العسكريون والسُّلْطة ثنائية نادرًا ما تنفصم!!(1)
بقلم : إسلام عبد التواب
تبدو العلاقة بين العسكريين والسُّلطة دائمًا – وخاصةً في العالم الثالث - وكأنها حالة زواجٍ لا تنفصم عُراه أبدًا؛ فالسلطة دائمًا تستهوي العسكريين، وهم حريصون عليها إلى أبعد حدٍّ، فإذا تولَّوها – بانقلابٍ بالطبع - فيا ويلَ الشعوب ثم يا ويلَها؛ فإنهم لا يتنازلون عنها أبدًا ما دام فيهم عِرْق ينبض، إلا أن يُجبَروا على ذلك بانقلابٍ آخر - في الأغلب - يزيد من معاناة الشعوب، أو بانتفاضةٍ شعبية – في النادر – تُعيد الجيش إلى ثُكناته ليؤدي الدور المنوط به في الأصل وهو أن يكون درعًا للأمة لا خنجرًا في خاصرتها، و ومن نافلة القول الحديث عن الويلات التي أصابت تلك الشعوب وأمثالها على أيدي أولئك العسكر وأعوانهم، والفساد الذي ضرب أطناب الدول التي بُلِيَت بحكمهم.
لأجل ذلك كان من النماذج النادرة التي تستحق التسجيل والتعليق ما حدث في السودان في إبريل عام 1985م؛ إذ قامت انتفاضة شعبية قادتها الأحزاب والنقابات ضد حُكم جعفر النميري، وتسلَّم الحكم إذ ذاك المشير عبد الرحمن سوار الذهب باتفاق قادة الانتفاضة، ورغم طباع العسكريين وتعلقهم بالسلطة؛ فإن سوار الذهب قام بعمل غير مسبوقٍ في العالم العربي؛ إذ قام بتسليم السلطة في العام التالي للحكومة المنتخبة إثر انتخابات حرة قام هو بتنظيمها، ثم اعتزل العمل السياسي، وتفرَّغ للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى (ويشغل حاليا منصب رئيس مجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية في السودان، ويعود الفضل إلى تلك المؤسسة في تشييد المساجد، والمستشفيات، وملاجيء الأيتام، ومراكز رعاية الطفولة. وقد حاز على جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام عام 2004م).
وعلى خُطى ذلك النموذج، وبعد عقدين كاملين من الزمان قام انقلاب في موريتانيا - التي عرفت الكثير من الانقلابات فضلاً عن المحاولات الفاشلة – وذلك عام 1985م بقيادة العقيد أعلي ولد محمد فال في 3 من أغسطس 2005م أطاح بالرئيس معاوية ولد سيد أحمد طايع. وقد شكَّل العقيد أعلى ومجموعة من 18عقيدًا ما يُسَمَّى بالمجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، وقام المجلس بتسليم السلطة للرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله يوم 19من إبريل 2007م بعد فترةٍ من عدم التصديق لما أعلنه المجلس عن نيته تسلم السلطة شابت الأوساط العربية والعالمية لمعرفتهم بطباع العسكر، وعلاقتهم بالسلطة.
كان هذا هو الاستثناء أما القاعدة التي يسير أغلب العسكريين عليها فهي ما حدث في مصر والعراق وسوريا وليبيا وغيرها من الدول؛ حيث تولَّى العسكريون السلطة فكان المصير الأسود للشعوب، ولم يتخلَّ العسكر عن السلطة في تلك البلاد حتى الآن اللهمَّ إلا ما حدث في العراق من إزالة الطاغية صدَّام قسرًا على غير رغبته.
والسؤال هنا هو: ما الأسباب التي تجعل علاقة العسكر بالسلطة على هذا النحو؟ ولماذا لا يحب العسكر إعطاء الشعوب حريتها؟ ولماذا كان الاستثناء في عالمنا العربي والثالث هو ما حدث في السودان وموريتانيا والقاعدة هو ما حدث في مصر والعراق وسوريا وليبيا وأغلب الدول العربية؟
وللإجابة عن هذا السؤال شِقّان: الأول هو طبيعة الحياة العسكرية في العالم الثالث حيث تقوم على الطاعة المطلَقة التي نسميها العمياء، فالحياة العسكرية في تلك النظم لا تعطي الرجل العسكري القدرة على نقاش الأوامر الصادرة إليه فضلاً عن رفضها والاعتراض عليها، وإلا اتُّهم بتكسير الأوامر، وعقوبة ذلك المحاكمة العسكرية في وقت السَّلم والتي ستحكم عليه بالسجن، أما العقوبة في حالة الحرب فهي إطلاق النار مباشرةً على من يخالف الأوامر.
إنَّ نظامًا كهذا لا بدَّ أن يشعر كل من ينتمي إليه أنه على حقٍّ مطلق، فما دام لا يجد مَن يعارضه، أو يرد عليه، أو ينصحه فهو إذن على حقٍّ، وهو الأدرَى بالمصلحة.. وهذا المناخ هو الجو المناسب لإنبات النفاق، فالمنافق يحتاج لمن يستمع إليه ويصدقه، وهذا القائد أو ذاك الضابط الكبير أو الصغير يريد أن يسمع ما يرضيه ويؤيده، وينفر ممن يخطئه أو يعارضه، وهنا يتوافد المنافقون، ويبعد المخلصون الناصحون، وعندها تسير القرارات دائمًا في الطريق الخاطيء، ولكنَّ صاحبها لا يتراجع عنها مهما بدا خطأها، وهذا أول طريق الديكتاتورية.
الحياة العسكرية بهذه الطبيعة التي تدعو للطاعة العمياء تجعل الفيصل في التَّرَقِّي هو للأكثر ولاءً، ونفاقًا، لا للأجدر والأكفأ، الأفضلية لمَن لا يناقش، ومن ثَمَّ ينشأ العسكريون على كراهية الرأي الآخر، ونبذه، فضلاً عن محاربة أصحابه، واعتبارهم أعداءً لا للشخص نفسه،بل للوطن، لأنهم يختزلون الوطن في أنفسهم.
الشِّقُّ الثاني من الإجابة يتمثل في ما حدث من المشير سوار الذهب بعد تخلِّيه عن السلطة، فلقد تفرَّغ الرجل للدعوة الإسلامية، ومعنى ذلك هو وجود انتماءٍ إسلامي لديه، وذلك أمرٌ غير مسبوق وغير معروفٍ، ونادر الوجود عند العسكريين؛ لا لفسادٍ فيهم – فذلك ما لا نقوله – وإنما لنظام الحياة العسكرية في بلادنا العربية خاصةً، والتي تجعل الالتزام الإسلامي جريمة يجب على العسكري تفسيرها، والتبرؤ منها، أو تتم معاقبته، وليس في هذا مبالغة فهذا أمر يعلمه كل من انتمى إلى العسكرية في فترةٍ من حياته.
إنَّ البُعد عن تعاليم الإسلام بالنسبة للعسكريين، واهتمام القيادات الدائم بتضييق الحصار على الملتزمين منهم، جعل الأدواء النفسية تنتشر فيما بينهم، ومن أشد هذه الأدواء وطأة: الديكتاتورية؛ فالإسلام يشجع الشورى، ويربي الناس عليها، ويدعوهم إلى تطبيقه، ويُلزِم الحاكم بها، ويرفض الديكتاتورية بشدة ويحاربها، ويحكم بعزل الحاكم إذا لم يجرها أو ينفذ ما قضت به؛ فإذا غاب الإسلام بتعاليمه عن قطاعٍ مهمٍّ وحيوي من الأمة كالجيش؛ فلا بدَّ أن تكون الثمرة مُرَّةً، ولا مفرَّ من أن تكون الشخصيات التي نشأت في غيبته شخصياتٍ مريضةً، تعاني منها الشعوب أشدَّ المعاناة.. ولهذه الشخصيات سمات جديرةٌ بأن تهلك أية أمة، وهذه السمات وتداعياتها على الدول والشعوب هي محور حديثنا في المقال القادم بإذن الله
المصدر
- مقال:العسكريون والسُّلْطة ثنائية نادرًا ما تنفصم!!(1)موقع:الشبكة الدعوية