المستشار محمود الخضيري ثائر على طريق الحق
ان للحق رجال كما للباطل رجال اما رجال الحق فلا يثبطهم من خذلهم ولا يضرهم من عاداهم ولا يكتبون الا لله ما تمليه عليه ضمائرهم بغير تحيز أو هوى.. والمستشار الخصيري كان واحدا من أهل الحق الذين دافعوا عنه وأذوا في سبيله حتى لقى الله سبحانه وهو كذلك.
ميلاده
محمود رضا عبد العزيز محمد الخضيري ولد يوم 13 يناير 1940 في مركز طهطا في سوهاج وحرص والده على حسن تربيته وربطه بالقرآن الكريم منذ الصغر فشب على ذلك وحصل على ليسانس الحقوق سنة 1963 في كلية الحقوق في جامعة عين شمس وعُيِّن في النيابة في السنة ذاتها وتدرج في القضاء إلى أن أصبح نائب رئيس محكمة النقض، كما انتُخب رئيسًا لنادي قضاة الإسكندرية يوم 7 مايو 2004. تدرج في السلك القضائي حتى أصبح نائبًا لرئيس محكمة النقض، التي تعتبر أرفع المحاكم المصرية، وانتُخب رئيسًا لنادي قضاة الإسكندرية مطلع مايو/ أيار 2004.
نحو الإصلاح
ويعد الخضيري واحدا من أبرز زعماء حركة استقلال القضاء، حيث وقف وقفات ضد نظام الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، فيما عرف بأزمة القضاة عامي 2005 و2006، للمطالبة باستقلال السلطة القضائية، ومنع سيطرة السلطة التنفيذية والسياسية على أعمالها.
ففي 2005 كان الخضيري أحد أعضاء حركة بين قضاة مصريين لقت دعماً من جماعة الإخوان المسلمين طالبت بتعديل قانون السلطة القضائية في مصر لضمان استقلالها وتخليصها مما رآه أعضاء الحركة تدخلا من السلطة التنفيذية في أعمال القضاء وإفسادا لها. كان من أقطاب تلك الحركة كذلك زكريا عبد العزيز وهشام البسطويسي وحسام الغرياني وأحمد مكي ومحمود مكي.
واستقال الخضيري في 20 أيلول/ سبتمبر عام 2009 من منصب رئيس دائرة الخميس المدنية في محكمة النقض، بعد 46 عاما قضاها في الخدمة القضائية، وقبل تقاعده صرح بأن هذه الاستقالة تأتي اعتراضا على أوضاع القضاء حينها بقوله: «أعتبر أن استقالتي صرخة احتجاج في وجه الأوضاع الحالية بالقضاء، وأتمنى أن تحدث نوعاً من الجدية لإصلاحه».
في البرلمان
شارك الخضيري في ثورة يناير 2011 ودعمها وشارك في بعض فعاليتها، وانتخب عضوا بأول برلمان بعد الثورة 2011-2012 في الدائرة الثانية بالإسكندرية، واختير رئيسًا للجنة التشريعية بالمجلس قبل أن تحله المحكمة الدستورية والعسكر.
وبعد فوز الرئيس محمد مرسي بالانتخابات الرئاسية شهدت قيادات تيار الاستقلال صعوداً كبيراً، سواء في مؤسسة الرئاسة أو على صعيد الجمعية التأسيسية أو مؤسسات رقابية وقضائية، حيث احتل المستشار محمود مكي منصب نائب رئيس الجمهورية، وعين شقيقه المستشار أحمد مكي، وزيرا للعدل، وأصبح المستشار هشام جنينة رئيسا للجهاز المركزي للمحاسبات، واختير المستشار حسام الغرياني رئيساً للجمعية التأسيسية لوضع الدستور، ورئيساً للمجلس القومي لحقوق الإنسان، وكان المستشار محمود الخضيري رئيساً للجنة التشريعية بمجلس الشعب، الذي تم حله بحكم قضائي
مؤلقاته
أصدر المستشار محمود الخضيري عدة مؤلفات منها:
- «دراسة مقارنة بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية».
- «دعوى صحة التعاقد ودعوى صحة التوقيع»
- «تشريعات السلطة القضائية في دولة الإمارات العربية»
هذا غير العديد من الأبحاث منها بحث في عقد التأمين في ضوء الشريعة والقانون، منشور في مجلة المحاماة؛ وآخر في دور الخبير في الدعوى المدنية، منشور في مجلة الشريعة والقانون بالإمارات؛ ثالث حول أثر فرض الحراسة على تصرفات الحارس في المال موضع الحراسة، منشور في مجلة القضاة.
هذا غير العديد من المقالات والأبحاث التي نشرت في الصحف وقت أزمة القضاة والتي تناول فيها ملابسات أزمة الفضاة وبعدها.
الخضيري والقضية الفلسطينية
كغيره من الوطنين كتب المستشار الخضيري مقالا يندد فيه بما يجري من مذابح في غزة وفلسطين ويستحث حكام العالم على انقاذ هذا الشعب الذي يتعرض للقهر والقتل على ايدي الصهاينة فكتب مقالاً عن غزة في يناير 2010 بجريدة المصري اليوم جاء فيه: "كيف يطمئن الإخوة في غزة لسلامة أهداف مصر من القضية الفلسطينية وهم يرون مصر كل يوم تتفنن فى وسيلة إحكام الحصار عليهم، وآخرها جدار العار الذي تحاول بناؤه بينها وبين القطاع لمنع شريان الحياة الذى يمد الإخوة بالضروري من القوت والدواء، بحجة حماية الأمن القومي المصري الذي تهدده هذه الأنفاق التي لم يتم حفرها إلا بعد سد الطرق الشرعية في وجه الشعب في غزة. الأمن القومي لمصري خط أحمر لا يسمح بالمساس به لأي إنسان، ولكن هل نفعل ذلك في مواجهة العدو الحقيقي الذى اعتاد المساس به، والذي يهدده حقيقة أشد تهديد، وهو الإسرائيليون". مضيفاً أن "وجود الأنفاق بين حدود الدول أمر غير طبيعي، ولكن إغلاق الحدود لتعذيب الإخوة وخنقهم حتى يموتوا جوعاً هو الذي ألجأ إليه".
اعتقاله ومحاكمته
اعتقل الخضيري من منزله في مدينة الإسكندرية، في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، على خلفية معارضته انقلاب الجيش على الرئيس الراحل محمد مرسي، في 3 يوليو/تموز من ذلك العام، ثم وجهت إليه تهمة كيدية بشأن احتجاز أحد المحامين لمدة ثلاثة أيام، وتعذيبه، وهتك عرضه داخل مقر إحدى شركات السياحة في ميدان التحرير، خلال أحداث ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، وصدر بحقه حكم نهائي بالسجن لمدة ثلاث سنوات.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2018، أيدت محكمة النقض حكم جنايات صادر في نهاية 2017 بسجن الخضيري ثلاث سنوات أخرى، في القضية المعروفة إعلامياً بـ"إهانة القضاء"، والتي وجهت إليه فيها اتهامات بالإساءة للقضاة في أثناء انعقاد جلسات مجلس الشعب، رغم تمتعه بحصانة برلمانية وقت ارتكاب الجريمة المزعومة.
وعانى الخضيري، في سجنه الذي استمر ست سنوات وأسبوعاً، من تفاقم الأمراض المزمنة التي كان مصاباً بها، ورغم حسن سلوكه في السجن، وشيخوخته، لم توافق السلطات المصرية على الإفراج عنه بنصف أو ثلثي المدة، ما أثار حنق وانتقاد العديد من المنظمات الدولية التي أبرزت حالته الإنسانية.
وتدهورت الحالة الصحية للخضيري بسبب منع الأدوية عنه داخل السجن، وعدم تلقيه الرعاية الطبية اللازمة. وظل كذلك حتى أفرج عنه بعد قضاء مدة الحبس في التهمتين اللذين حبس بهما في يوم السبت 5 ديسمبر عام 2019 ومنع من الحركة والسفر وظل حبيس بيته.
وكانت السلطات العسكرية المصرية قد أعادت احتجاز الخضيري في 11 ديسمبر 2016 ، بعد انتهاء مدة عقوبته المقررة بثلاث سنوات في قضية تعذيب مواطن بميدان التحرير أثناء ثورة يناير، وكان يبلغ من العمر حينها 71 عاما.
وقال محامون وقتها: إن المستشار الخضيري استقل عربة الترحيلات متجها إلى الإسكندرية لإتمام إجراءات الإفراج عنه، وعندما شارفت السيارة على الوصول، أصدرت محكمة الجنايات قرارا بضبطه وإحضاره وحبسه على ذمة قضية إهانة القضاء، ليعود من الإسكندرية مرة أخرى إلى محبسه بسجن طرة.
وفاته
توفى المستشار محمود الخضيري عن عمر ناهز الـ 84 عاما في القاهرة فجر الأحد 1 سبتمبر 2024م الموافق 28 صفر 1445هـ، حيث نقل إلى مسقط رأسه الاسكندرية وصلى عليه في مسجد علي بن ابي طالب بسموحة حيث دفن بالاسكندرية.
قالوا عنه
وصف المستشار محمد ناجي دربالة، نائب رئيس محكمة النقض السابق، المستشار الخضيري بأنه واحد من أبرز رموز تيار الاستقلال وأحد من خاضوا أبرز المعارك للحفاظ على هيبة القضاء واستقلاله وتجرده، بل كان واحداً من أبرز الذين نقلوا معركة الاستقلال من الغرف المغلقة للرأي العام ليتحول إلى نصير للقضاة في قضيتهم العادلة.
وقال المستشار أحمد سليمان، وزير العدل المصري الأسبق، في نعيه بأنه "واحد من أعظم رجالات مصر وعلم من أعلامها ورمز من رموز استقلال القضاء في مصر، وأحد مؤسسي تيار الاستقلال، بل لا أكون مبالغاً حين أقول إن شرارة استقلال القضاء بدأت من الإسكندرية حيث بذل الخضيري الغالي والنفيس لصيانة استقلال القضاء من محاولات الهيمنة الرسمية عليه".
وأضاف "لا يمكن أن أنسى أبداً تصدي الخضيري لمحاولات تزوير الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وأنه خاض معارك شرسة للحفاظ على إرادة الشعب وعدم التغول عليها، ولصيانة حقه في الحياة الكريمة والحرية واختيار حكامه وممثليه بعيداً عن الزيف والتزوير، وعن حقه في استغلال ثرواته ومقدراته بعيد عن سطوة الفاسدين، وهي مواقف دفع الخضيري ثمنها غالياً، واليوم هو ينعم بثواب ما قدم".
كما تقدمت جماعة "الإخوان المسلمون" بخالص العزاء إلى الشعب المصري في وفاة المستشار محمود الخضيري، الذي لقي ربه بعد رحلة طويلة قضاها مُنافحًا عن العدالة ومدافعًا عن الحق مع إخوانه من تيار استقلال القضاء.