ثقافة الإصلاح - الحلقة 3
بقلم : أحمد محمد زايد
الحمد لله وبعد :
ذكرت في مقالين سابقين بعنوان (ثقافة الإصلاح ) أن الإصلاح له مدخل نظري ( ثقافة ) ومدخل عملي ( خطوات تنفيذية ) وحديثي في هذه الحلقات يتناول المدخل الأول ( النظري ) المسمى بثقافة الإصلاح، وقد طرحت من قبل ركيزتين من ركائز (ثقافة الإصلاح) الركيزة الأولى بعنوان :
- نشروتعميق ثقافة الحقوق والركيزة الثانية بعنوان: الإيمان بالحاجة إلى التغيير وضرورته.
وفي هذه الحلقة أقدم الركيزة الثالثة من ركائز عشر أشرت إليها من قبل تمثل في جملتها – في تقديري – المدخل النظري للإصلاح، وهذه الركيزة بعنوان :
- الإيمان بإمكانية التغيير
- بعد بيان ضرورة الإيمان بأننا جميعا في حاجة ماسة إلى التغيير، وذلك بعد النقد الصريح والشديد لذواتنا وواقعنا على المستوى الفردي والجماعي، وبعد أن وقفنا على جوانب القصور التي تحتاج إلى إصلاح، وإيماننا الشديد بضرورة تغييرها وإصلاحها ننتقل إلى معنى آخر ينبغي أن يستقر في نفوسنا كعقيدة ألا وهو :
الإيمان بإمكانية التغيير
والمقصود أن نقتنع وتقتنع الجماهير معنا، أن التغيير ممكن لأنه سنة كونية وليست ضربا من المستحيل .
لكن لماذا يجب ترسيخ هذا المعنى كركيزة نظرية لعملية الإصلاح والتغيير؟
الناظر في حال المسلمين اليوم يجد عدة ألوان من الرؤى والقناعات في موضوعنا هذا، من هذه الرؤى والقناعات :
- رؤية البعض أن ما ننشده من إصلاح وتغيير وهم بل أمر مستحيل، ويستدل على تلك القناعة بعلو وسيطرة القوى العظمى على مقاليد الأمور كلها السياسية من الأمير إلى الخفير، والاقتصادية من الإبرة إلى الصاروخ، والثقافية من الألف إلى الياء و..و...و الخ .
- رؤية البعض الآخر أن التغيير لا يكون من صنع البشر بل هو إرادة إلهية خالصة يأتي بها الله من عنده إن شاء، \"والمكتوب على الجبين لازم تشوفه العين\"، ولا دخل لنا فيما يجري .
- رؤية أخرى ترى الطريق طويلا والشقة بعيدة فمتى وأين وكيف ؟
- رؤية أخرى رؤية تحميل الآخرين كل الواجب، فالشعوب تلقي العبء على الحكومات، والحكومات ربما اعتذرت بالواقع العالمي والضغوط الخارجية،والابن يلقي باللوم والمسئولية على أبية والعكس، وهكذا لأن جمهرة من الناس لا تتوقع حدوث تغيير، أو تهرب منه، ولسنا هنا في موطن إحصاء ما في الواقع من قناعات، إنما الخلاصة أن عدة قناعات انتشرت بين الجماهير مفادها أن التغيير أمر غير ممكن، أو على الأقل أمر بعيد.
والسؤال : هل التغيير ممكن، وهل من أدلة تثبت هذه الإمكان؟
أقول: التغيير ممكن نعم، والأدلة على ذلك كثيرة منها الشرعي، ومنها العقلي ومنها التاريخي، ومنها الواقعي وهاك طرف منها:
1- بعث الله تعالى الرسل لإحداث تغييرات هائلة في حياة البشر، تغييرات عقائدية وأخلاقية واقتصادية سياسية، بل جاءت الشرائع لتضبط حركة الحياة وفق مراد الله، وتنقلها عبر عملية تغيير فعالة من الظلمات إلى النور، وقد أحدثت رسل الله تغييرات هائلة في حياة البشر وهي بينة في كتاب الله تعالى .
2- الوعود القرآنية والنبوية المتكاثرة بنصرة المؤمنين والتمكين لهم (سورة النور آية :55) و(غافر آية :51) وغيرها،ودحر الكافرين وإزالة سلطانهم ( مصير الظالمين في قصص الأنبياء) كل ذلك تعبير عن تغيير يقع .
3- عندما يقول الله تعالى :\" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم\" الرعد:11 فإنه يقرر أن التغيير أمر كائن وواقع وليس مستحيلا، إن غيَّرنا أنفسنا إلى الخير والهدي كان خير الله إلينا أقرب، وهدايته لنا أسبق . والعكس صحيح.
4- إن طبيعة الأشياء حولنا التغيير، فكم ضال اهتدى، وكم فقير اغتنى، وكم جاهل تعلم، وكم قوي ضعف، وكم ضعيف قوي، وكم طاغية هلك، وكم مؤمن نجا وتمكن، كم أمة زالت وبظلمها بادت، وكم أمة ظهرت وتمكنت ... الخ.
5- بل في نفس الإنسان يرى التغير قائم في ذاته على مستوى عمره جملة، بل في الدقيقة الواحدة يجري التغيير، ما بين الحزن والفرح، وما بين الصحة والمرض، وما بين الخشوع وعدمه .... الخ.
6- وفي الواقع المشاهد أين كانت إسرائيل قبل نحو 59 عاما، وكيف وجدت، دولة قامت يوم آمن أصحابها بأن التغيير ممكن، أحيوا لغتهم من موات، وجمعوا جموعهم من شتات، وأقاموا دولتهم الغاصبة على أنقاض أنظمة خانت وظلمت وجبنت .
7- كيف قامت اليابان والصين وغيرهما واحتلت المراتب الأولى في قائمة الدول المتقدمة.
8- فما العقبة إذا وما المستحيل بعد ذلك، إنني أقول العقبة داخلية يوم أن فقدنا الأمل في التغيير وأوشك إيماننا بإمكانيته أن يتلاشى، وأصبحنا ننتظر خارقة تحدث التغيير، أما نحن فما علينا إلا الانتظار، إن مسألة الانتظار القاتل للمواهب، المعطل للقدرات، هو الذي آخر الأمة كثيرا، وأبعدها عن أهدافها في حين أن أمم الأرض تتغير وتغير، بل تفرض تغييرها على الآخرين ( ولنقرأ في العولمة وثقافتها وأهدافها لنعرف ذلك).
لقد كان الفاروق عمر رضي الله عنه يقول:\" أعوذ بالله من جلد الفاجر وعجز الثقة\" إن أمتنا مليئة بالخير المادي والمعنوي والبشري لكن عجز الثقات آفة تحتاج إلى علاج، لقد جالست من زملائي أهل العلم الشرعي نفرا رأيت فيهم هذا العجز القاتل الذي فقدوا بسببه كل أمل في الإصلاح، فقلت في نفسي إذا كان هؤلاء بهذه النفسية فكيف بآخرين.
لقد قال أبو تمام قديما :
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة فإن فساد الرأي أن تترددا.
يحث أصحاب الفكر على العمل، وأصحاب الهمة على الإقدام، وإلا فما فائدة التنظير .
إن التطلع للمستقبل بأمل معه عمل منهج إيماني مكلف به المؤمنون، :\" إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون\" يوسف :87.
وأختم هنا ببعض ما قاله الإمام البنا رضي الله عنه :
في رسالة (المؤتمر الخامس) يقول رحمه الله :
\"لا تيئسوا فليس اليأس من أخلاق المسلمين، وحقائق اليوم أحلام الأمس، وأحلام الأمس ، وأحلام اليوم حقائق الغد . ولا زال في الوقت متسع، ولا زالت عناصر السلامة قوية عظيمة في نفوس شعوبكم المؤمنة رغم طغيان مظاهر الفساد . والضعيف لا يظل ضعيفاً طول حياته، والقوي لا تدوم قوته أبد الآبدين : . (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص:5) . .
إن الزمان سيتمخض عن كثير من الحوادث الجسام، وإن الفرص ستسنح للأعمال العظيمة، وإن العالم ينظر دعوتكم دعوة الهداية والفوز والسلام لتخلصه مما هو فيه من آلام، وإن الدور عليكم في قيادة الأمم وسيادة الشعوب، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وترجون من الله ما لا يرجون، فاستعدوا واعملوا اليوم، فقد تعجزون عن العمل غداً .
لقد خاطبت المتحمسين منكم أن يتريثوا و ينتظروا دورة الزمان، و إني لأخاطب المتقاعدين أن ينهضوا و يعملوا فليس مع الجهاد راحة :
(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69) . وإلي الأمام دائماً \"
وفي رسالة ( التعاليم) يقول رحمه الله بعدما ذكر مراتب العمل الإصلاحي المنشود من الفرد المسلم والبيت المسلم والمجتمع المسلم ثم تحرير المجتمع من كل سلطان أجنبي ثم إصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية ثم إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية ثم و أستاذية العالم بنشر دعوة الإسلام في ربوعه ثم يقول بعد ذلك :
\" وهذه المراتب الأربعة الأخيرة تجب على الجماعة متحدة وعلى كل أخ باعتباره عضوا في الجماعة، وما أثقلها تبعات وما أعظمها مهمات، يراها الناس خيالا ويراها الأخ المسلم حقيقة، ولن نيأس أبدا، ولنا في الله أعظم الأمل. (وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21\" ا هـ .
إنه الأمل العريض الذي يدفع إليه الإيمان الكامل .
فيا أيها الدعاة والمصلحون لننشر هذا الأمل في قلوب الناس ولنصدع في نواديهم ونهمس في آذانهم ( أن آمنوا بأن الإصلاح ممكن، وأن التغيير قادم، فآمنوا بأقدار الله، وتفاعلوا مع سننه وغيروا ما بأنفسكم يغير الله ما بكم، وأيقنوا أن جهد البشر المستطاع هو المطلوب بذله، وودعوا الأماني وقوموا إلى العمل فالقوي لا يظل قويا طوال حياته، والضعيف لا يدوم ضعفه أبد الدهر.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
المصدر
- مقال:ثقافة الإصلاح - الحلقة 3موقع:الشبكة الدعوية