الصامد الأعظم ..
بقلم : عمرو الشيخ
إهداء إلى الصامدين خلف الأسوار
بسم الله الرحمن الرحيم
أنى للقلم أن يحيط بفيض لا ينتهي مدده..
وأني للقول أن يلم بمدى لا يدرك أمده..
وأنَّي للعقول أن تتطاول إلى إدراكِ معنى جعله الله أسمى من متناول العقول والأفهام..
بهذه الكلمات التى بدأ بها الإمام البنا ذات يوم حديثه عن النبي الأعظم نبدأ
ومن جوانب عظمته التى يعجز عقلي عن الإحاطة بها
نقتبس صورة من هذه الصور الباهرة المضيئة المشرقة
ونهديها لكل الصامدين فى وجه الطغيان
الثابتين على طريق الحق والخير والإيمان
لم تفت المعتقلات فى عضدهم
ولم تؤثر فيهم مصادرة أموالهم وممتلكاتهم
إلى المقتدين بالصامد الأعظم على طريق الدعوة
نقدم لهم صورة من صور صموده صلى الله عليه وسلم
علها تكون بلسما شافيا
ونسمة حانية فى هجير الحياة
فإلى هذه الصورة
طودا لا يتزعزع ..
شامخا لا يتزلزل ..
لا ترهبه الأزمات ..
ولا تهزه الحوادث والملمات
إنسان نذر حياته لدعوة، ليس له فيهاأى مغنم شخصي من ثراء، أو منصب، أو جاه، أو نفوذ ..
حتى الخلود التاريخي لشخصه لم يكن فى حسابه، لأنه لا يؤمن إلا بخلود عند الله .
ها هو ذا محمد، قبل رسالته .
وهاهو ذا، بعد رسالته ..
هاهو ذا، والمهد يستقبله ..
ثم هاهو ذا، وفراش الموت يدثره ..
هل ترى العين فى طول حياته وعرضها من تفاوت ..؟
هكذا يتسائل فى تعجب الكاتب الراحل خالد محمد خالد-رحمه الله -
أبدا ..
- والآن، لنقف قليلا على مقربة من السنين الأولى لرسالته ..
•فتلك سنوات قلما نجد لها فى تاريخ الثبات والصدق والعظمة نظيرا..!!
•وتلك السنوات كشفت أكثر من سواها عن كل مزايا معلم البشرية وهاديها ..!!
•وتلك السنوات، كانت فاتحة الكتاب الحي ..كتاب حياته وبطولاته .. بل كانت قبل سواها وأكثر من سواها مهد معجزاته ..!!
- هناك عبر تلك السنوات،
ورسول الله وحيد أعزل،قد غادر كل ما كان فيه من راحة وأمن واستقرار .. وخرج للناس بما لا يألفون، بل قولوا بما يكرهون .
لقد خرج عليهم يوجه كلماته إلى عقولهم .. وما أشق مهمة من يوجه خطابه إلى عقول الجماهير بدلا من عواطفها ..
ومحمد رسول الله، لم يفعل هذا فحسب .. فقد تهون عقبى توجيه الخطاب إلى العقول إذا كنت تقف مع الناس داخل دائرة العرف المشترك والأمل المشترك .
أما حين تناديهم من مستقبل بعيد، تبصره ولا يبصرونه .. وتعيش فيه ولا يدركونه ..
اجل .. حين تخاطب عقولهم وتنهض لتهدم أسس حياتهم من قواعدها مخلصا أمينا، لا يحفزك غرض، ولا مجد، ولا هوى، فهنا المخاطرة التى لا يقدر عليها إلا أولو العزم من الأبرار والمرسلين ..!
ولقد كان الرسول بطل هذا الموقف، وأستاذه العظيم .
لقد كانت عبادة الأصنام هي العبادة .. وشعائرها هي الدين ..
ولم يلجا الرسول للمناورة – أية مناورة -..
إن وعورة الطريق، وفداحة العبء، كانا يشفعان له لو انه استعمل ذكاءه النادر فى تهيئة الأنفس قبل أن يفاجئها بكلمة التوحيد ...كان فى وسعه .
وكان من حقه، أن يمهد لعزل المجتمع عن آلهته التى يتوارث عبادتها عبر مئات السنين، فيبدأ بحركة تطويق والتفاف، بعيدة قدر المستطاع عن تلك المواجهة الصاعقة التى يعلم أنها ستحرك ضده من أول لحظة كل أحقاد قومه، وستشحذ ضده من أول لحظة كل ما معهم من سلاح ..
ولكنه لم يفعل .. وهذه آية أنه رسول، سمع صوت السماء داخل قلبه يقول له قم، فقام .. وبلغ، فبلغ .. فى غير مداجاة وفى غير هروب ....!!!
لقد واجههم من اللحظة الأولى بجوهر الرسالة ولباب القضية :
((يا أيها الناس، إنى رسول الله إليكم، لتعبدوه، ولا تشركوا به شيئا )).
((إن هذه الأصنام لغو باطل، لا تملك لكم ضرا ولا نفعا )).
من اللحظة الأولى، واجههم بهذه الكلمات المبينة، المسفرة، ومن اللحظة الأولى، واجه المعركة القاسية التى سيكتب عليه أن يخوضها حتى يغادر الحياة ...!!!
أي ضمير حي، لا يحركه هذا المشهد الفذ الفريد ....؟؟
يصف لنا بقلمه الرشيق الكاتب الراحل خالد محمد خالد رحمه الله هذا المشهد فيقول :
مشهد رجل لم يعرفه الناس إلا كامل العقل، كامل الخلق،
يقف وحيدا، يواجه قومه بدعوة تتصدع من هول وقعها الجبال .. وتخرج الكلمات من فؤاده وفمه صادعة رائعة .كأنما احتشدت فيها كل قوى المستقبل ومشيئته وتصميمه ..كأنها قدر يذيع بيانه ..!!
لكن، ربما تكون هذه ومضة روح خيرة، وبعد حين يعود محمد إلى نفسه، يعبد ربه كما يشاء، تاركا آلهة قومه فى مثواها، وتاركا دين قومه لسبيله ..
لوأن هذه الخاطرة حومت حول بعض الأذهان آنئذ، فإن محمد عليه الصلاة والسلام سرعان ما يبددها ... فقد أوضح للناس تماما انه رسول عليه البلاغ ...
وأنه لا يملك أن يسكت ولا أن ينطوي على نفسه بما اهتدت إليه من حق ونور .
بل إن كل قوى العالم والطبيعة، لن تقدر على إسكاته وصده، لان الله هو الذي ينطقه، ويحركه، ويقود خطاه ....
وجاء رد قريش سريعا، كاللهب تطوح به ريح عاتية ....!!!
وبدأت المنغصات تنهال على نفس، لم تألف طوال حياتها سوى الإجلال الذي ليس بعده إجلال ...
وبدأ الرسول الرجل يلقن أول دروسه فى أستاذية خارقة، وتفان عجيب ..
وكانت صورة المشهد تملأ الزمان والمكان، بل والتاريخ ..
وذوو الضمائر الحية فى مكة يطربون، ويعجبون، ويقتربون ...
رأوا رجلا شاهقا عليا ..
لا يدرون :
هل استطال رأسه إلى السماء فلامسها ... أم اقتربت السماء من رأسه فتوجته ..؟!
رأوا تفانيا، وصمودا، وعظمة ..
وكان أنضر ما رأوا، وأروع ما بصروا به،ذلك اليوم الذي ذهب فيه أشراف قريش إلى أبى طالب قائلين له :
(( يا أبا طالب .. إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك، فلم تنهه عنا ..
وإنا- والله – لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك فى ذلك، حتى يهلك احد الفريقين ))..
ويبعث أبو طالب إلى ابن أخيه ويقول له :
(( يا ابن آخى قد جاءوني، وكلموني فى أمرك، فأبق على وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق ))..
ماذا يكون موقف الرسول اليوم ..؟؟
إن الرجل الوحيد الذي كان يقف إلى جانبه، ويبدو وكأنه سيتخلى عنه ..
أو يبدو، وكأنه غير مستعد ولا قادر على مواجهة قريش التى شحذت كل أنيابها ..
لم يتردد الرسول – عليه الصلاة والسلام – فى الجواب، ولم يتلعثم عزمه ..
لا ..
ولم يبحث عن الكلمات التى يثبت بها يقينه ...
لقد كان يقينه هناك ناهضا فوق منصة الأستاذية، يلقى على البشرية كلها أبلغ الدروس، ويلقنها أمضى مبادئها .
وهكذا تحدث، فلا ندرى ..
أإنسان يتكلم ..؟ أم الوجود كله يعزف نشيدا ..؟!
ووقفت الدنيا مشدودة السمع لما تفتر عنه شفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وأصاخ الكون وأنصت التاريخ للكلمة التي يتوقف عليها مصير السعادة البشرية والحضارة الإنسانية .
ففي تصميم يفل الحديد .. وعزيمة لا تعرف الهزيمة .. وتحد يقهر الخصوم اللٌد .. وإصرار يقتحم البحر بجزره والمد .. قال كلمة صريحة لا يقبل معناها التأويل ..
(( ياعم ..والله، لو وضعوا الشمس فى يميني، والقمر فى يساري، على أن اترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو اهلك فيه، ما تركته ))..!!
يا لقوة الإيمان وجلال البطولة ..
رجل يظن أنه تخلى عنه ناصره الوحيد من أهله .. ثم يقف هذا الموقف العظيم .. إنه ثبات النبوة ..
وقف أبو طالب مأخوذا بما سمع ورأى .. وهو في قرارة نفسه يقول :
والله ما هذا إلا نبي كريم .. بلغ أسمى درجات الثقة بالله رب العالمين .. فلن ينكس على عقبيه لأنه يأوي إلى ركن شديد .. فما عليه وبين جنبيه دين .. لو أراد به صم الجبال لما قرت رواسيها ..
حينئذ استرد أبو طالب من فوره كل إقدامه وإقدام آبائه، وشد بكلتا يديه على يمين ابن أخيه قائلا له :
(( قل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشئ أبدا ))..
لم يكن محمد إذن يستمد من عمه – رغم اقتداره- الحماية والأمن،بل إن محمدا هو الذي كان يفيض على كل من حوله الحماية والأمن والثبات ..!
أي إنسان من الناس الشرفاء، يبصر مشهدا كهذا، ثم لم يطير قلبه صوب هذا الرسول حبا وتفانيا وإيمانا ..؟
إن ثباته على الحق وصموده مع الرسالة، وصبره على الهول في سبيل الله، لا في سبيل نفسه أو نفعه ...
لقد رآه الناس والأذى ينوشه من كل جانب، والعزاء الذي كان يجده فى عمه أبى طالب وفى زوجه خديجة تولى عنه، فقد ماتا فى أيام متقاربة .....
ومن أراد أن يتصور مبلغ الاضطهاد ومدى الحرب التى شنتها قريش على الرسول الأعزل، فحسبه أن يعلم أن أبا لهب نفسه، الذي كان ألد خصومه وأعدائه، ناء الضمير ذات يوم بما يرى، فأعلن انه يحمى الرسول ويجبره، ويقاوم كل عدوان ينزل به ..!! لكن الرسول رد على جواره، ولبث شامخا،ناهضا، متفانيا ..
لا احد يدفع عنه الأذى، لأنه لا احد يجد القدرة على أن يدفع عنه الأذى ..!!
حتى أبو بكر العظيم، لم يكن يملك إلا أن يبكى ..
ذهب الرسول يوما إلى الكعبة، وإذ هو يطوف بها وثب إليه أشراف قريش المتربصون به، أحاطوا به يقولون :
أنت الذي تقول فى آلهتنا كذا وكذا ...؟
فيجيبهم فى هدوء : نعم، أنا أقول ذلك ...!!
فيأخذون بمجمع ثوبه وأبو بكر يتوسل إليهم وهو يبكى ويقول :
(( أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله )) ...؟؟؟
- ومن رأى الرسول يوم الطائف، رأى من آيات صدقه وتفانيه ما هو به جدير، وله أهل ...
لقد يمم وجهه شطر ثقيف يدعوهم إلى الله الواحد القهار ..
ألا يكفيه ما يلقاه من عشيرته وأهله ..؟
وألا يحذره ذلك من أضعاف أضعاف هذا الأذى، حين يجيئه من قوم ليس بينه وبينهم رحم ولا قربى ..؟
لا .. إن العواقب لا تدخل فى حسابه بحال ..
لقد قال له ربه الأعلى :
(( عليك البلاغ ))..
وانه ليذكر يوم اشتدت عليه سفاهات قومه، فعاد إلى بيته وتدثر آسفا حزينا بفراشه فإذا صوت السماء يقرع فؤاده، وإذا الوحي يأتيه من فوره، ملقيا عليه الأمر الذي ألقاه عليه من قبل يوم الغار..
(( يا أيها المدثر . قم فانذر ))..
هو إذن مبلغ ونذير ..
وهو إذن رسول لا يبالى بالأذى، ولا يبحث عن الراحة، فليذهب إلى الطائف، ليبلغ أهله كلمة الله ..
وهناك أحاط به أشراف البلد، وكانوا اشد لؤما من زملائهم فى مكة، فقد أغروا به الأطفال والسفهاء، وتخلوا حتى عن أقدس خصال العربي، وهى إكرام الضيف وحماية المستجير
لقد أطلقوا سفهاءهم وغلمانهم وراء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقذفونه بالحجارة هذا الذي عرضت عليه قريش أن تجمع له من المال ما يجعله أغناها ومن الجاه ما يجعله زعيمها وملكها فرفض قائلا (إنما أنا عبد الله ورسوله) هاهو ذا فى الطائف وقد آوى إلى بستان يحتمي بحائطه من مطاردة السفهاء
يمناه مبسوطة إلى السماء يدعو بها ربه ويسراه تدفع عن وجهه الحجارة المقذوفة وهو يناجى خالقه ومولاه قائلا:
( إن لم يكن بك غضب على فلا أبالى ولكن عافيتك أوسع لى)
أجل إنه لرسول يعرف كيف يناجى ربه فى أدب عظيم فهو إذ يعلن أنه لا يبالى بالأذى فى سبيل الله يعلن أنه فى أشد الحاجة إلى العافية يمنحها الله..
إنه فى موقف كهذا لا يتبذخ باحتماله وشجاعته ولا يزهو فمثل هذا الزهو فى هذا الموقف قد يحمل معنى المن على الله وليس محمد من يخفى عليه ذلك ومن ثم فإن خير ما يعبر فى مثل هذا الموقف عن شجاعته واحتماله هو صوت ضراعته وابتهاله وهكذا مضى يقول معتذرا إلى ربه ومبتهلا
(اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا ارحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربى إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمنى ؟ أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب على فلا أبالى ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بى غضبك أو يحل على سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك)
- أي ولاء هذا الذي يحمله الرسول لدعوته..؟
فرد أعزل تواجهه المكائد أينما ولى وسار ليس هناك من أسباب الحياة الدنيا ما يشد أزره ثم هو يحمل كل هذا الإصرار وكل ذلك الصمود والولاء
لقد رآه الناس يعود من الطائف إلى مكة لا يائسا ولا مهزوما بل أكثر ما يكون أملا وبشرا وتفانيا
وإنه ليعرض نفسه على القبائل ذاهبا إليها فى أحياءها
ومواطنها فيوما عند قبيلة كندة ويوما عند بنى حنيفة ويوما عند بنى عامر يقول لهؤلاء جميعا (إنى رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا و أن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأوثان وعند منازل القبائل القريبة كان أبو لهب يتبعه قائلا للناس لا تصدقوه إنما يدعوكم إلى الضلال ...
ولقد رأى الناس رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) وهو فى موقف العسرة هذا يلتمس المؤمنين والنصراء فيلقاه الجحود والعداوة
- رأوه آن ذاك يرفض المساومة ويرفض أن يكون للإيمان ثمن من الدنيا حتى لو يكون هذا الثمن مجرد وعد منه بجاه أو سلطان
ففي تلك الأيام اللافحة عرض نفسه على قبيلة بنى عامر بن صعصعة وجلس يحدثهم عن الله ويتلو عليهم كلماته فسألوه:
(أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك )؟؟؟
فأجابهم عليه الصلاة والسلام قائلا :
(الأمر لله يضعه حيث يشاء)..
عندئذ انفضوا قائلين :
لا حاجة لنا بأمرك ...
وتركهم الرسول (صلى الله عليه وسلم )باحثا عن المؤمنين الذين لا يشترون بإيمانهم ثمنا قليلا
- ولقد رآه الناس وقد أمنت به قلة ومع هذا ومع قلة عددهم فقد كان يجد فيهم إيناسا وصحبة ..
بيد أن قريش قررت أن تتولى كل قبيلة تأديب المؤمنين بها و فجأة نزل العذاب كالعاصفة المجنونة بالمسلمين جميعا ولم يترك المشركين جريمة إلا اقترفوها وهنا تقع المفاجأة التى لم تكن فى الحسبان إن محمد يأمر جميع المسلمين بالهجرة إلى الحبشة وسيبقى هو وحده يواجه العدوان ...!!!
لماذا لا يهاجر ويبلغ كلمة الله فى مكان آخر فالله رب العالمين وليس رب قريش وحدها ..؟؟
أو لماذا لا يبقيهم إلى جواره فإن فى بقائهم نفعا مؤكدا فوجودهم فى مكة رغم قلة عددهم يغرى غيرهم بالدخول فى دين الله ثم إن من بينهم عددا غير قليل من أعلى أسر قريش و أكثرهم قوة وبأسا..
هناك هؤلاء وسواهم ممن لن تصبر عائلاتهم طويلا على اضطهادهم وإنزال الأذى بهم فلماذا لا يبقيهم الرسول (صلى الله عليه وسلم) بجانبه ليشدوا أزره وليكونوا مناط قوة ممكنة فى يده..؟
هنا تومض عظمة محمد رسول الله فهو لا يريد فتنة ولا يريد حربا أهلية ولو كان فيها احتمال نصره بل اليقين من نصره وهنا تتجلى إنسانيته ورحمته فهو لا يطيق أن يرى الناس يعذبون بسببه مع علمه وإيمانه بأن التضحية ضريبة كل جهاد نبيل ودعوة عظيمة فلتبذل التضحية حين لا يكون ثمة مفر من بذلها أما الآن وهناك إلى توقى العذاب سبيل فليذهب المؤمنين إلى هذا السبيل...
ولماذا لايذهب هو معهم ..؟
إنه لم يأمر بالرحيل إن مكانه هنا ...فى أرض الأصنام. وسيظل يهتف باسم الله الأحد وسيظل يتلقى العذاب والأذى دونما ضجر ولا جزع .. مادام هو الذي يؤذى وليس أولئك الضعفاء الذين ءامنوا به وأتبعوه بل ولا أولئك الأشراف الذين ءامنوا به واتبعوه كذلك .....
ومن كان يعرف من صُوَرِ الثبات، ونبل الفداء، ونظيراً لهذا، فليأتنا به....
إنه سمو لا يقدر عليه إلا أولو العزم من المرسلين، والمختارين....!!!
إن الإنسان والرسول، التقيا فى ((محمد)) لقاءً وثيقاً باهراً.
والذين استرابوا فى رسالته، لم يستريبوا فى عظمته ولا صفاء جوهره ونقاء إنسانيته....
وإن الله الذي يعلم أين يجعل رسالته، قد اختار لها إنساناً، يزكيه أقصى ما تطمع البشرية فى إدراكه من رفعة، وسمو، وأمانة وصمود وثبات على المبدأ وإيمان به حتى الممات
- إن الرجل الذي قال عنه كارلايل : " رجل واحد في مقابل جميع الرجال "، الذي استطاع بنصر الله له وبصدق عزيمته وبإخلاصه في دعوته أن يقف أمام الجميع ليدحض الباطل ويُظهر الحق حتى يحق الله الحق بكلماته ولو كره الكافرون .
إن هذا الرجل العظيم الذي استطاع أن يقف أمام العالم أجمع وأمام جهالات قريش وكفرها العنيد وأمام الأصنام وعبادة الكواكب وكل ما يعبد من دون الله وقف يدعو الله وحده لا شريك له ونبذ كل ما سواه، إنه بحق لجدير بكل تبجيل واحترام ليس فقط من أتباعه بل من كل من يفهموا سمات العبقرية وخصائصها .
إن الصفات التي تفردت في هذا الرسول العظيم لجديرة بأن يحصل على نوط الامتياز ويحظى بكل تقدير واحترام . إنه بحق الأعظم .
وإنني لأسأل كما فعل لامارتين : فهل بعد ذلك يوجد أي رجل أعظم منه ؟ " .
كلا، لا يوجد رجل أعظم منه فقد عاش حياته كلها في خدمة البشرية جمعاء وجاء بالدين الخاتم لجميع البشر
ولا أستطيع أخى الكريم أن أحصي جوانب العظمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى صموده وثباته فهو أعظم من أن يصفه إنسان أو يعبر عن عظمته قلم كما أسلفنا .
فهو بحق أجدر إنسان يستحق لقب الأعظم .
فقد وصفه كارلايل في كتاب الأبطال بأنه
" كان واحداً من هؤلاء الذين لا يستطيعون إلا أن يكونوا في جد دائماً .. هؤلاء الذين جبلت طبيعتهم على الإخلاص ..
فلم يقم هذا الرجل بإحاطة نفسه داخل إطار من الأقوال والصفات الطيبة ولكنه تفرد مع روحه ومع حقيقة الأشياء يستمد منها ما نطلق عليه الإخلاص .
شيء يملكه أسمى من طبيعة البشر فقد كانت رسالة هذا الرجل تنبعث من فطرة قلبه وروحه ولهذا يجب أن يستمع ويعمل الرجال وليس لأي شيء آخر فكل شيء غير ذلك إنما هو هباءً تذروه الرياح .. "
وما أروع أن نختم هذه الصورة الرائعة من صور صموده صلى الله عليه وسلم
ونحن نصغي فى خشوع للإمام البنا رحمه الله الذي كان صمود الرسول الكريم قدوة له ونبراسا وهو يهتف بنا :أيها المسلمون:
اذكروا عظمةَ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في يوم مولده وفي كل وقت واستمدوا من هذه الذكرى روح العظمة الصحيحة والعزة القويمة، واذكروا أنكم خير أمة توصفون، وإلى أفضل نبي تنتسبون فلا تستنيموا إلى مذلة ولا تركنوا إلى هوان، ودعوا هذه المنازل الصغيرة التي لا تدل على غير العبث والمجون واللهو والفضول والغفلة والصغار في يوم شرف العالم فيه بظهور أسمى رمز للعزة والفخار وبمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تعرض على استحياء لهذه الصورة الباهرة من الصمود
وأهداها للصامدين الثابتين على طريق الحق
د. عمرو الشيخ
المدير التنفيذي لمؤسسة نور للتنمية البشرية
المصدر
- مقال:الصامد الأعظم ..موقع:الشبكة الدعوية