تأملات في كتاب «من وحي القلم» للرافعي

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
تأملات في كتاب «من وحي القلم» للرافعي

المستشار عبد الله العقيل

لقد طلبت مني مجلة الفيصل الغراء الإسهام في (ملف الرافعي) الذي تعده، فأردت الاعتذار؛ لأنني لست من فرسان هذا الميدان ولا من رجاله، ولا أنا من أصحاب القلم المتمرسين بالكتابة، أو الأدباء والنقاد الذين يستمتع الناس بأسلوبهم أو يستشرفون لنقدهم، كل بضاعتي وزادي أنني أحب الأدب وأهله، وأطرب للشعر الأصيل، وأتذوق الأسلوب الجميل، ويشدني الأدب الرفيع، وأهيم بأصحاب الصدق والحق، ممن يُسَخِّرُون شعرهم ونثرهم ونقدهم للمبادئ السامية والأهداف النبيلة، والآفاق العالية، ويقودون أمتهم إلى معالي الأمور.

وأحمد الله أنني من المتابعين لإصدارات الأدباء الجادين، والنقاد المخلصين، وما ينشر في مجلاتنا وصحفنا الوطنية والعربية، ولقد أسعدني أن تنهض مجلة (الفيصل) الغراء بتقديم مثل هذه الدراسات عن الأدباء الفحول في عالمنا العربي، الذين أسدل عليهم ستار النسيان، وغمطوا حق التعريف، وشملهم التعتيم الإعلامي؛ حتى جهل قدرهم الكثير من شبابنا، ولم يتزودوا بفيض علمهم، ولم يطلعوا على كنوز أفكارهم، ولم يعيشوا في أجواء أسلوبهم الأدبي الرفيع وبيانهم الرائع البديع.

أديب البيان القرآني

إن أديب العربية الكبير الأستاذ مصطفى صادق الرافعي (يرحمه الله) علم من أعلام الأدب، وناقد من رواد النقد، وشاعر من فحول الشعراء، عرفته المعارك الأدبية الفارس المجلى، والكاتب الذي يملك ناصية الكلمة، وما صولاته وجولاته مع الدكتور طه حسين، والأستاذ عباس محمود العقاد، والدكتور زكي مبارك وغيرهم، إلا دليل على تمكنه من العربية وآدابها، والنقد الأدبي وأساليبه، وهل قرأ أدباؤنا اليوم أفضل وأقوى وأمتع من هذه الروائع التي صاغها بيان الرافعي وسجلتها يراعه، مثل: (وحي القلم)، و(إعجاز القرآن والبلاغة النبوية)، و(تاريخ آداب العرب)، و(المساكين)، و(السحاب الأحمر)، و(أوراق الورد)، و(رسائل الأحزان)، و(حديث القمر)، فضلاً عن شعره الصادق في دواوينه التي أثنى عليها فحول الشعراء كالبارودي واليازجي والكاظمي، ونقده اللاذع في كتابيه: (تحت راية القرآن)، و(على السفود).

إن خياله الخصب، وبيانه الرائع، وأسلوبه الأخاذ، الذي يرتفع بمستوى القارئ إلى دنيا المعاني، ودقة النظر وحسن التمييز، وجمال الصورة، وإشراق النفس ميزة تميز بها الرافعي، وتفرد بها من بين أدباء عصره.

وما أصدق ما قاله في صفة الأديب: «.... إن الأديب يشرف على هذه الدنيا من بصيرته، فإذا وقائع الحياة في حذو واحد من النزاع والتناقض، فإذا تلجلج ذلك في نفسه، اتجهت هذه النفس العالية إلى أن تحفظ للدنيا حقائق الضمير والإنسانية والإيمان والفضيلة، وقامت حارسة على ما صنع الناس؛ لأن رسالتها للعالم هي تقرير الحب للمتعادين، وبسط الرحمة للمتنازعين، وأن تجمع الكل على الجمال وهو لا يختلف في لذته، وتصل بينهم بالحقيقة، وهي لا تتفرق في موعظتها، وتشعرهم الحكمة وهي لا تنازع في مناحيها، فإن لم يكن للأديب مَثَلٌ أعلى يجهد في تحقيقه ويعمل في سبيله، فهو أديب حالة من الحالات، لا أديب عصر ولا أديب جيل، وبذلك وحده كان أهل المثل الأعلى في كل عصر هم الأرقام الإنسانية التي يلقيها العصر في آخر أيامه ليحسب ربحه وخسارته.

وهل باستطاعة مثلي أن يقول عن الأستاذ الرافعي ما ينصفه ويعطيه بعض حقه، وعن أي النواحي يمكنني الكتابة وأنا قليل البضاعة في سوق الأدب، خالي الوفاض في ميدان النقد، كل ما أملكه هو حبي لهؤلاء الأدباء، وتذوقي لأسلوبهم، وتأثري بأفكارهم، وتألمي لنسيانهم ولإهمال ذكرهم، وهم القمم السامقة، والرواسي الثابتة، التي لا تميد أمام الأعاصير ولا تتزلزل أمام الأحداث.

العقيدة والمنهج والأثر

ويقول الرافعي (يرحمه الله) عن أسلوبه الأدبي: «... ربما عابوا السمو الأدبي بأنه قليل، ولكن الخير كذلك، وبأنه مخالف، ولكن الحق كذلك، وبأنه محير، ولكن الحسن كذلك، وبأنه كثير التكاليف، ولكن الحرية كذلك».

ويقول تلميذه سعيد العريان في وصف كتابه (وحي القلم): «هذا آخر كتاب أنشأه الرافعي، ففيه النفحة الأخيرة من أنفاسه، والنبضة الأخيرة من قلبه، والومضة الأخيرة من وجدانه، إن هذا الكتاب يجمع كل خصائص الرافعي الأدبية، متميزة بوضوح، فمن شاء فليقرأه دون سائر كتبه، فسينكشف له الرافعي في سائر كتبه».

إن الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي قد انبرى ينافح عن عقيدة الإسلام، ويذب عن لغة القرآن، ويدعو إلى السمو الأدبي والاعتزاز بتراث الأمة العربية الأصيل، المتمثل في آدابها وعلومها وحضارتها وخصائصها ومقوماتها، فهي الأمة الرائدة ذات التاريخ العريق، والتي تأبى الذوبان في غيرها أو الانسلاخ من أصولها، بل تعايش الزمن، وتقتبس من الحضارات أجمل ما في آدابها، وتجني من العلوم أطيب ثمارها؛ لأن الحكمة ضالتها أينما وجدتها.

لقد خاض الأستاذ الرافعي معارك عديدة مع الذين يريدون تغريب الأمة، وسلخها من تاريخها، أو النيل من عقيدتها، وهجر لغتها، من أدعياء الأدب وصعاليك الصحافة ودعاة العامية، وتلامذة المستشرقين والمطبوعين بتقليد الغرب في خيره، وشره، وحلوه، ومره.

وكان منهجه - في شعره وأدبه ونقده - منهج الأديب الملتزم الذي يعتز بمثله، ويحلق في سماء أمجاده، ويعالج مشكلات أمته، ويواكب مسيرة الحياة بهدى عقيدته ونور بصيرته، فكان صاحب مدرسة متميزة بأفكارها وأسلوبها وسموها وواقعيتها.

ولقد تركت هذه المدرسة بصماتها على بعض أدباء العربية الذين تأثروا بالأديب الرافعي، كالأساتذة: محمود محمد شاكر، وعبد المنعم خلاف، وعلي الطنطاوي وغيرهم، فضلاً عن الأستاذ سعيد العريان التلميذ الوفي لأستاذه في حياته وبعد مماته.

إن الأديب الرافعي لم يوف حقه من أبناء جيله ولا ممن جاءوا بعدهم، وما زال تراثه الأدبي بمعزل عن التناول والدراسة إلا من القليل من الكُتَّاب والأدباء، وفي هذا غاية الجحود والنكران، فحري بأدبائنا وجامعاتنا في العالم العربي كله أن تنهض بدورها وتضطلع بمسؤولياتها في تقديم التراث الأدبي للرافعي ودراسته ونقده؛ لينهل منه الجيل المعاصر، ويتذوق هذا الأدب السامي الرفيع في كل مجالاته وآفاقه وفنونه وأساليبه، وإنني لأحيي تلك الجهود التي بذلها بعض الدارسين - على قلتها – لدراسة أدب الرافعي، وآمل من رابطة الأدب الإسلامي الحديث وأعضائها الأدباء أن يعطوا أديب العربية الأستاذ مصطفى صادق الرافعي ما يستحقه وما هو أهله من الدراسة والتحقيق والتعريف والتقديم، فهذا من أولى مهماتها، وأول واجباتها؛ لأن الرافعي هو رائد الأدب الإسلامي وطليعته وحادي ركبه في عصرنا الحاضر.

الفكرة العابدة

يقول العريان عن أستاذه الرافعي وأسلوبه:

«... والرافعي عند طائفة من قراء العربية أديب عَسِرُ الهضم، وهو عند كثير من هذه الطائفة متكلف لا يصدر عن طبع، وعند بعضهم غامض معمي، لا تخلص إليه النفس، ولكنه عند الكثرة من أهل الأدب وذوي الذوق البياني الخالص، أديب الأمة العربية المسلمة، يعبر بلسانها، وينطق عن ذات نفسها، فما يعيب عليه عائب إلا من نقص في وسائله، أو كدرة في طبعه، أو لأن بينه وبين طبيعة النفس العربية المسلمة - التي ينطق الرافعي بلسانها - حجابًا يباعد بينه وبين ما يقرأ روحًا ومعنى...».

ومن هذا المنطلق الذي أشار إليه الأستاذ العريان، أقول للكثيرين ممن يجهلون أدب الرافعي، ويثقل عليهم هضمه: حاولوا أن تقرأوا كتابه (وحي القلم)، واختاروا ما شئتم من موضوعاته وقصصه ومقالاته، وتأملوا في عمقها، وتذوقوا أسلوبها، وانظروا إلى هدفها وثمرتها، فهو كاتب وأديب يسخر الأدب للعقيدة الإسلامية والحياة الكريمة والمنهج المستقيم، وينظر إلى الكون والإنسان والحياة والأشياء نظرة الفيلسوف المتأمل والعابد المتنسك، الذي يأخذ العبرة والعظة من كل شيء ويصوغ حياته وخلقه وفق التصور الإسلامي الصحيح المستقى من كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم).

ولنتأمل معًا بعض هذه المقالات في أجزاء هذا الكتاب (وحي القلم)، الذي ينبغي أن يكون أول ما يقرأ من كتبه؛ لأنه يعود قارئه أسلوب الرافعي فيسهل عليه قراءة بقية مؤلفاته.

يصور لنا الرافعي في قصة (اليمامتان) بحواره الجميل الأخاذ الذي يديره على لسان مارية وأرمانوسة: أن المسلمين هم العقل الجديد الذي سيضع في العالم تمييزه بين الحق والباطل، وأن نبيهم أطهر من السحابة في سمائها، وأنهم جميعًا ينبعثون من حدود دينهم وفضائله، لا من حدود أَنفسهم وشهواتها، فكيف لا تفتح الدنيا لقوم لا يحاربون الأمم، بل يحاربون ما فيها من الظلم والكفر والرذيلة».

وينعكس تصوره الإسلامي على رأيه في «العيد» وما يجب أن يمثله العيد بالنسبة للمسلم، وينبه الناس إلى معنى العيد في الإسلام فيقول:

ما أشد حاجتنا - نحن المسلمين - إلى أن نفهم أعيادنا فهمًا جديدًا، نتلقاها به ونأخذها من ناحيته، فتجيء أيامًا سعيدة عاملة، تنبه فينا أوصافها القوية، وتجدد نفوسنا بمعانيها، لا كما تجيء الآن كالحة عاطلة ممسوحة من المعنى، أكبر عملها تجديد الثياب، وتحديد الفراغ، وزيادة ابتسامة على النفاق... فالعيد إنما هو المعنى الذي يكون في اليوم لا اليوم نفسه، وكان العيد في الإسلام هو عيد الفكرة العابدة، فأصبح عيد الفكرة العابثة.

وفي مقال «أيها البحر» يتأمل الرافعي قدرة الله في حركة الطبيعة، ويقارن بين دنيا البحر ودنيا الناس، وأثر الأول في الثاني، وما أكثر ما جاء ذكر البحر والسفينة في القرآن الكريم من باب تذكير الإنسان بقدرة الله عليه، لهذا يقول الرافعي:

أيها البحر قد ملأتك قوة الله لتثبت فراغ الأرض لأهل الأرض ليس فيك ممالك ولا حدود، وليس عليك سلطان لهذا الإنسان المغرور وتجيش بالناس وبالسفن العظيمة، كأنك تحمل من هؤلاء وهؤلاء قشًّا ترمي به. إذا ركبك الملحد أيها البحر، فرجفت من تحته، وهدرت عليه وثرت به، وأريته رأي العين كأنه بين سماءين ستنطبق إحداهما على الأخرى فتقفلان عليه، تركته يتطأطأ ويتواضع، كأنك تهزه وتهز أفكاره معًا، وتدحرجه وتدحرجها، واطرت كل ما في عقله فيلجأ إلى الله بعقل طفل، وكشفت له عن الحقيقة: إن نسيان الله ليس عمل العقل، ولكنه عمل الغفلة والأمن وطول السلامة.

المرأة والزواج

لن يتفاوت الناس بالمال، تختلف درجاتهم به، وتكون مراتبهم على مقداره، تكثر به مرة وتقل مرة، إلا إذا فسد الزمان وبطلت قضية العقل، وتعطل موجب الشرع، وأصبحت السجايا تتحول، يملكها من يملك المال، ويخسرها من يخسره، والذهب والفضلة قد يكون شعاعهما في هذه الدنيا أضوأ من شمسها وقمرها، ولكنهما في نور النفس المؤمنة كحصاتين يأخذهما من تحت قدميه.

وفي قصة (الطائشة) ينحي الرافعي باللائمة على المجتمع الذي ترك المرأة مهملة دون الضوابط الخلقية، فقال:

ويل للمجتمع من المرأة العصرية التي أنشأها ضعف الرجل! إن الشيطان لو خُيِّر في غير شكله لما اختار إلا أن يكون امرأة حرة متعلمة خيالية كاسدة لا تجد الزوج!

ويل للمجتمع من عذراء بائرة خيالية، تريد أن تفر من أنها عذراء! لقد امتلأت الأرض من هذه القنابل، ولكن ما من امرأة تفرط في فضيلتها إلا وهي ذنب رجل قد أهمل في واجبه، هذه المدنية ستنقلب إلى الحيوانية بعينها، فالحيوان الذي لا يعرف النسب لا تعرف أنثاه العِرْض! وهل كان عبثًا أن يفرض الدين في الزواج شروطًا وحقوقًا للرجل والمرأة والنسل؟ ولكن أين الدين؟ وا أسفاه! لقد مدَّنُوه هو أيضًا!

والرافعي - الذي أحب المرأة وعشق جمالها وتغنى به وكتب أروع ما كتب في النثر العربي الحديث عن فلسفة الجمال والحب والمرأة - يطلب هذا الجمال عفيفًا، ويرى حجاب المرأة أكبر صون لجمالها من الابتذال، وأكبر حافظ لعفتها من الهتك، فهو يقول في مقالة «تربية لؤلؤية»:

إذا أنت كشفت جذور الشجرة لتطلقها بزعمك من حجابها، وتخرجها إلى النور والحرية، فإّنما أعطيتها النور، ولكن معه الضعف، والحرية ومعها الانتقاض، وتكون قد أخرجتها من حجابها ومن طبيعتها معًا، فخذها بعد ذلك خشبًا لا ثمرًا، ومنظر شجرة لا شجرة، لقد أعطيتها من علمك لا من حياتها، وجهلت أنها من أطباق الثرى في قانون حياتها، لا في قانون حجابها، أفليست كذلك جذور الشجرة الإنسانية؟

وما الحجاب إلا حفظ روحانية المرأة للمرأة، وإغلاء سعرها في الاجتماع، وصونها من التبذل الممقوت؛ لضبطها في حدود كحدود الربح من هذا القانون الصارم، قانون العَرْضِ والطلب، والارتفاع بها عن أن تكون سلعة بائرة ينادَى عليها في مدارج الطرق والأسواق: العيون الكحيلة، الخدود الوردية، الشفاه الياقوتية، الثغور اللؤلؤية، الأعطاف المرتجة، النهود ال.. ال.. أوليس فتياتنا قد انتهين من الكساد بعد نبذ الحجاب إلى هذه الغاية، وأصبحن إن لم ينادين على أنفسهن بمثل هذا فإنهن لا يظهرن في الطرق إلا لتنادي أجسامهن بمثل هذا؟

وفي مقالة بعنوان «استنوق الجمل» يحذر الرافعي الشباب المنطلق وراء شهواته، العازف عن طريق الحلال لتحصين نفسه بالزواج. ويرى أن من سقوط النفس أن يغتر الشاب فتاة حتى إذا وافق غرتها مكر بها وتركها بعد أن يلبسها عارها الأبدي. ويشبه الرافعي هذا النوع من الشباب باللص الخبيث الفاتك.

ويعد هذا النوع من سقوط النفس البشرية لداء اجتماعي خطير لا تزال تعاني منه المجتمعات العربية المسلمة وهو داء «غلاء المهور»، وتعطل الشباب؛ مما جعلهم يسعون إلى الفتاة الغنية وإهمال ذات الدين والأصل الكريم لفقرها، ومنها ابتغاء الفتاة زوجًا ذا جاه أو ثراء، وعزوفها عن الفاضل ذي الكفاف أو اليسير على غنى من رجولته وفضائله، ويسمى الرافعي - يرحمه الله - هذا النوع من الرباط بأنه «زواج الدينار بالسبيكة والسبيكة بالدينار»، ويقول الرافعي معللاً:

وأعظم أسباب هذا السقوط في رأيي هو ضعف التربية الدينية في الجنسين، وخاصة الشبان، ظنًّا من الناس أن الدين شأن زائد على الحياة، مع أنه هو لا غيره نظام هذه الحياة وقوامها في كل ما يتصل منها بالنفس، وليست المدنية الصحيحة - كما يحسب المفتونون - هي نوع المعيشة للحياة ومادتها، بل نوع العقيدة بالحياة ومعانيها، وإلى هذا ترمي كل مبادئ الإسلام، فإن هذا الدين القوي الإنساني لا يعبأ بزخارف كهذه التي تتلبس بها المدنية الأوروبية القائمة على الاستمتاع، وفنون اللذات، وانطلاق الحرية بين الجنسين، فهذا بعينه هو التحطيم الإنساني الذي ينتهي بتهدم تلك المدنية وخرابها، وإنما يعبأ الإسلام بالعقيدة التي تنظم الحياة تنظيمًا صحيحًا متساوقًا وافيًا بالمنفعة، قائمًا بالفضيلة، بعيدًا من الخلط والفوضى.

نصيحتي للشباب

ولن أسترسل في سرد هذه اللآلئ والدرر الرائعة لأستاذنا الكبير مصطفى صادق الرافعي، فالسرد لن يغني عن قراءتها كاملة في كتابه (وحي القلم)، وبقية كتبه التي أهيب بشباب العرب والمسلمين عمومًا، وشباب الصحوة الإسلامية على وجه الخصوص، أن ينهلوا من هذا المعين الصافي من الأدب الرصين، والفيض الرقراق، والسلسلبيل العذب الذي استقاه الرافعي نفسه من المورد الأصيل في الكتاب والسنة، فكان هذا الأدب الإسلامي العف، وهذا الأسلوب الحكيم السامي الأهداف الذي يبني الأمة، وبالأخص شبابها وشاباتها على ما يحيي النفوس، ويرقق المشاعر، ويرهف الأحاسيس، ويحلق بها في الآفاق، ويرتقي بالمجتمع إلى مدارج العلى والرفعة.

وإذا كانت بعض أوساطنا الأدبية قد شاع فيها الأدب الغريب والفكر الشاذ والمنهج المغاير لديننا ولغتنا وحضارتنا وتقاليدنا، فإنما تم ذلك بسبب الإعلام الذي صنع من الأقزام عمالقة، ومن التافهين رجالاً، وغمط حق الأدباء الملتزمين والشعراء الفحول، المتمسكين بدينهم، والمعتزين بلغتهم، والمنتمين إلى أصولهم.

كما تم ذلك بسبب تقصير المسلمين أنفسهم في أن يقتعدوا لأنفسهم مكان الصدارة، وأن يقدموا إنتاجهم؛ ليزحم ما سواه من الغث الذي تعج به أسواق الأدب، وليس فيه من الأدب سوى جمال الورق والطباعة، وزخرفة العناوين والرسوم، فهل نطمع أن يؤدي الأدباء الملتزمون دورهم؟ وهل نجد في صحفنا الأدبية ومجلاتنا العربية المجال الرحب الفسيح لثمار عقول الأدباء والشعراء الإسلاميين، كما تفعل مجلة (الفيصل) الغراء؟ نرجو ذلك ونؤمله.

المصدر