بطانة حاقدة وقيادة فاسدة
بقلم : خميس النقيب
هناك اقوام يضيفون هالة الي زعيمهم ، ظلما وعدوانا ، كذبا ونفاقا ، زورا وبهتانا ، يضيفون الي عمله مالم يعمل ، ويزيدون في قوله ما لم يقل ، يريدون ان يرفعوه بغير حق ..!! هذا يخالف تعاليم الاسلام ، ولا يحبه الله لنبيه عليه الصلاة والسلام " فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ "(النور:63) ويقول النبي صلي الله عليه وسلم : من كذب علي متعمدا فليتبوأمقعده من النار...!!
بطانة الفراعنة والمستبدين:تجتهد في مدحِهم ، وتستميت في نفاقهم ، وتتسارع في مداهنتهم ، نعمْ شأنهم شأن أيِّ طاغية في أيِّ مكان، وشأن اي دكتاتور في كلِّ زمان، طغَى فرعون وانفردَ بالحُكم سنين وسنين؛ لأنه لم يجدْ مَن يردَعُه عن طُغيانه وإفساده؛ قال لموسى - عليه السلام - يومًا:﴿ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى ﴾[طه: 57]، وقالوا: ﴿ إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ﴾ [طه: 63]، فكان له السَّبْق والقُدوة، والمَثَل الأعلى في الطُّغيان والاستبداد، والانفراد بالحُكم لأطولِ فترةٍ ممكنة، والصلاحيات التي أعطاها لنفسِه عنوة؛ ليفرضَ رأيه وفسادَه على البلاد والعباد، وهذا هو دأبُ الحاكم الطاغية ، الذي يستعِبدُ الشعب، ويسرق ثرواتِه، واقواتَه ، فضلا علي استماتته لتحقيق رغباته ونزواته ، وتضخيم ثرواته وتعظيم عداواته ..!!
والطُّغاة - ما أكثرَهم - يُفسدون في الأرض بعدَ إصلاحها، يتَّخذون لهم بطانةً على شاكلتهم، تخون ولاتصون ، تهدم ولا تبني ، تقول ولا تعمل ، تحقد ولا تحب الخير لاحد ، جاؤوا يُكثِّرون السواد، وينشرون الفساد، ويُمهِّدون الطريق لتخريبِ البلاد والعباد، هذا حالهم، وهذا دَيْدنهم، وهذا عمَلهم؛﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ﴾ [الأعراف: 127].
إنَّه فرعون الملعون في القرآن، وبطانته الملعونة كذلك بالتبعيَّة، والمأخوذة بإفسادها في حقِّ البشرية،﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ﴾ [إبراهيم: 21].
" وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ "(النمل:48)
نَعَمْ، بطانةٌ كثيرًا ما سوَّلَتْ له سوءَ أفعاله، بل وأعانتْه على إفساده، فقلّبتْ له الأمور، وزيَّفت له الحقائق؛ وزينت له عمل الشيطان ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ [الكهف: 104].هم مراكِز القُوى، وركائز الفساد ، والبِطانة الحاقدة ، والحاشية الطاغية، فهي تتكوَّن وتقوَى كلَّما طالها مددُ حُكم الحاكم المستبد في الأرض، لم يكن لفرعونَ أن يطغى أو يستبد في الأرض إلاَّ لِمَا كان من سلبية شعْبه، وتركه يستخفُّ بعقولهم، فيفعل بهم ما شاء؛﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾ [الزخرف: 54].
وهم يُصدِّقون أفعالَه وأقواله، ويَمْدحون أقوالَه وأفعالَه، بل ويُصفِّقون له، ويُثنون عليه، مهما ثبَت خطؤها، وتبيَّن زيفُها، وما كان لفرعونَ أن يطغَى إلا ممَّا وجدَه من تشجيع بِطانته له، وانصياع شعْبه لأوامرِه، فمِن كثرة تملُّق بِطانته له ادَّعى أنَّه عليهم الربُّ الأعلى؛﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعات: 24]؛وكل هذا تَقرُّبًا إليه، ليفوزوا بالنصيبِ الأوفرِ مِن السلطة والأموال، والهبات التي لا تُعدُّ ولا تُحصَى لانفسهم دون غيرهم .
هُم الذين قالوا لفرعون: إنَّ موسى - على ما جاء به مِن البيِّنات - ساحرٌ عليم؛﴿ قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأعراف: 109].
وهُم الذين أشاروا على فرعونَ بجَمْع السحرة يومَ الزِّينة؛ ليبارزوا موسى - عليه السلام - ﴿ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ﴾ [الأعراف: 111 - 112].وهم الذين حقدوا علي المؤمنين الصالحين المصلحين فشجَّعوا فرعونَ على اضطهادهم ﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ ﴾ [الأعراف: 127].
والذين أغرقوا البلاد في الديون والفساد والتبعية كانوا بطانة خائنة حاقدة حول قيادة مستبدة فاسدة ، لذلك لم يهملهم القاهر الجبار سبحانه " بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ "(البقرة:117) ! ازاحهم وكشفهم وفضحهم في الدنيا وإليه سبحانه إيابهم وحسابهم في الاخرة ! " إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ "(الغاشية:25-26) ناهيك عن اللعنات المتتابعة والقبح المنتظر " وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ "(القصص:42)
هذه نهاية أي بِطانةُ حاقدة ،ومراكز القوى التي تُحيط بالحاكِم، التي لا تُعينه على حقّ، ولا تدفعه إلى صَواب، وإنما تدفعه إلى كل شرّ، وإلى كلِّ ظلم وإلى كل إفساد ، ولنَعلمْ علمَ اليقين: أنَّ هداية البشريَّة وإصلاح البلاد، ليستْ في رؤوس مصدّري الاستبداد ، ولا في عقول مروجي الظلم ، ولا في قلوب مدمني الفساد فلا يظنَّ أحد أنَّ النصر معلَّقٌ عليهم، أو مرهون بهم، وهم في هذه الحالة مِن السوء..!! و من الفساد والإفساد ..!! و من الظلم الاستبداد !
ولذلك كانتْ مهمَّة موسى مع فرعون ليستِ الهداية والنُّصح فحسبُ، بل كانت لإخراجِ بني إسرائيل مِن ظُلْمِه وبَطْشه ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ [الأعراف:105] ، ومن اراد ان يقود البلاد الي الخير والهدي فليتخذ بطانة تلهمه الرشاد و تدفعه الي الصواب وتهديه الي الحق وتعينه علي تحمل الامانة وتصدير الخير والبر ، تَرْوي السيدة عائشةُ - رضي الله عنها -: أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: (إذا أراد الله بالأميرِ خيرًا جعَل له وزيرَ صِدْق، إنْ نسِيَ ذكَّره، وإن ذَكَر أعانه، وإذا أراد به غيرَ ذلك، جعَل له وزيرَ سوء، إنْ نسِي لم يُذكِّره، وإن ذَكَر لم يُعِنه) رواه أبو داود، وصحَّحه الألباني.
فالرهان على الشُّعوب الإسلاميَّة لا على المستبدِّين الذين استباحوا حُرُماتِ المسلمين، واستحلُّوا أقواتَهم وأعراضهم، يجب ألاَّ نُعوِّل عليهم نصرًا مثلَما لم يعوِّل موسى - عليه السلام - على فرعون هدايةً...!!والرهان كذلك علي الذين عانوا كثيرا من ويلات هذا الظلم والاستبداد الا يذيقوه للاخرين وقد ذاقوه ، والا يسقوه للمعارضين وقد شربوه ، والا يمرروه للشعوب وقد تجرعوا مرارته ... اذن يكونوا او لا يكونوا ...!! نحن نؤمل فيهم من الخير الكثير ، وهذا ما سيبوح به المستقبل القريب باذن الله ..!! في المرة القدمة نلتقي مع بطانة عابدة وقيادة راشدة..الي اللقاء بعون الله ..!!
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك و يذل فيه أهل معصيتك و يؤمر فيه بالمعروف و ينهى فيه عن المنكر.. اللهم سَدِّدْ خُطانا إليك، شرِّفنا بالعمل لدِينك، ووفِّقنا للجهادِ في سبيلك، وغيِّر حالَنا لمرضاتك، امنحْنا التقوى، واهدْنا السبيل، وارزقنا الإلهامَ والرشاد، اللهمَّ ارزُقْنا الإخلاص في القوْل والعمل، ولا تجعلِ الدنيا أكبر همِّنا، ولا مبلغ عِلْمنا، وصلِّ اللهمَّ على سيدنا محمَّد وعلى أهله وصحْبه وسلِّم، والحمدُ لله ربِّ العالمين.
المصدر
- مقال:بطانة حاقدة وقيادة فاسدةموقع:الشبكة الدعوية