جيل فريد ونماذج مضيئة
بقلم : خميس النقيب
أطاعوا ربهم ، واتبعوا نبيهم ، وسلكوا طريقهم ، وسطروا مجدهم ... فكانت الهجرة مجدا لامة الاسلام ... جيل الصحابة الأطهار الذين اصطفاهم الله تعالي لدينه ، واختارهم لصحبة نبيه صلي الله عليه وسلم ..!! لنقف مع هذا الجيل الفريد ..!! هذا الجيل الذي سطر ملحمة الهجرة وترك لنا العظة والعبرة ، أنار الدنيا بفهم القران ، وزين الكون بروائع الايمان ، وحجزة لنفسه قصورا في الجنة بطاعة الرحمن ، وخلف ارثا رائعا لبني الانسان ..!! هذا الجيل الذي خلده الله تعالي في القران المدني " الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "(الأعراف:157) وذكرهم كذلك في القران المكي " وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ "(الأنفال:63)
الصحابة الذين لم تنجب الأرض مثلهم وربما لن تنجب الأرض مثلهم..!!! ، كانوا أفضل أهل الأرض من البشر ..!! إيمانا وإحسانا ، شجاعة وإقداما ، عطاء وإشراقا ..!! ..!! صفاء نفوس ، ونقاء سريرة ، وحسن سلوك وزهادة في الدنيا ، ورغبة في الآخرة ، إقبالا علي الله ، بذلا للنفس والنفيس ، وتضحية بكل شيء في سبيل الله عز وجل ، هؤلاء الذين اخلصوا لله نواياهم ، وصفوا لله سرائرهم ، وترفعت عن الدنيا هممهم ، وذهبوا عن المتاع الوقتي والاطمئنان الدنيوي فهموا أن ذلك يورد المهالك ..!! كيف ؟!! " إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ *أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ "(يونس:8)
مع أنهم فقراء إلا أنهم تركوا ديارهم وأموالهم بل وأبناءهم وأهليهم..!! لماذا ؟!! لينصروا الله تعالي و رسوله الله صلي الله عليه وسلم " لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ "(الحشر:8) هذه أهدافهم وهذه ميولهم وهذه رغباتهم ..!! يبتغون من فضل الله ، ينصرون الله ، ينصرون رسول الله لذلك صدقهم الله ".. أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ "(الحشر:8)
أين نحن من فضل الله ؟! وأين نحن من رضوان الله ؟! وأين نحن من كتاب الله ؟! وأين نحن من رسول الله؟! أين نحن من دعوة الله ومن منهج الله ومن سنة رسول الله ؟!! يوجهنا الله تعالي أن ننحاز إلي هؤلاء نحبهم ونصدقهم " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ "(التوبة:119)
مهاجرين وأنصار سطروا ملحمة ..!! نحن لا تتغني بها ولا نطرب لها بقدر ما ندرسها ونتعلم منها الدرس والتطبيق ، ونأخذ منها العبرة والعظة ... الهجرة ليست كلمة ..ليست قصة .. إنما هي تاريخ ..إنما هي دين .. إنما هي عقيدة .. إنما هي رسالة ..إنما هي عمل جماعي منقطع النظير ..!! الهجرة إسلام .... والإسلام استسلام لله لا لأحد سواه .!!
هل نحتفل بالأحداث كما يحتفل الآخرون ...؟!! يوقدون الشموع ويطفئون الأنوار، يطعمون الحرام ، ويشربون ما يزيد الآثام..!! يقدسون الحاضر ويعبدون التراب ويعصون الملك الوهاب ...!! كلا المسلم ليس كذلك ..!! المسلم ينظر ببصره وبصيرته إلي أصله الضارب في أعماق الزمن ، إلي أولئك الذين سطروا هذه الملحمة ..!! من مهاجرين وأنصار ، الذين ارتضوا لأنفسهم هذا الخيار .. نصرة الله تعالي ورسوله المختار ، الذين تبوؤوا الإيمان والدار ، يحبون المهاجرين ويحملون لهم أعظم الإيثار، فنجحوا في الدنيا وافلحوا في عقبي الدار ، حازوا الجنة ونجوا من النار ..!! يدخل احدهم إلي إيمانه كما يدخل احدكم إلي داره " َالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "(الحشر:9) هذا قران ، هذا كلام الله ، هذا منهج حياة ، هذا طريق النجاة ...!!
لم تكن الهجرة رحلة ترفيهية ، أو جولة سياحية ، أو نقلة استكشافية ..!! كلا وإنما هي خروج رجل امن في سربه ، قرير في بيته ، قانعا برزق ربه حاملا ولده إلي مصير مجهول ، ومكان معزول ، وطريق موعور لا يدري أيهلك أول الطريق أو آخره ..!! لكنه يذهب برضا نفس ونقاء سريرة ، يذهب لأنه يحب رسول الله صلي الله عليه وسلم " قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ "(آل عمران:31)
نماذج من المهاجرين : بعد أنتمت بيعة العقبة الثانية ونجح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفروالجهالة ـ وهو أخطر كسب حصل عليه الإسلام منذ بداية دعوته ـ أذن رسول الله صلىالله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى هذا الوطن.
ولم يكن معنى الهجرة إلاإهدار المصالح، والتضحية بالأموال، والنجاة بالشخص فحسب، مع الإشعار بأنه مستباحمنهوب قد يهلك في أول الطريق أو نهايته، وبأنه يسير نحو مستقبل مبهم، لا يدرى مايتمخض عنه من قلاقل وأحزان.
وبدأ المسلمون يهاجرون وهم يعرفون كل ذلك، وأخذ المشركون يحولون بينهم وبين خروجهم؛ لما كانوايحسون به من الخطر، وهذه نماذج مضيئة:
كان من أول المهاجرين أبو سلمة :هاجر قبل العقبة الكبرى بسنة على ماقاله ابن إسحاق ـ وزوجته وابنه، فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره: هذه نفسكغلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد؟ فأخذوا منهزوجته، وغضب آل أبي سلمة لرجلهم،فقالوا: لا نترك ابننا معها إذ نزعتموها منصاحبنا، وتجاذبوا الغلام بينهم فخلعوا يده، وذهبوا به. وانطلق أبو سلمة وحده إلىالمدينة ،وكانت أم سلمة رضي الله عنها و بعد ذهاب زوجها وضياع ابنها تخرجكل غداة بالأبطح تبكى حتى تمسى، ومضى على ذلك نحو سنة، فرق لها أحد ذويها وقال:ألا تخرجون هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وولدها، فقالوا لها: الحقيبزوجك إن شئت، فاسترجعت ابنها من عصبته، وخرجت تريد المدينة ـ رحلة تبلغ حواليخمسمائة كيلو متر تمر بين شواهق الجبال ومهالك الأودية ـ وليس معها أحد من خلقالله. حتى إذا كانت بالتَّنْعِيم لقيها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وبعد أن عرفحالها شيعها حتى أقدمها إلى المدينة، فلما نظر إلى قباء، قال: زوجك في هذه القريةفادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعًا إلى مكة.
وهاجر صُهَيْب بن سِنان الرومي: وذلك بعد رسول الله صلىالله عليه وسلم، فلما أراد الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثرمالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك.فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم، قال:فأني قد جعلت لكم مالي، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ربح صهيب، ربح صهيب).
هجرة عمر بن الخطاب : تواعد عمر بن الخطاب، وعَيَّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائلموضعًا اسمه التَّنَاضُب فوق سَرِف يصبحون عنده، ثم يهاجرون إلى المدينة،فاجتمع عمر وعياش، وحبس عنهما هشام.
ولما قدما المدينة ونزلا بقباء قدمأبو جهل وأخوه الحارث إلى عياش ـ وأم الثلاثة واحدة، وهي أسماء بنت مُخَرِّبَة ـفقالا له: إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط، ولا تستظل بشمس حتى تراك، فَرَقَّلها. فقال له عمر: يا عياش، إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينكفاحذرهم، فو الله لو آذى أمك القمل لا متشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت، فأبيعياش إلا الخروج معهما ليبر قسم أمه، فقال له عمر: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذناقتى هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانجعليها.
فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل:يابن أمي، والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى،فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه، ثم دخلابه مكة نهارًا موثقًا، وقالا: يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم، كما فعلنابسفيهنا هذا.
هذه ثلاثة نماذج لما كان المشركون يفعلونه بمن يريد الهجرةإذا علموا ذلك. ولكن على رغم ذلك خرج الناس أرسالًا يتبع بعضهم بعضًا. وبعدشهرين وبضعة أيام من بيعة العقبة الكبرى لم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول الله صلىالله عليه وسلم وأبو بكر وعلى ـ أقاما بأمره لهما ـ وإلا من احتبسه المشركون كرهًا،وقد أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جهازه ينتظر متى يؤمر بالخروج، وأعد أبو بكرجهازه.
روى البخاري عن عائشة قالت: قال رسولالله صلى الله عليه وسلم للمسلمين: (أني أريت دار هجرتكم، ذات نخل بينلابَتَيْن) ـ وهما الحرتان ـ فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجربأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله صلى اللهعليه وسلم: (على رِسْلِك، فأني أرجو أن يؤذن لي). فقال له أبو بكر: وهلترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: (نعم)، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى اللهعليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السَّمَر ـ وهو الخَبَطُ ـ أربعةأشهر.
الهجرة والمرأة : وقد شاركت المرأة في حدث الهجرة المباركة.. منهن أم سلمة هند بنت أبي أمية التي تعرضت لأذى بالغ من المشركين الذين أرادوا منعها من الهجرة ثم استلوا ابنها الرضيع منها حتى خلعوا يده ..لكنها صممت على الهجرة ونجحت في ذلك رغم الإخطار والمصاعب . وخلدت أسماء بنت أبي بكر ذكرها في التأريخ وحازت لقب ذات النطاقين عندما شقت نطاقها نصفين لتشد طعام المهاجرَين ، رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبي بكر رضي الله عنه وقد تتابعت هجرة النساء في الإسلام حتى شرعت في القرآن "إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن"( الممتحنة :10)
شاركت المرأة مع الرجل في هذه الملحمة العظيمة ، ونزل القران في الرجل والمرأة كذلك علي السواء في هذا الحدث ، ليستقي أهل الدعوة - رجل وامرأة ، شاب وفتاة - من معينها الصافي ، ونبعها المضيء ، فيتحركوا لنصرة الدين ، وحمل الدعوة ، واستعاد البشر
اللهم اجعلنا مهاجرين إليك ، فارين إليك ،متوجهين إليك ، مستعينين بك متوكلين عليك ، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل ،ولا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا ،وصلي اللهم علي سيدنا محمد وعلي أهله وصحبه وسم ،والحمد لله رب العالمين.
المصدر
- مقال:جيل فريد ونماذج مضيئةموقع:الشبكة الدعوية