بين عبادة الذات والفناء في الآخرين
بقلم : محمد فتحي النادي
ما من شك أن أحدًا منا إلا ويحب نفسه، ويتمنى لها الخير والسعادة والهناءة، ولكن ما درجة هذا الحب، وإلى أي مدى يصل، هل هو حب بنّاء فاعل يربط هذه النفس بالنفس الجماعية؟
أم أنه حبٌّ يصل بالنفس إلى درجة أنها لا ترى إلا نفسها فلا يعمل صاحبها إلا لها متوسلاً بذلك بأية وسيلة سواء كانت حلالاً أم حرامًا، المهم أن يصل إلى إمتاعها بكل الملذات دون الارتداع برادع من سلطة أو قانون؟
لابد أن الدافع لهذا الصنف الأخير هو حب الذات، حبًّا يصل لدرجة تنذر بعواقب وخيمة، فلقد سيطر على هذه الذات الأثرة والأنانية، وهما من الأدواء الفتاكة على مستوى الأمم والأفراد، وإذا حلاّ بقوم لا تجد الهناءة تملأ قلوبهم حتى لو ملكوا الدنيا في أيديهم.
فبالأثرة والأنانية ينظر المرء للدنيا نظرة ضيقة؛ حيث لا يرى إلا نفسه، وكذلك يمنعانه من التعاون في الحياة؛ حيث يعيش الجميع منفردين، كأنهم يعيشون في جزر منعزلة بعضها عن بعض.
وعنهما تنتج أمراض خطيرة تضخم الكيان الفردي وتزلزل كيان المجتمع؛ فالأناني يفت في كبده أن يرى غيره مثله، بله أحسن منه، ويكاد يموت غيظًا وكمدًا لذلك.
والأناني سلبي؛ حيث يقبع في ذاته متصورًا أنها ذات تستحق كل خير، وأنها أولى بالهناءة والسعادة من غيرها.
لقد جعل ذاته مقصودة، وتوجه إليها بكُلِّيته، وجعل إرضاءها أكبر همه ومبلغ علمه، فلا يكاد يعصي لها أمرًا، وفي هذا الصنف قال أبو الفتح البستي:
يا خادِمَ الجِسْمِ كمْ تشقى بخِدْمَتهِ
- لِتطلُبَ الرَّبحَ في ما فِيه خُسْرانُ
نعم... يا لخسارة من يسعى لخدمة ذاته فحسب، فإنه يكتب على نفسه الفناء وإن كان يدب على وجه الأرض.
وقد حذر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من الذي يعيش لنفسه؛ لأنه ما استحق أن يعيش من عاش لنفسه فقط، فقال: "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ"([1])، "وذلك سهل على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدغل([2])"([3]).
ولكن الذي تسامت نفسه وتطلعت إلى المعالي يرى أنه بنفسه لا قيمة له، ولكنه بإخوانه يصنع المستحيل؛ حيث تتحقق الأحلام والآمال.
فهم أنكروا ذواتهم ولم يروا إلا إخوانهم، ورأوا أن الفناء في الآخرين هو عين الوجود والبقاء.
جاهد النَّفس جاهدًا فإذا ما
- فَنِيت عَنكَ فهي عينُ الوجودِ
ألم يخلد الله -تعالى- ذكرهم في كتابه ممتدحًا إياهم، وأوصى بهم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- خيرًا فقال: "وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّى لأُحِبُّكُمْ، إِنَّ الأَنْصَارَ قَدْ قَضَوْا مَا عَلَيْهِمْ وَبَقِيَ الَّذِي عَلَيْكُمْ، فَأَحْسِنُوا إِلَى مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ"([4])؟!
فنحن اليوم في أشد الحاجة لهذا الصنف الذي به تُبنى الأمم، وعلى أكتافه تقوم النهضات وتنشأ الحضارات، هذا الصنف الذي يعمل ولا ينتظر جزاء ولا شكورًا إلا من رب العالمين، فهو وحده الذي يكافئهم على ما قدموه لمجتمعاتهم وأوطانهم.
محمد فتحي النادي
باحث في الفكر الإسلامي
المصدر
- مقال:بين عبادة الذات والفناء في الآخرينموقع:الشبكة الدعوية