تهنئة الأستاذ جمعة أمين بمناسبة العام الهجري الجديد 1424هـ
بقلم : الأستاذ جمعة أمين
الإخوة الأحبة المسلمين ساكنى القلب، ومحبى الروح أينما كنتم فى مشارق الأرض ومغاربها، يا من اجتمعت قلوبنا جميعًا على محبة الله والتقت على طاعته، وتوحّدت على دعوته، وتعاهدت على نصرة شريعته، كل عام وأنتم بخير، والله نسأل أن يعيد هذه الذكرى العطرة - ذكرى هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم - والأمة الإسلامية والعربية فى أحسن حال يرضى عنه الله سبحانه وتعالى.
هذه الذكرى التي لعظمتها أرّخ بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه للمسلمين، وجعلها بداية عامهم؛ ذلك لأنها الحد الفاصل بين الكفر والإيمان، والنور والظلام، والقوة والضعف، بل الطاعة والمعصية، وتمييز الرجال الذين وضعوا الفهم السليم موضع التنفيذ فكانوا (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ)(الواقعة:10).
والمسلمون اليوم فى أمسّ الحاجة إلى الدروس المستفادة من هذه الهجرة، وما أكثرها من دروس، وما أعظمها من مواقف، وهي دروس لا يمكن أن تحصى؛ لأنها كلمات الله، وكلمات الله لا تنفد مهما اجتهد فى استنباط دروسها العالمون.
لقد كانت الهجرة بداية توطيد أركان الدولة، ولكن لابد للدولة من رجال، لذلك سبقت الهجرة إعداد وتربية للمهام الجسام التي تنتظرهم.. هؤلاء الرجال كانت لهم صفات أخلاقية قبل الخطوات التنفيذية، فهم أصحاب الأيدى المتوضئة، والجباه الساجدة، والأعين الدامعة، والأجساد الخاشعة، والأقدام المتورمة، والنفوس السويّة، والقلوب الرضيّة، تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا، سيماهم فى وجوههم من أثر السجود، هانت عليهم الدنيا فاستصغروها، وعظمت فى أعينهم الآخرة فسعوا إليها سعيها، يقولون (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)(طـه: من الآية84)
ترى فيهم من قال الله عنه (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) (البقرة:207) ممن عاشوا فى مكة وتربوا فى دار الأرقم، وأما الذين فى المدينة فكانوا على شوق اللقاء (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)(الحشر: من الآية9) تجسّد فى الجميع معاني الحبّ والتضحية، والفداء والبذل والعطاء، والشجاعة والإقدام، غرس فيهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مشاعر ثلاثة هى سبب كل عز ومفتاح كل نصر:
1- الشعور بعظمة الرسالة.
2- الاعتزاز بالانتساب إليها.
3- الثقة فى نصر الله لها.
وحتى لا يقول قائل إنه جيل لن يتكرر ولن يعود، أقول: من حيث الخيرية فنعم، أما من حيث المنهج وتطبيقه فلا، فمن أراد أن يعيد مجد هذه الأمة فليبدأ بما بدأ به الرسول -صلى الله عليه وسلم-:
1) بناء المسجد لتخريج الرجال (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآَصَالِ* رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ)(النور:37)
2) المؤاخاة (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)(الحجرات: من الآية10)
فإذا طبقنا هذا المنهج النبوي أجرى المولى النصر على أيدينا فلا نبالي ببوش وغطرسته وتجبره، ولا شارون وطغيانه وسفاهته، أو غيرهما من المفسدين فى الأرض (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)(القصص:5)، ويتحقق فينا وعد الله (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ* وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)(النور:55)
فهيا نهاجر إلى الله أولاً لنقيم الإسلام فى قلوبنا، هجرة من المعاصى والذنوب؛ يفتح الله بنا قلوب العباد قبل فتح البلاد 'أقيموا دولة الإسلام فى قلوبكم تقم على أرضكم'
والله نسأل أن يعيد هذه الأيام علينا جميعًا وقد مكّن الله لنا ديننا الذى ارتضى لنا.. اللهم آمين؛
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
30 من ذي الحجة 1423هـ = 3/3/2003م
المصدر
- مقال:تهنئة الأستاذ جمعة أمين بمناسبة العام الهجري الجديد 1424هـموقع:الشبكة الدعوية