الغزو والاحتلال.. والمقاومة والانتصار

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الغزو والاحتلال.. والمقاومة والانتصار


بقلم : مأمون الهضيبي

(وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ) (النساء، آية:104)
رسالة من المستشار محمد المأمون الهضيبي
المرشد العام للإخوان المسلمين

28 من صفر 1424هـ = 30/4/2003م

بسم الله الرحمن الرحيم ... والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومن والاه ... وبعد:

لاشكَّ أن الصراع بين الحق والباطل سلسلة ممتدة من لدن آدم إلي قيام الساعة، ولقد كان للحق جولات على مدار التاريخ، حيث بعث الله الأنبياء والمرسلين بالهدى ودين الحق، وكان خاتمهم محمد- صلى الله عليه وسلم- الذي أرسله ربه رحمة للعالمين (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107) وكم سعد الناس واطمأنوا، عندما عاشوا تحت راية الحق، فساد العدل وانتشر السلام وتراحم الناس. ولقد سجل التاريخ أيضًا فترات طغى فيها أهل الباطل والظالمون من بني البشر فذلَّ الناس وظُلموا وتظالموا، وانتشر بينهم الفساد وادّعى بعض البشر الألوهية، فكان القتل والجور وتراجعت القيم الإنسانية، وهكذا اقتضت سنة الله في كونه أن يتدافع الحق والباطل (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج:40)، فما استمسك المؤمنون بالحق وما بذلوا في سبيله أغلى ما يملكون- أنفسهم وأموالهم- إلا عزّوا وسادوا، وما ترك أهل الحق حقهم، وتنكبوا طريقهم، وقصروا في نصرة دينهم إلا ذلوا وبادوا. وهكذا فالباطل لا يظهر ولا يترعرع إلا في غفلة أهل الحق وتقاعسهم (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُون) (الأنبياء: 18)، (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء: 81).

وفي القرن التاسع عشر والقرن العشرين كانت موجة الإلحاد وعبادة القوة بدايةً لطغيان حكام الغرب وجورهم وغزوهم لشعوب العالمَين العربي والإسلامي، وقد تزامن ذلك مع تراجع ملحوظ لهذه الشعوب، فغزا الغربُ الشرقَ، واحتل أرضه، واستعمر بلاده، وسلبه ثرواته، ثم كانت موجة من المقاومة دفعت جيوش البغي وقوات الاستعمار، الذي وعى الكثير من دروس التاريخ، فخرج بجيوشه، ولكنه خلّف وراءه الكثير من النظم الحاكمة الضعيفة، التي ترعى مصالح المستعمر في غيبته- أحيانًا- أكثر من رعايته هو إياها في وجوده، وكانت بريطانيا رائدة الغزو والاستعمار والظلم والاحتلال، ولما تراجعت بريطانيا وانحسرت، كانت أمريكا جاهزة لإحكام قبضتها الظالمة البربرية على ثروات أهل هذه المنطقة في القرن العشرين، فكان بحقٍّ قرنًا أمريكيًّا ظالمًا-خاصة في نصفه الثاني- ومع مطلع القرن الحادي والعشرين تغول الأمريكيون أكثر وأكثر، وأظهروا قرصنتهم وبربريتهم، وظلمهم وطغيانهم على الشعوب العربية والإسلامية، بل على شعوب الأرض قاطبة، فالقوة والظلم على قمة منظومة قيمهم. وهكذا نرى اليوم ما يحدث في فلسطين وفي العراق، وقبلهم أفغانستان، وبعدهم يلوحون بغزو سوريا.. ثم.. مَنْ؟!!

فما السبب ومَن السبب..؟

إن من مصادر قوة الظالم ضعف المظلوم، وتفريطه في الدفاع عن حقوقه... إنها منظومة من الأسباب ومن المتسببين... فلقد ابتُلي أبناء هذه المنطقة بحكام يحرصون على الحياة الرغدة، وعلى حب الدنيا، وإيثار الخاص على العام، فحاربوا شعوبهم أكثر من حربهم لأعدائهم، وكبّلوا هذه الشعوب بقيود الطوارئ والمحاكم الاستثنائية، فأضعفوا الصفوف، وأوغروا الصدور، وأوجدوا الشروخ، وحكموا شعوبًا مستضعفة، تخاف من حاكمها كخوفها من عدوها، فلا حرية، ولا حقوق، ولا رأي يعلو فوق رأي الزعماء والقادة، ومع ذلك فلا تنمية، ولا إنتاج، ولا إعداد، ولا قوة، ونسي وتناسى هؤلاء الحكام مصالح شعوبهم، ولم يستمعوا إلى حديث نبيهم- صلى الله عليه وسلم- ' كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته'، ولم يُنفذوا أوامر ربهم (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) (الأنفال: 60) فهل يمكن لحكامٍ- كهؤلاء- أن يقودوا شعوبهم إلى النصر..؟!! كلاَّ؛ فإنَّ العصاة لا ينتصرون.

أما الشعوب فقد استكانت وقصّرت، وتركت وتغافلت، وآثرت أن ترضى بما يقسمه لها حكامها، وبما يمليه عليها عدوُّها، فهل تنتصر الأمم من غير تضحية؟! وهل يسود الحق من غير رجال يحملونه؟! إن هذه الأمة لابد أن تدفع ثمن حريتها، وتضحي من أجل نصرة حقها، وتدرك قيمة ما بأيديها من خير، دينها وعقيدتها، وفضل الله الواسع عليها وعلى خلقه أجمعين (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: 7).

إن ما وقع في بغداد- على مرارته وقسوته علينا جميعًا- ليس أول المصائب، ولا هو آخر الصراع، ولكنه عرض لمرض ينخر في عظام الأمة... جور الحكام، وتفريط الأبناء، وإن ما وقع ويقع، في فلسطين منذ أكثر من نصف قرن من الزمان، إنما هو جولة للباطل الأمريكي، وللإجرام الصهيوني في مقابلة ضعف وهوان الأنظمة التي رضيت من الغنيمة بالإياب. ولقد لاح في الأفق مشروع أحفاد القردة والخنازير الصهاينة أعداء البشر من الفرات إلي النيل فضُربت بغداد، وهُددت دمشق، والمدينة ومكة تداعب خيال بني صهيون!!، والقاهرة ليست عنهم ببعيد، هذه خطتهم باتت واضحة جليَّة لكل ذي عينين، يعملون لها، ويعلنون عنها، ويتحركون نحو تحقيقها، ولن ينالوا ذلك أبدًا- بإذن الله-؛ فالله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ولكن ماذا نحن فاعلون..؟!!

الأمة كلها مدعوة للنظر في حالها، الحكام قبل المحكومين، الدرس واضح بيِّن، والعبرة الآن نقف جميعًا على رأسها، فيا حكام العرب والمسلمين أفيقوا، فأنتم أيضًا مستهدفون، ومازال أمامكم بعض الوقت؛ لتستغفروا ربكم، ولتعودوا إلي شعوبكم، ولتصلحوا ما فسد، وتلحقوا ما فات، وما درْس المماليك والعز بن عبد السلام في مواجهة التتار عنكم ببعيد، ويا أهل البلاد.. يا أصحاب التاريخ المشرف، ويا أحفاد الرجال الكرام، هبُّوا وانفضوا عنكم ثُبات الخوف، وانهضوا من كبوتكم مع حكامكم- إن رضوا-، ودونهم-إن أبوا-، ومُدُّوا أيديكم لربكم، واستمطروا رحماته، وقدموا لأنفسكم الخير؛ لتجدوه عند الله خيرًا وأعظم أجرًا. إن الأمر جلل، والخطب عظيم، والمطلوب همة وعمل، وعطاء وتضحية، وإخاء وتنمية، وإخلاص وشفافية، وإعداد وإنتاج (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ..) (الأنفال: 60)، وقد يطول بنا الوقت، ولكننا بالله نعتصم، فنصبر ونصابر ونرابط، ونسأل الله التقوى والفلاح في الدنيا والآخرة.

يا شباب الأمة، لا تنخدعوا بوعود أعدائكم الصهاينة والأمريكان، فإن هؤلاء لن يفكروا أبدًا إلا في مصالحهم، وهي بالضرورة لا تتحقق إلا على،حساب مصالحكم. لا تصدقوهم؛ فهم غزاة معتدون، ومستعمرون ظالمون، ولا يُتصور أبدًا أن الذئب يحمل لفريسته طوق النجاة من براثنه!!

يا شباب الدعوة، ثقوا في نصر الله، واستبشروا خيرًا، فإن الله قد وعد المؤمنين الصادقين بإحدى الحسنيين، فلا تنزعجوا من جور الحكام، واثبتوا واصبروا ولا تلينوا، واحتسبوا عند الله ظلم الظالمين، فلقد فَعلَ غيرُهم أكثرَ من ذلك فسَجنوا وعَذبوا وقَتلوا وغَيبوا؛ فما لانت للرجال قناة، وهذه دعوتكم صافية نقية - بفضل الله - عاشت وارتوت بدم الشهداء، وها هي اليوم تقدم الشهداء في فلسطين، وسوف يشهد العالم- بإذن الله- انتفاضة الرجال في العراق .... وها هي دعوتكم تقدم في جسارة وعزة - ولله الفضل والمنَّة - التضحية والفداء للأوطان وللدين، فانظروا إلى العالم وإلى شجرة الدعوة الوارفة الظلال، التي لن يستطيع الباطل أبدًا أن يقتلعها؛ لأنها- بحول الله وقوته – نور الله، ولن يُطفئ نور الله بشر. فالجأوا إلى ربكم، وأخلصوا له- سبحانه- عبادتكم، وربُّوا أنفسكم على معاني التضحية والعطاء وحب الوطن والفداء، وأذكركم بقول الحق- تبارك وتعالى- بعد أن نؤدي ما علينا مع شعوبنا وحكامنا- (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ) (النساء: من الآية104)، (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: من الآية140) فالثبات الثبات، والصبر الصبر، والجهاد الجهاد بالنفس والمال ...

يا أهل فلسطين ...

(فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) (محمد: من الآية4).

ويا أهل العراق ...

(ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) (محمد: من الآية4).

ويا أهل البلاد في شتى بقاع العالم العربي والإسلامي..

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)(محمد:7-8)، (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ) (محمد: 11)، (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ اْلأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ)، (محمد: 35).

والله أكبر، والله أعلى وأعزّ
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

المصدر