المَغانمُ والمغارم
بقلم: الشيخ نزيه مطرجي
يزعم الإنسان أن ليس عليه في الدنيا إلا السَّعْي لاكتساب المغانم واجتناب المغارم! ولكن الدنيا لا تُسايرهُ دائماً إلى ما يَروم، وإن أَسعدته فسعادتُها لا تدوم!
لقد أُصيب المسلمون في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم بالضرّاء فصبروا، ثم أُصيبوا بالسّراء فلم يصبروا! وقد كان تحذيرُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يؤكد على مخاطر إقبال الدنيا وفتنتها، فكان مما قاله: «لأَنا لفتنةِ السّراء أخوفُ عليكم من فتنة الضَّرّاء، إنكم ابتُليتم بفتنةِ الضّرّاء فَصَبَرتم، وإن الدنيا حُلْوة خَضِرة!» رواه البزّار، وقال: «إن مما أخاف عليكم ما يفتحُ الله من زهرة الدنيا وزينتها» رواه الشيخان, وقال الله عزّ وجل: {و فَرِحُوا بالحَياةِ الدُّنيا وما الحياةُ الدُّنيا في الآخِرة إلا مَتاعٌ} الرعد-26.
يُستهَلّ التباري بين الناس في الدنيا بالتنافس المحمود، بالسَّبق إلى أعمال الخيرللظَّفر برضوان الله والنعيم المقيم، كما حدث عندما شكا فقراء المهاجرين إلى النبي صلى الله عليه وسلم قائلين: «ذهب أهلُ الدثور بالأجور، وبالدرجات العُلى والنعيم المقيم»، ثم يهبط التنافس إلى زهرة الدنيا ومتاعها المشروع، من دون أن يُفسد الوُدّ بين الأصحاب، أو يُولّد الحسدَ والحقد. ثم ينحدر إلى التفاخر والتحاسد في ما يملكون من زهرة الدنيا وزينتها, وذلك هو الدّاء الدويّ الذي لا يُعمي الأبصارَ وحدَها، ولكن يُعمي العقول، والقلوب التي في الصدور.
ورد في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوماً: «إذا فُتحت عليكم فارسُ والرومُ أيّ قومٍ أنتم؟ قال عبد الرحمن بن عوف: نقول ما أمرنا الله. قال: أو غيرَ ذلك؟ تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون» أخرجه مسلم.
إن التنافس على امتلاك الدنيا وجمع الحُطام هو البلاء الذي أوقع بين الناس النّزاع والخِصام، والتزاحم والصِّدام، وأشعل معارك شديدة الضِّرام، أبطالها لئام، لها بداية وليس لها ختام.
إن استقراء أخلاق الوَرى، ومعرفة ما بدا منها وما اختفى، يوحي بأن الفقر آمَنُ من الغنى، وبأن أكثر الناس لا يَصلح لهم إلا الفقر، ولا سيّما أصحاب النفوس الخبيثة، والله تعالى يقول: {ولو بَسَطَ اللهُ الرّزقَ لعبادِهِ لبَغَوْا في الأرض ولكن يُنزِّلُ بِقَدَرٍ ما يشاءُ إنه بِعبادِهِ خبيرٌ بصيرٌ} الشورى-27، وجاء في الحديث: «إن هذا الدرهم والدينار أهلكا من كان قبلكم وهما يُهلكانكم» رواه الطبراني.
لقد حَمي وطيس التنافس والتحاسد في هذا الزمان، وعمّت شُرورهما الجماعات والمؤسسات.. فقلّما تجد فرداً أو قائداً يتعفّف عن إيقاد نارها، والخوض في حميمها! ومن يسلم من هذا الداء والبلاء فإنه كالياقوت والجوهر، والدرّ الأحمر، وهو كالذهب الإبريز والمعدن العزيز.
إن أقواماً في أوساط الدّعاة والمصلحين يفرّون من المغارم ولو كانت مناطاً للأجر والثواب، ولا يقصدون إلا المغانم، ولو كانت مَجْلبةً للعقاب والعذاب.
أقوام لا يُصلحهم إلا الغنى وحبُّ الظهور، ولو أفقرهم الله تعالى وأوضع منازلهم لأُفسِد عليهم دينُهم، ولساءت أخلاقُهم وطباعُهم.
قومٌ أقدامُهم في الماء وأنوفُهم في كبد السماء، يعملون الزمانَ الطويلَ، وهم يُسِرّون بنياتهم، ويَحجُبون طواياهم، حتى إذا ما حانت فرصتُهم، واكتملت خطتُهم، كشفوا النِّقاب، ورفعوا الحجاب، وأعلنوا عن تأسيس حركة جديدة، وجمعية عتيدة، بعد أن يمتلكوا الوسائل والمفاتيح، ويعرفوا المصادر والينابيع، وتنكَّروا لقادتهم وكبرائهم، ولسان حالهم يقول:
إنا دُنياي نفسي فإذا
- ذهبَتْ نفسي فلا عاشَ أحَد
وهكذا تتوالد جمعياتُ الطامعين الهُواة، كما تتوالد الخلايا والكائنات! فما أخصبَ هذه الأرحام, وما أتعس الأنام بالأنوف الشامخة التي تناطح الغَمام.
قال عَلْقَمة لصاحبه: لماذا لا تُبلون هؤلاء قبل أن يَسْتَبحرَ ضُرُّهم، ويستطيرَ شَرُّهم؟ قال ميسرة: إن الله وحده هو العليم بذات الصدور، الذي يعلم السرّ وأَخفى، ولا يُطْلع على غيبه أحداً. وقد أُعذِرَ واللهِ من يأخذُ بالظواهر، ويَدَعُ إلى الله تعالى أمر الخَفايا والسَّرائر.
المصدر
- مقال:المَغانمُ والمغارمموقع: الجماعة الإسلامية فى لبنان