف أى تجمع منظم بأنه (قطيع) يسلب الإرادة ويُنتج العنف! خدم الحكام المستبدين أكثر مما خدم الحقيقة! وهذا من إحدى خطايا كتاب (سيكولوجية الجماهير) لجوستاف لوبون، والذي ذاع صيته في نهايات القرن التاسع عشر.
فصار الصراع بين المستبد وبين المصلحين حول هذه الحشود، فالمصلح يريد للجماهير الوعى والقيادة، بينما المستبد يريدها قطيعاً بلا عقل أو قيادة..