حزب الله والمحاصصة
بقلم : فادي شامية
لا يمكن لـ "حزب الله" أن "يجهر" بأي طرح تعديلي لاتفاق الطائف. إيران التي تمده بأسباب الحياة، يمكنها أن "تقترح"، المتسلقون على جسده من رتبة الدرك الأسفل من السياسيين يمكنهم أن يقولوا: "إن الطائف سقط كصيغة لحكم لبنان"، لكن "الحزب" لا يمكنه فعل ذلك، أقله في هذه المرحلة من الصراع المحتدم في لبنان، سيما وأنه يدرك أن البديل عن "الطائف" هو الحرب الأهلية مجدداً، وأن "استثمار" الثقل النوعي للسلاح الذي يملكه فيما يتعدى النفوذ إلى محاولة تعديل "الصيغة"، يعني براءة ذمة لجميع الأطراف في لبنان، لتملك بدورها السلاح التي تحفظ فيه وجودها، لكن الذي يمكن لـ "حزب الله" أن يفعله، وهو ما يفعله راهناً، يقوم على أساس المحافظة الشكلية على "الصيغة"، ومحاولة تعديلها في الجوهر.
"الحصة الصافية"
في إطار "الصيغة اللبنانية" الفريدة، "حزب الله" هو من يسمّي نوابه الحزبيين، وهو يتفاهم مع حركة "أمل" على الباقي، وهذا حقه بلا خلاف، وكذلك فإن "حزب الله" هو يسمّي بالتفاهم مع "أمل" الوزراء الشيعة، وهذا أيضاً حقه، وهو بالاتفاق بينه وبين "حركة أمل" يحدد اسم رئيس مجلس النواب، وهذا أيضاً حق الشيعة، وحق "حزب الله" تالياً، باعتباره الحزب الذي يقود الشيعة اليوم. وبهذا الشكل يحفظ "حزب الله" حق الشيعة في "الصيغة اللبنانية" تماماً كما ينص اتفاق الطائف.
ومن المفيد هنا التذكير أن حركة 14 آذار، وفي عز ثورتها، لم تستطع "التلاعب" في "حصة" الشيعة التي يتحكم فيها الثنائي الشيعي "أمل" و"حزب الله" مع أرجحية واضحة للأخير، فهي لم تفرض رئيساً لمجلس النواب رغم أنها تملك الغالبية النيابية التي يمكن من خلالها أن تفرض أحد الشخصيات الشيعية المحترمة المنضوية في صفوفها، وهي لم تستطع تسمية أي من الوزراء الشيعة، ولم تنفرد برؤيتها لمستقبل لبنان، خلافاً لرأي الشيعة، فجاء البيان الوزاري على صيغته المعروفة، ولم تستطع إزاحة الرئيس لحود، خصمها السياسي الأول، بعدما غطاه "حزب الله"، إضافة إلى رفض البطريرك صفير، لكن لأسباب أخرى تتعلق بالموقع المسيحي الأول، كما أن الحكومة لم تستطع تجاهل رأي "الحزب" في عز الضغط العسكري عليه، وتالياً لم توافق على مشروع القرار 1701 إلا بعد أن وافق هو عليه، ولم تستطع فتح مجلس النواب من خلال نائب الرئيس "الأرثوذكسي"، بعدما تقاعس رئيسه "الشيعي" عن القيام بدوره... الخلاصة أن "حصة" الشيعة الصافية في اتفاق الطائف محفوظة ومحترمة ومهابة في كل المراحل كما أظهرت الأحداث.
"الحصص" الأخرى
الناظر في طروحات "حزب الله" اليوم، يلاحظ بوضوح محاولته فرض رأيه في ممثلي باقي الطوائف، ويسمع بأذنه ألفاظاً من قبيل الإمساك بـ "رقابهم"، ويستمع باندهاش إلى النظريات التبريرية لتجاهل رأيهم في القضايا الاستراتيجية، بحجج أشنع من الطرح نفسه تقوم على التخوين والعمالة جملة وأفراداً!.
ففي اللعبة السياسية يصر "حزب الله" على التحكم بقرار الحكومة، من خلال إصراره على أن يحصل ممثلوه وحلفاؤه، على الثلث المعطل والمحرَّر من أي أرضية سياسية مشتركة، وإلا فتغيير الحكومة والإتيان برئيس حكومة سني آخر، من الصنف الذي يرضى هو عنه، لا الذي يرشحه التيار الذي يمثل غالبية السنة، أي تيار المستقبل. وإذا كان هذا هو حال رئيس الحكومة فكذلك هو حال الوزراء، فليس خافياً أن الحزب لا يرضى عن أسماء محددة لدى السنة والدروز والمسيحيين، وإن كانت مفاوضات تشكيل "حكومة الوحدة الوطنية"، لم تكشف هذه النقطة، لتعذر الاتفاق على أرضية سياسية مشتركة، وإصرار الحزب على استقالة السنيورة كشرط لقبوله الحوار الجدي في لبنان، وكثمن لمقابلة السيد نصرالله للشيخ سعد الحريري!. أما في حال تمنّع الحكومة عن الرضوخ لإرادة "حزب الله"، واحترامها المواعيد الدستورية في انتخابات رئاسة الجمهورية، الموقع المسيحي الأول، فإن الحزب، مستغلاً عطش من يتلهف للوصول إلى بعبدا بأي ثمن، ومن خلال حليفه الرئيس نبيه بري، يعلن بوضوح أنه سيعطل جلسة الانتخاب من خلال تعطيل نصاب الانعقاد، الذي يعتبره هو وفريق من اللبنانيين أنه ثلثا النواب الأحياء، بمعنى آخر: إما أن يأتي حليفه ميشال عون، أو لا رئاسة، والأنكى من ذلك أن "حزب الله" لا يقبل بأن "تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء في حال خلو سدة الرئاسة"، كما تقول المادة 62 من الدستور، على اعتبار أن الحكومة الحالية من وجهة نظره "غير شرعية وغير دستورية وغير ميثاقية"، فضلاً عن كونها "حكومة غير وطنية، وأنها حكومة السفير فيلتمان"، وبناءً عليه فلدى "حزب الله" المبررات الكافية لإنشاء الحكومة التي يرضى هو عنها لحكم لبنان، في ظل غياب مجلس النواب بسبب قرار إقفاله، وغياب رئيس للبلاد بسبب تعذر الاتفاق عليه!.
... وفي الشراكة الوطنية
أما في الشراكة الوطنية فإن حزب الله على رأيه من الموضوعات الكبرى: من المحكمة الدولية، والعلاقة مع سوريا، إلى الاستراتيجية الدفاعية وقرار السلم والحرب، وكافة الموضوعات المطروحة الأخرى، وليس في ذلك غضاضة، فالتباين في النظرة إلى الأمور الاستراتيجية أمر طبيعي، في بلد كلبنان، لكن المشكلة تكمن في فرض "الحزب" إرادته على باقي الشركاء، والطعن في وطنيتهم، لتبرير "الهيمنة الكاملة"، المسماة لديه "شراكة وطنية". وكمثال صارخ على ذلك قال النائب حسين الحاج حسن مساء الجمعة 20-7-2007 من على شاشة المنار، "إن الحزب لن يشاور فريق 14 شباط في قرار السلم والحرب لأنهم ليسوا أهلاً للمشورة"، وذلك بعد تقديم طويل حاول من خلاله تخوين القوى الأساسية الداعمة لحكومة السنيورة بمناسبة الذكرى الأولى لعدوان تموز. إذاً لـ "حزب" وحده القرار الأخير فيما يدخل في مفهوم السلم والحرب، وما بقية اللبنانيين، الذين لا يشاطرونه رؤيته "الدفاعية"، إلا "خونة" عليهم أن يخضعوا للإرادة الوطنية التي يمثلها، والهادفة إلى "منع تسليم لبنان للأميركيين والصهاينة، مهما كلف الثمن"، وهذا بكل أسف ما يدل عليه واقع الحال، والكثير من "فلتتات" القول، وكميات الكذب اليومية والتعبئة التخوينية من قبل الشبكة الإعلامية الضخمة التي يمتلكها "الحزب" أو يؤثر فيها.
بناءً على ما تقدم فإن جوهر رؤية "حزب الله" المعلنة للحل في لبنان، هي الاحتفاظ بالصيغة الرقمية التي جاء بها اتفاق الطائف، مقابل التنازل في "النوعية"، والاعتراف فقط بأولئك الذين يؤيدون طروحاته من السنة والدروز والمسيحين، بغض النظر عن ثقلهم التمثيلي، وعلى هذا الأساس يتعاطى "حزب الله" في ملفي الرئاسة والحكومة حالياً، وقدر لبنان أن يدفع ثمناً باهظاً قبل أن يقتنع "حزب الله" بأن التلاعب بـ "الصيغة الرقمية" أو "النوعية"، كلاهما مدمر للبنان.
المصدر
- مقال:حزب الله والمحاصصةموقع:الشبكة الدعوية