الغلو والتشدد عنوان ولاية بوش الثانية
بقلم : فهمي هويدي
الرسائل التي ما برحت تخرج من البيت الأبيض إلى الرأي العام الأميركي، خلال الأسابيع الثلاثة الأولى التي أعقبت إعادة انتخاب الرئيس بوش، تعلن على الناس منطوقا واحدا يقول: أما وقد أعجبكم ما تم أثناء الولاية الأولى، فسترون ما يسركم أكثر في الولاية الثانية! وهذا المنطوق ليس كلاما إنشائيا يدغدغ المشاعر، ويقف عند حدود إثارة حماس الناس، ولكن وقائع الحال تؤيده في أربعة مشاهد على الأقل، يجمع بينها أنها تستبعد تماما أية مراجعة للسياسة الأميركية الخارجية في الولاية الثانية، على عكس ما توقع البعض أو تمنوا، وإنما المطروح هو مزيد من الاندفاع والغلو في سياسات الولاية الأولى.
وحتى نكون أكثر دقة، فربما كان صحيحا ما قاله البعض من أن الرئيس الأميركي في ولايته الأولى، تظل عيناه معلقتان على الناس، الأمر الذي يدفعه إلى محاولة كسب تأييدهم ورضاهم بمختلف السبل، فيجعله مثلا شديد الحرص على مجاملة إسرائيل لكسب أصوات اليهود، أملا في أن يضمن له ذلك التجديد في الولاية الثانية، لكن عينيه في الولاية الثانية تكونان على التاريخ، الأمر الذي يجعله أحرص على أن يحفر لنفسه مكانا في سجله، وبالتالي فإنه يصبح أكثر تحررا من ضغوط «اللوبي» اليهودي، وربما أكثر توازنا وإنصافا، وهذه الفرضية إذا انطبقت على آخرين من الرؤساء الأميركيين، فإنها لن تنطبق على الرئيس بوش، لسبب جوهري هو أنه ينطلق في سياسته من موقف عقائدي ورسالي لا يتغير، لا يهم كثيرا في ذلك أن تكون تلك قناعاته الشخصية فقط، أو أنها قناعات الفريق المحيط به والمحرك لسياساته، الذي يقف على رأسه نائبه ديك تشيني.
المشاهد الأربعة التي تعبر عن الثبات أو الغلو في السياسة الخارجية الأميركية:
تعيين كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي وزيرة للخارجية، وترفيع نائبها ستيفي هادلي لكي يحتل منصب المستشار، وهذا التعيين والترفيع، الذي تم بعد استقالة وزير الخارجية كولن باول، لم يكن ليعني إلا شيئا واحدا هو: بسط قبضة التشدد والغلو المفرطين على السياسة الخارجية، والتخلص من الرجل الذي كان يحاول «عقلنة» غرور القوة المهيمن على عقل المحافظين الجدد، وهذه الخلاصة لم يختلف عليها أحد من المحللين المتابعين للشأن الأميركي، الذين أجمعوا على أن تعيين رايس في الخارجية وهادلي مستشارا للأمن القومي، يعد انتصارا لليمين المتشدد، ويحقق «الانسجام» بين أعضاء فريق الرئيس الأميركي، ومن ثم يطلق يدهم بلا كابح في تنفيذ أفكارهم ومخططاتهم. إذ المعروف أن السيدة رايس من أشد دعاة احتلال العراق وتنفيذ سياسة «الضربات الاستباقية»، التي تستهدف في العلن إجهاض أي تهديد للمصالح الأميركية، الأمر الذي يتضمن «تأديب» ولي ذراع الدول المتمردة على الهيمنة الأميركية، والمنخرطة فيما سمي بمحور الشر، كما أن السيد هادلي الذي كان أحد مساعدي تشيني، حين عمل وزيرا للدفاع تحت رئاسة بوش الأب (1989 - 1993)، ينتمي الى فصيلة (الصقور) الأشد شراسة بين المحافظين الجدد، وهو من أنصار تطوير نظام الصواريخ بعيدة المدى، التي تكفل لواشنطن تأديب أي «مارق» في أي مكان بالكرة الأرضية، كما أنه من دعاة إنتاج تزويد القوات الأميركية بأسلحة ذرية «تكتيكية» نسبيا (ميني)، يمكن استخدامها في العمليات العسكرية التي تخوضها.
أصابع نائب الرئيس حاضرة بوضوح في تعيين هادلي، وهي حاضرة في ما تردد عن ترشيح جون بولتون وكيل الوزارة لشؤوون الرقابة على التسلح والأمن الدولي، لكي يشغل نائب وزير الخارجية، بعد استبعاده ريتشارد ارميتاج من هذا المنصب، وبولتون بدوره من رجال تشيني، وأهم من ذلك أنه ينتمي إلى ذات الفصيل الأكثر شراسة بين صقور الإدارة الاميركية. إذ يعزز ذلك الانطباع السائد بأن نائب الرئيس تشيني، هو الأكثر تأثيرا في عملية إعادة ترتيب الإدارة الجديدة، فضلا عن كونه الرجل الذي يشكل عقل الرئيس ذاته، فإن الدلالة الأخرى التي لا تقل أهمية عن ذلك هي أن تلك التعيينات ترسم الاتجاه إلى مزيد من التشدد والغلو، والحرص على تصعيد المواجهة على مختلف الجبهات التي فتحت أثناء الولاية الأولى، بل أن ذلك التوجه يقوى الاحتمال القائل بإمكانية توريط الولايات المتحدة في جبهات جديدة، عند أول فرصة تلوح في الأفق، وتظل إيران هي المرشح الأول لذلك الاحتمال، ولا استبعد أن تكون الاشارات الواردة في هذا الصدد، وراء القرار الأخير الذي أصدرته الحكومة الإيرانية بإعلان وقف تخصيبها اليورانيوم، وأرادت به أن تبطل أي ذريعة للولايات المتحدة لكي تصعد من الاشتباك معها والضغط عليها، بسبب ملف النشاط النووي، والملاحظ في هذا الصدد أن طهران أطالت من أمد مباحثاتها مع دول الاتحاد الاوروبي حول الموضوع، الى ما بعد ظهور نتائج الانتخابات الأميركية، وعندما تأكد فوز الرئيس بوش، أعلنت قرارها بوقف التخصيب.
الحاصل في العراق مشهد آخر جدير بالملاحظة، ذلك أن ما حدث في الفلوجة جدير بأن يتوقف المرء أمامه طويلا، ذلك انه اذا كان الذي جرى في سجن أبو غريب عنوانا للولاية الأولى، فما شهدته الفلوجة يرشح بقوة لأن يصبح عنوانا للولاية الثانية، فالصور التي فضحت بعض ما حدث في أبو غريب، شهدت بأن التعذيب والتنكيل بقصد الإذلال وكسر الإرادة كان هدفا في حينه، أما ما حدث في الفلوجة فقد كان أبعد من ذلك بكثير، إذ كان الى السحق والإبادة أقرب، ذلك اننا لم نعد بصدد محاولة للإذلال، وإنما كنا نباشره وبوضوح أمام اهدار للحق في الحياة ذاتها، ذلك ان القتل المتعمد للجرحى، وتركهم يموتون في الشوارع، وتهديم البيوت على من فيها، ذلك كله لا يفسر إلا بحسبانه غلوا لا يقيم وزنا لأي قيمة قانونية أو أخلاقية، ولا يبقي على حرمة لإنسان أو مكان، ومن ثم فانه لا يعترف بأي حدود أو ضوابط للقمع، وما حدث بعد ذلك في الموصل والأعظمية والرمادي، يؤيد ما ذهبنا إليه من أن مذبحة الفلوجة لم تكن حدثا استثنائيا، ولكنه عنوان لمرحلة تعيد إلى الأذهان السياسة الصدامية إزاء الاكراد في حلبجة، والنزر اليسير من الصور التي تسرب من الفلوجة وأخواتها (لاحظ أن القيادة الاميركية تمنع الصحافيين من تسجيل المعارك، وإنما تصطحب مصورين معينين وتراقب أفلامهم)، ولا يختلف كثيرا عن تلك الصور التي سجلت مذبحة الفلوجة، وفضح بها الرئيس صدام حسين ونظامه في أنحاء العالم.
خذ أيضا ما قاله الرئيس الأميركي عن فلسطين في مؤتمره الصحافي يوم 14/11، وكيف انه لم يرد أن يذكر اسم الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، الذي كان قد انتقل لتوه إلى ربه، وكان غاية ما فتح الله عليه به في هذه المناسبة، إشارته الى أن الدولة الفلسطينية يمكن أن تقوم فقط بعد إرساء دعائم الديمقراطية، متجاهلا في ذلك حقيقة أن الرئيس عرفات كان منتخبا بأغلبية ساحقة، تفوق بكثير الأغلبية التي فاز بها بوش نفسه (52%). ومع ذلك فان الرئيس الأميركي قاطعه ورفض الاعتراف بشرعيته، بل الى تقليص صلاحياته وتسليمها الى غيره، وهذا الموقف الذي بدا فيه الرئيس بوش متجاهلا تماما أي أمل للفلسطينيين، ملتزما في ذلك بنهجه الذي سار عليه في ولايته الأولى، شجع رئيس الوزراء الاسرائيلي على ممارسة المزيد من الصلف والعجرفة، حيث أعلن بعد أيام قليلة انه لن يتعامل مع القيادة الفلسطينية الجديدة إلا بعد ان توقف التحريض، وتغير من مناهج التعليم في الأرض المحتلة، بحيث يغير التاريخ وتغير عقول الفلسطينيين على نحو يتوافق مع التغيير الذي احدثته اسرائيل في الجغرافيا.
خذ أخيرا الهجوم الاميركي على كوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة، الذي استهدف تدمير سمعته والحيلولة دون التجديد له، لأنه تجرأ وانتقد بأدب شديد السياسة الأميركية، حين قال ذلك مرة إن غزو العراق لم يكن شرعيا، وفي مرة أخرى قال إن العالم لم يعد أكثر أمانا عما كان عليه في السابق، مشككا في صحة إدعاء الرئيس الأميركي، بينما حلت الحرب ضد الإرهاب وزعمه بأن العالم اصبح أكثر أمانا، وكانت ثالثة الاسافي انه حذر من اجتياح الفلوجة ، ومن احتمالات وقوع خسائر كبيرة بين المدنيين بسببها (وهو ما حدث).
إزاء تلاحق تلك الاحداث ، وأمام الأسابيع الثلاثة الأولى التي تعد مرحلة تمهيدية وافتتاحا للولاية الثانية، فإن من حقنا أن نتساءل عن حظوظنا في جعبة الإدارة الأميركية خلال السنوات الأربع المقبلة. وأهم من ذلك أن تكون تلك المقدمات غير المبشرة، حافزا لنا لكي نعيد النظر في حساباتنا ومواقعنا، بحيث نحدد من جديد «القبلة» التي ينبغي أن نتجه إليها، والقوى التي ينبغي ان نعول عليها، علما بأن مستقبل أمتنا مرهون بمدى نجاحنا في ضبط مسيرتنا نحو «القبلة» الصحيحة، وفي تعويلنا على طاقات جماهيرنا وأمتنا، التي هي معين القوة الحقيقية الذي لا ينضب.
المصدر
- مقال:الغلو والتشدد عنوان ولاية بوش الثانيةموقع:الشبكة الدعوية