المشروع الإسلامي.. وقضية الإستقلال
لا يكتمل معنى الإسلام في الوجود، إلا بإنتاج (حضارة) تتجلى فيها قيم الإسلام ومثله العليا، تلك الحضارة لا تقوم إلا عبْر تكوين (أمة) تنتظمها روح واحدة بدولة ذات سيادة، وكلتاهما (الحضارة والأمة)، تتأسس على (فرد) ذو خصائص خاصة، وهو ما تتكفل بإيجادها ورعايتها، التربية الإسلامية حصراً. وهذه الخصيصة التي يتمتع بها الإسلام، لا توجد في أى دين آخر، فـ (الإسلام هو الثقافة التي تبني القيم الأخلاقية الرفيعة وتسعى للوصول للمُثل، كما هو في الآن ذاته إطار للحضارة دافع للنهضة الحضاريّة ومحرض على العلم وإستخدام الطبيعة بما سخرها الله للإنسان، فالإسلام في الوقت الذي هو روحي يعبر عن الثقافة أيضاً هو مادي يعبر عن الحضارة.. ودخول الإسلام في المعادلة هنا ليس من قبيل الديّن المجرد فللإسلام طابعه المختلف عن الأديان وله نسق وتصوّر متميز عنها، فعلاقة الأديان المجردة بالحضارة علاقة سطحية) [١]
وهذه الحضارة الإسلامية هى ما ميزت أمة الإسلام عن غيرها من الأمم والشعوب، فكانت سبباً إستقلالها وريادتها.
مرتكزات المشروع الإسلامي
ومنذ الحرب العالمية الأولى، حين سقط العالم العربي كله تقريباً تحت السيطرة الغربية، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً، فقدت الأمة إستقلالها الحضاري الذي يميزها ويحميها، وبعد نجاح المستعمر الغربي في اختراق نخبة الأمة ثقافياً وحضارياً، تتابع سقوط الأمة العربية، باقتسامها عام 1917، ثم سقوط الدولة العثمانية عام 1924، ثم زراعة الكيان الصهيوني 1947..
وفي هذه الأجواء برزت فكرة (القومية) كراية جامعة للمصريين، بديلاً عن الرابطة الإسلامية الجامعة! (وبرغم تحول هذا التيار – القومي الوطني – من محالفة الدول الإستعمارية إلى الثورة عليها، إلا أن ولاءه الفكري ظل معقوداً للحضارة الغربية! حيث رأى فيها طريق التمدن الوحيد!) [٢]
مما جعل من العالم العربي مجرد هامش تابع للغرب المستعمر، مما فتح الباب واسعاً أمام تيار التغريب، الذي تغلغل في صفوف أبناء العالم العربي..
وقد أنتج تيار التغريب (العلمانية)، التي جعلت الإنتماء الوطني والقومي في قطيعة وخصام مع الإنتماء الإسلامي! حيث لم ترى من تاريخ الإسلام سوى العصر المملوكي والعثماني! ولم ترى في الغرب سوى الأمل والحلم والغاية!
(وفي هذا المنعطف التاريخي، عاد القانون القديم ليفعل فعله من جديد، فتطلعت الأمة، بالفطرة والوعى معا، إلى حصنها العتيد، إلى الإسلام.. وكان أن برز وتعاظم تيار الصحوة الاسلامية، الذى تبلور هذه المرة -منظما و جماهيريا - بتأسيس الإمام الشيخ حسن البنا لجماعة الاخوان المسلمين عام 1928، وهي الجماعة التي أصبحت أوسع حركات الإصلاح الإسلامي وتنظيماته انتشارا وتأثيراً، بعالمى العروبة والإسلام في عصرنا الحديث) [٣]
وهو ما لاحظه المفكر الجزائري مالك بن نبي، في كتابه "وجهة العالم الإسلامي"، عندما قارن بين تيارات النهضة، فقسمها إلى:
- الحركة الحديثة (الوطنية): التي جعلت من المسلم زبوناً مقلداً للحضارة الغربية في شقها المادي..
- الحركة الإصلاحية: التي أعادات إنتاج علم الكلام من الجديد، فلم تكن "المشكلة أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها، وإنما المهم أن نرد إلى هذه العقيدة فاعليتها وقوتها الإيجابية، وتأثيرها الاجتماعي"
- الطريق الجديد: والمقصود به الإخوان المسلمين، فلقد صاغ الرجل (حسن البنا) "جماعة مجاهدة عظيمة تطبق كتاب الله وتجسد تعاليم القرآن في واقع الحياة، وقد صدق الذين وصفوه بأنه "انشغل بتأليف الرجال عن تأليف الكتب" [٤]
المشروع ومفهوم الإستقلال
رأى حسن البنا أن الإستقلال الحقيقي للأمة لن يتحقق إلا بسيادتها واستقلالها الحضاري، وليس فقط بمجرد خروج الجيوش الغازية من أرض المسلمين..
مع بداية الموجة الإستعمارية الأوروبية الحديثة على العالم العربي والإسلامي، بالحملة الفرنسية على مصر عام 1798، والتي امتدت لاحقاً إلى بلاد الشام، أدرك المسلمون أنهم واقعين بين شقى رحى، الضعف والتخلف من جهة، والتقدم الغربي من جهة أخرى، فافترق المسلمون بين مَن يرى أن المخرج هو في مواجهة الإحتلال العسكري الغربي، وعكسهم مَن رأى أن التقدم لن يكون إلا بتقليد الغرب وإتباعه، ومنهم من رأى أن الإصلاح السياسي والدستوري هو مَن يدفع غائلة المستعمر، ورابع رأى أن الإصلاح يبدأ من مؤسسات التعليم والتربية.. وكان هذا التعدد دليل على ما وصلت إليه النخبة من ضعف في الرؤية وخلل في التصور، بعيداً عن أزمة الأمة الحقيقية.
في حين رأى حسن البنا أن الحضارة الإسلامية هُزمت أمام الحضارة الغربية، بسبب ضعفها وذبولها أولاً، وتغلغل التغريب من أبنائها ثانياً، وأن تلك الحضارة الغربية خطر على العرب والمسلمين، بل على الإنسانية قاطبة، بسبب بنيتها التي تقوم على التطور المادي فقط دونما حكمة أو غاية، مهملةً الجانب القيمي والأخلاقي، فالغرب يؤمن بأن البقاء لـ (الأقوى)، مما يبرر له إبادة الشعوب فإن لم يستطع، عمل على استباحة سيادتها وهويتها وتدمير قوام وجودها، لتصبح شعوبها تابعةً له مستباحة السيادة مهدرة الإستقلال!
وأن الغزو (الحضاري) وما استتبعه من انهيار أخلاقي واجتماعي، كان مقدمة السقوط، وهو ما لم يلتفت إليه كثيرون، وخاصة أتباع التيار العلماني.
يقول حسن البنا: (.. وقد عمل الأوربيون جاهدين على أن تغمر موجة هذه الحياة المادية، بمظاهرها الفاسدة وجراثيمها القتالة، جميع البلاد الاسلامية التي امتدت إليها ايديهم وأوقعها سوء الطالع تحت سلطانهم، مع حرصهم الشديد على أن يحتجزوا دون هذه الأمم عناصر الصلاح والقوة من العلوم والمعارف والصناعات والنظم النافعة، ونجح هذا الغزو الاجتماعى المنظم - بالمدارس العلمية والثقافية في عقر ديار الاسلام - والتي ضمت أبناء الطبقة العليا. فعلمتهم كيف ينتقصون أنفسهم ويحتقرون دينهم ووطنهم وينسلخون من تقاليدهم وعقائدهم، ويقدسون كل ماهو غربى، ويؤمنون بأن ما يصدر عن الأوربيين وحده هو المثل الأعلى في هذه الحياة - نجح هذا الغزو الاجتماعى المنظم أعظم النجاح، فهو غزو محبب إلى النفوس، لاصق بالقلوب، طويل العمر، قوى الأثر، وهو لهذا أخطر من الغزو السياسي والعسكرى بأضعاف الأضعاف)، ويقول: (.. إن الحضارة الغربية، بمبادئها المادية، قد انتصرت في هذا الصراع الاجتماعى على الحضارة الاسلامية، بمبادئها القويمة الجامعة للروح والمادة معا، فى أرض الاسلام نفسه، وفى حرب ضروس ميدانها نفوس المسلمين وأرواحهم وعقائدهم وعقولهم، كما انتصرت فى الميدان السياسي والعسكرى..)[٥]
فلم يكن المشروع الإسلامي يستهدف ترميم البناء المتهدم، بقدر ما كان يسعى إلى تغييره واستبداله، مما دفع لدكتور عماد حسين محمد – أستاذ التاريخ المعاصر، إلى القول: "إن النتيجة الطبيعية لدراسة أفكار الجماعة وتصوراتها عما هو قائم في المجتمع المصري وما يجب أن يقوم فيه، تقودنا إلى أن الجماعة تريد أمرًا أعمق من مجرد الإصلاح لبعض نواحي أو مجالات ترى فيها خللا، وأن الجماعة تريد أن تصل إلى شكل آخر للمجتمع وللدولة وللوضع الدولي للعالم الإسلامي، ولهذا يعتقد الباحث أن إطلاق وصف "التغيير" على خطة الجماعة بصورة عامة أدق من وصف "الإصلاح". [٦]
كما رأى حسن البنا أن قيادة العالم تخضع لقانون (التداول الحضاري)، وأن الحضارة الغربية آخذة في الأفول، وأن الدور على تسلم الشرق الإسلامي قيادة العالم مرة أخرى، فقد (نظر إلى حركة التاريخ وصعود وهبوط الحضارات، واعتبر أن هذه الحركة لا تخرج عن كونها سنة من سنن الله في حياة الأمم، فقد كانت قيادة الدنيا في وقت ما شرقية بحتة، ثم صارت بعد ظهور اليونان والرومان غربية، ثم نقلتها النبوات الموسوية والعيسوية والمحمدية إلى الشرق مرة ثانية، ثم غفا الشرق غفوته الكبرى ونهض الغرب نهضته الحديثة، وورث الغرب القيادة العالمية،ولكنه بدأ يجور ويطغى، ومن ثم لم يبق إلا أن تمتد يد شرقية لتنهض بالأمة تحت راية القرآن، وتتسلم قيادة العالم من جديد، وقد استدل الإمام المؤسس من دراسته هذه، لأسباب حدوث التداول، فالأمة تقوى متى حددت غايتها وعرفت مثلها الأعلى، ورسمت منهاجها وصممت على الوصول إلى الغاية وتنفيذ المنهاج ومحاكاة المثل الأعلى مهما كلفها ذلك من تضحيات، وهذه الشروط لا تتعلق بدين الأمة أو جنسها، ومن ثم متى نسيت أمة غايتها، وضلت عن منهاجها، وتجاهلت مثلها الأعلى، وآثرت الإغراق في الترف والمتعة والقعود عن الواجب، فإنها لا تزال تضعف حتى تتجدد أو تبيد، وفي الإسلام غناء لهذه الأمة، ففيه تتوفر شروط النهضة ورصيد التجربة التاريخية، بالإضافة إلى أنه صار جزءا من وجدان الأمة) [٧]
وفيما يحمل معنى النقد والإدانة لعصور التخلف والإنحطاط، أشار حسن البنا إلى شيوع عوامل تحلل وسقوط الأمة حضارياً، والتي أجملها في سبعة:
- الخلافات السياسية والعصبية وتنازع الرياسة والجاه.
- الخلافات الدينية والمذهبية..
- الانغماس في ألوان الترف والنعيم، والإقبال على المتعة والشهوات..
- إهمال العلوم والمعارف الكونية والإنشغال بفلسفات نظرية عقيمة..
- غرور الحكام.. وإهمال النظر في التطور الاجتماعي للأمم..
- التقليد الأعمى والانخداع بدسائس المتملقين من خصومهم..
- إنتقال السلطة إلى.. مَن لم يتذوقوا طعم الإسلام الصحيح.. [٨]
لهذا، إعتبر حسن البنا أن مشروع جماعة الإخوان المسلمين يرتكز بالأساس على الشعوب، فهى (دعوة من الدعوات التجديدة لحياة الشعوب) [٩]
الوطن وحدود الإنتماء
تشكَّلت الدولة في عصر الحضارة الإسلامية على مفهوم (الأمة)، من بعد الخلافة الراشدة ثم الخلافة الأموية ثم العباسية وانتهاءً بالدولة العثمانية.
و الأمة في الإسلام ترتبط بالإجتماع على الإسلام وقِيَمه لا على الأعراق القومية، فــ (لم يكن حتى هذا العهد من التاريخ يُنظر للوطن بمفهوم الأرض الجغرافية في الدرجة الأولى، وإنما كان مفهوم الوطن مرتبطًا بالعقيدة وسعة الأمة الإسلامية، فلم تكن القومية أو اللغة الفيصل في تعريف الوطن، ولم تكن الدول الإسلامية تعتبر حدودها الجغرافية حدودًا سياسية ثابتة) [١٠]
لكن منذ الغزو الغربي لبلاد المسلمين، أُعتبرت حدود اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916، هى الحدود السياسية للبلاد العربية! وارتبط في الأذهان مفهوم الوطن بهذه الحدود التي اصطنعها المستعمر الغربي! لتفكيك العالم الإسلامي وتجزئته، وهو ذات المفهوم الذي تبنَّته القوى العلمانية واقتصرت عليه..
وقد اعتبر حسن البنا أنه لا تعارض بين الإنتماء للوطن وبين الإنتماء للأمة والإسلام، فقال في رسالة "نحو النور" (إن الأمة في حالة نهوضها – وهذا شأن مصر كما قرر – تحتاج إلي الاعتزاز بقوميتها، وطبع ذلك في نفوس الأبناء ليعطوا لخير الوطن وإعزازه، وأن هذا الشعور قد كفله الإسلام الذي جعل الشعور الوطني مرتبط بالعقيدة.. وليس فى الدنيا نظام يمد الأمة الناهضة بما تحتاج إليه من نظم وقواعد وعواطف ومشاعر كما يمد الإسلام بذلك كله أممه الناهضة)
ويقول: "الفارق بين المسلمين وبين غيرهم من دعاة الوطنية المجردة أن أساس وطنية المسلمين العقيدة الإسلامية، فهم يعملون لوطن مثل مصر ويجاهدون فى سبيله ويفنون فى هذا الجهاد لأن مصر من أرض الإسلام وزعيمة أممه، كما أنهم لا يقفون بهذا الشعور عند حدودها بل يشركون معها فيه كل أرض إسلامية وكل وطن إسلامى، على حين يقف كل وطنى مجرد عند حدود أمته ولا يشعر بفرضية العمل للوطن إلا عن طريق التقليد أو الظهور أو المباهاة أو المنافع، لا عن طريق الفريضة المنزلة من الله على عباده، وحسبك من وطنية الإخوان المسلمين أنهم يعتقدون عقيدة جازمة لازمة أن التفريط فى أى شبر أرض يقطنه مسلم جريمة لا تغتفر حتى يعيدوه، أو يهلكوا دون إعادته، ولا نجاة لهم من الله إلا بهذا)
وفي رسالة "دعوتنا في طور جديد" يقول: (إننا مصريون بهذه البقعة الكريمة من الأرض التي نبتنا فيها ونشأنا عليها، ومصر بلد مؤمن تتلقى الإسلام تلقيًا كريمًا وقد انتهت إليه حضانة الفكرة الإسلامية والقيام عليها، فكيف لا نعمل لمصر ولخير مصر؟!)
ويقول: (.. إننا نعتز بأننا مخلصون لهذا الوطن الحبيب، عاملون له مجاهدون في سبيل خيره، وسنظل كذلك ماحيينا، معتقدين أن هذه هي الحلقة الأولي في سلسلة النهضة المنشودة، وأنها جزء من الوطن العربي العام، وأننا حين نعمل لمصر نعمل للعروبة وللشرق وللإسلام) [١١]
ولذلك إتفقت جماعة الإخوان المسلمين مع باقى القوى العلمانية في المطالبة بالإستقلال، إلا أنهم اختلفوا في حقيقة ونطاق هذا الإستقلال وفي مضمونه..
فقد إقتصر التيار العلماني مفهوم (الوطن)، على القطر الذي يقيمون فيه، توسع الإخوان في هذا الوطن، فقال البنا: (إفتتن الناس بدعوة الوطنية تارة والقومية تارة أخرى وبخاصة في الشرق حيث تشعر الشعوب الشرقية بإساءة الغرب إليها، إساءةً نالت من عزتها وكرامتها واستقلالها، وأخذت من مالها ومن دمها.. فهى تتألم من هذا النير الغربي الذي فرض عليها فرضا) [١٢]
ويقول: (أيها المصريون: نحن لا نقول لكم قصروا فى حقوق أوطانكم، ولا ندعوكم إلى أن تتركوا مصر وتعملوا لطرابلس أو لفلسطين، فإنه إذا كان الإسلام يفرض عليك -وأنت مصرى- أن تعمل لفلسطين ولطرابلس وللمغرب لأنها من أرض الإسلام، فإنه يفرض عليك ذلك لمصر؛ لأنها من أرض الإسلام؛ ولأن لها مرتبة الصدارة فى أرض الإسلام؛ ولأنها أقرب الميادين إليك، فمن واجبك أن تقوم بحقها وأن تعمل جاهدا لتحريرها وخيرها.
ولكنا نقول لك: إن من واجبك -مع هذا- أن تعرف حدود وطنك العام، وألا تهمل فى حق جزء منه يهدد بالضياع والإفناء وتذكر دائما واعمل دائما للوطن الإسلامي الفسيح الأكناف) [١٣]
وقد دعى الإمام البنا إلى الجهاد ضد الدول المستعمرة لبلاد المسلمين، قال: (فكل دولة اعتدت وتعتدى على أوطان الاسلام دولة ظالمة، لابد أن تكف عدوانها، ولابد من أن يعد المسلمون أنفسهم ويعملوا متساندين على التخلص من نيرها.. لأن الإسلام لا يرضى من أبنائه بأقل من الحرية والاستقلال، فضلا عن السيادة وإعلان الجهاد ، ولو كلفهم ذلك الدم والمال) [١٤]
وهكذا رأى الإمام حسن البنا أن الإنتماء للوطن الصغير (نصر)، لايتعارض مع الإنتماء للوطن الكبير (العروبة) أو الوطن الأكبر (الأمة الإسلامية).
المجتمع وطريق التحرر
وقد رأى الإمام حسن البنا أن العمل لحرية بلاده واستقلال أمته، يبدأ من بناء الإنسان وسلامة وتماسك المجتمع، فلم يتعامل مع المجتمع من موقع الرفض أو الإدانة، ففي حين أسرف البعض في وصف المجتمعات بالبدعة أو التكفير، لزم الإمام البنا جانب الإنصاف حين طالب المجتمع بإمساك ماعليه من خير وفضائل، واستكمال ما فاته من أخلاق وقيم، معترفاً بفضله وسبقه وتاريخه.
ولم يرضى الإمام البنا بتكفير الفرد بمعصية صغرت أم كبرت، فقال إننا: (لا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض - برأى أو معصية - إلا إن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر ..) [١٥]
ونقطة البداية تربية (الفرد)، فقال: (أيها الشباب، إن منهاج الإخوان المسلمين محدود المراحل، واضح الخُطوات، فنحن نعلم تمامًا ماذا نريد، ونعرف الوسيلة إلى تحقيق هذه الإرادة، نريد أولاً الرجل المسلم في تفكيره وعقيدته، وفي خُلقه وعاطفته، وفي عمله وتصرُّفه، فهذا هو تكويننا الفردي) [١٦]
ويقول: (وهذا الشعور القوي الذي يجب أن تَفيض به النفوس، وهذه اليقظة الرُّوحية التي ندعو الناس إليها، لا بد أن يكون لها أثرها العملي في حياتهم، ولا بد أن تَسبقها ولا شكَّ نهضة عملية تتناوَل الأفراد والأُسر والمجتمعات، وستعمل هذه اليقظة عملَها في الفرد، فإذا به نموذج قائم لما يريده الإسلام في الأفراد. إن الإسلام يريد في الفرد وجدانًا شاعرًا يتذوَّق الجمال والقُبح، وإدراكًا صحيحًا يتصوَّر الصواب والخطأ، وإرادة حازمة لا تَضعُف ولا تلين أمام الحق، وجسمًا سليمًا يقوم بأعباء الواجبات الإنسانية حقَّ القيام، ويُصبح أداة صالحة لتحقيق الإرادة الصالحة، ويَنصُر الحق والخير) [١٧]
وعندما تحدث عن المجتمع المصري، إعترف بما عليه من خير، وطالبه باستكماله وتمامه، فقال: (لقد اندمجت مصر بكليتها في الإسلام بكليته، عقيدته ولغته وحضارته، ودافعت عنه وذادت عن حياضه وردت عنه عادية المعتدين ... وليس الهدامة المدمرة . ومن هنا بدت مظاهر الإسلام قوية فياضة زاهرة دفاقة في كثير من جوانب الحياة المصرية : فأسماؤها إسلامية، ولغتها عربية، وهذه المساجد العظيمة يذكر فيها اسم الله ويعلو منها نداء الحق صباح مساء، وهذه مشاعرنا لا تهتز لشيء إهتزازها للإسلام وما يتصل بالاسلام . كل ذلك حق ..)، ثم يتحدث عن الطارئ الوافد، هو التغريب وما جرَّه على شعبنا من بلاء، فيقول: (.. ولكن هذه الحضارة الغربية قد غزتنا غزوا قويا، بالعلم والمال، وبالسياسة والترف والمتعة واللهو وضروب الحياة الناعمة العابثة المغرية التي لم تكن تعرفها من قبل . فأعجبنا بها، وركنا إليها، وأثر هذا الغزو فينا أبلغ الأثر، وانحسر ظل الفكرة الإسلامية عن الحياة الاجتماعية المصرية فى كثير من شئونها الهامة، واندفعنا نغير أوضاعنا الحيوية ونصبغ معظمها بالصبغة الأوربية، وحصرنا سلطان الاسلام في حياتنا على القلوب والمحاريب، وفصلنا عنه شئون الحياة العملية، وباعدنا بينه وبينها مباعدة شديدة، وبهذا أصبحنا نحيا حياة ثنائية متذبذبة أو متناقضة) [١٨]
وعندما حدد أهداف جماعته، بدأها بالفرد والمجتمع، ولم يبدأها بالسلطة والدولة، وهذا فارق مهم يفرق دعوة الإخوان المسلمين عن غيرها من الدعوات والأحزاب السياسية، فيقول في رسالة التعاليم: (و مراتب العمل المطلوبة من اللأخ الصادق : – إصلاح نفسه.. وتكوين بيت مسلم.. وإرشاد المجتمع، بنشر دعوة الخير فيه، ومحاربة الرزائل و المنكرات، و تشجيع الفضائل، والأمر بالمعروف، والمبادرة إلى فعل الخير، وكسب الرأي العام إلى جانب الفكرة الإسلامية، وصبغ مظاهر الحياة العامة بها دائما، وذلك واجب كل أخ على حدته، و واجب الجماعة كهيئة عاملة ..) [١٩]
وهكذا لم تتعارض عند دعاة المشروع الإسلامي، دوائر الإنتماء للوطن أو العروبة أو الإسلام، فالأمة التي صنعت حضارة إمتدت لعشرة قرون، فحفظت بها شعوبُها إستقلالَها وسيادتَها، هى ذاتها الأمة التي يسعى المشروع الإسلامي اليوم، إلى إستقلالها وسيادتها ونهضتها.
المصادر
- ↑ ثلاثيّة الثقافة والحضارة والإسلام https://www.aljazeera.net/blogs/2018/3/24/%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B6%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85
- ↑ محمد عمارة – الصحوة الإسلامية والتحدي الحضاري
- ↑ المصدر السابق
- ↑ الإخوان المسلمين في قلب التاريخ https://www.aljazeera.net/blogs/2017/7/16/الإخوان-المسلمين-في-قلب-التاريخ
- ↑ مجموعة الرسائل – رسالة (بين الأمس واليوم)
- ↑ جماعة الإخوان الحتمية التاريخية https://ikhwanwiki.net/index.php?title=%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AA%D9%85%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A%D8%A9#%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%A7%D8%A8%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9_%D9%88%D8%A3%D9%87%D8%AF%D8%A7%D9%81_%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86
- ↑ جماعة الإخوان الحتمية التاريخية https://ikhwanwiki.net/index.php?title=%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AA%D9%85%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A%D8%A9#%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%A7%D8%A8%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9_%D9%88%D8%A3%D9%87%D8%AF%D8%A7%D9%81_%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86
- ↑ مجموعة الرسائل – رسالة (بين الأمس واليوم)
- ↑ مجموعة الرسائل – رسالة (دعوتنا في طور جديد)
- ↑ هل يفرض الإسلام مفهوما خاصًّا عن الوطن؟ https://al-sabeel.net/%D9%87%D9%84-%D9%8A%D9%81%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%85%D9%81%D9%87%D9%88%D9%85%D8%A7-%D8%AE%D8%A7%D8%B5%D9%91%D9%8B%D8%A7-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86/?print=print
- ↑ مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا الوطن والمواطنة في فكر الإمام البنا https://www.ikhwanonline.com/article/250077
- ↑ مجموعة الرسائل – رسالة دعوتنا
- ↑ مجلة النذير، العدد “23”، السنة الأولى، 8 رمضان 1357ه- 31 أكتوبر 1938م، ص”3-4”.
- ↑ مجموعة الرسائل – رسالة المؤتمر الخامس
- ↑ مجموعة الرسائل – رسالة التعاليم
- ↑ مجموعة الرسائل – رسالة (إلى الشباب)
- ↑ مجموعة الرسائل – رسالة (دعوتنا في طور جديد)
- ↑ مجموعة الرسائل – رسالة (دعوتنا في طور جديد)
- ↑ مجموعة الرسائل – رسالة (التعاليم)