حسن البنا وموقفه من مفهوم العلمانية .. قضية فصل الدين عن السياسة

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حسن البنا وموقفه من مفهوم العلمانية .. قضية فصل الدين عن السياسة


إخوان ويكي

ملخص

منذ نشأت جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 بمدينة الإسماعيلية وأثير حولها كثير من الشبهات والتهم القديمة الحديثة، والتي دعمها المحتل ونفذها أنصاره وأتباعه في بلاد المسلمين. حيث ظل هؤلاء المؤمنون بالحضارة الغربية أيما إيمان أنه لابد من فصل الدين عن السياسة، وأن الدين لم يعد صالحا لهذا الزمان، وأنه يجب أن ينحصر داخل أروقة المساجد، كما يحدث في الغرب حينما حصروا المسيحية (نظريا) داخل الكنيسة.

وهو ما جعل الصراع بين الإمام حسن البنا وبين هؤلاء الأتباع عمن أنصار العلمانية والشيوعية في محاولة لتقديم الحجج التي تؤكد وتثبت أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان. وأن الإخوان المسلمين لا يؤمنون بالسياسة الحزبية المقيتة لكنهم سياسيون يهتمون بشئون الوطن داخليا وخارجيا، وأن الشعب هو مصدر السلطات، وأن الإسلام نظم أطر العلاقة بين الحاكم والمحكومين والأدوات التي تضبط إقاع الحاكم دون أن يتحول لمستبد أو طاغية، وهو ما يرفضه الحكام المسلمين في محاولة من أجل تثبيت دعائم حكمهم وعروشهم.

ولذا كتب ودافع ووضح وبين الأستاذ البنا موقفه من العلمانية، وعلاقة الحكم بالإسلام، ومنهج الإخوان في علاقتهم بالسياسة.

أهمية البحث

يعود أهمية البحث لكونه يوضح حقيقة العلاقة بين الإسلام أولا والسياسة وباقي مناحي الحياة، وأن التشريع الإسلامي صالح لكل زمان ومكان. وأن منهج الإخوان هو منهج إسلامي وسطي يدخل في كل شئون الحياة والناس وينظمها لهم، وأن الإخوان لم يكونوا دعاة فحسب بل هم دعاة وسياسيون واقتصاديون. وأن التطبيق الخاطئ لتعاليم الإسلام في منظومة الحكم وشئون الحياة هي التي تنفر الناس من تعاليم الإسلام وتخوف البعض منه.

ففي البحث تأكيد على أن منهج الإخوان هو منهج إسلامي وسطي أصيل، وأنهم يشجعون الحكم النيابي الديمقراطي الذي يعتمد على تداول السلطة حيث يكون معيار الاختيار الكفاءة والخلق القويم.

المنهج البحثي المستخدم

اعتمدنا في هذا البحث على المنهج الاستقرائي لتحليل كلمات الشيخ حسن البنا ووضعها في إطارها الصحيح، كما اعتمدنا على المنهج التاريخي الذي أوضح منهج الإخوان في بداية دعوتهم وحينما وصلوا لأوج قوتهم في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي.

هيكل البحث

يتناول البحث موقف الأستاذ حسن البنا من العلمانية ومن قضية فصل الدين عن السياسة حيث جاء في:

  1. مقدمة
  2. العلمانية بين مفهوم الغرب والشرق
  3. الإخوان وتسييس الدين
  4. حسن البنا والفكر العلماني
  5. الإخوان والسياسة
  6. الدولة والدين متكاملان
  7. خاتمة
  8. المصادر

مقدمة

حسن البنا تلك الشخصية الجدلية التي أرست قواعد أكبر حركة إسلامية شعبية في العالم الإسلامي والتي انتشرت وتمدت في العديد من دول العالم وانتشر فكره حتى أصبح بشخصه وأفكاره ماده خصبه لجميع المراكز البحثية سواء المؤيده أو المعادية له، وما زال يتبوء الصدارة بين الشخصيات التي تناولتها الأقلام وخاضت في فكرها شرحا وتفصيلا.

مات حسن البنا عن عمر ليس بالكبير حيث رحل وعمره اثنين وأربعون عاما، قضى شطرها في بناء صرح جماعته، حتى أضحت أكبر الحركات الإسلامية من حيث أعمالها وعددها وفكرها واضطهاد الحكام لها بسبب تنوع نشاطها وفكرها الجامع الشامل لكل مناحي الحياة والمستمد من الشرع الحنيف.

في عام 1928 انطلقت مسيرة جماعة الإخوان المسلمين، ووضع البنا لكثير من الفكر القائم على مفاهيم وتعاليم الإسلام التي استقاها من خلال تربيته من الصغر، حيث كان لها الدور الكبير في تشكيل شخصيته بجانب كبار العلماء الذين تتلمذ على أيديهم.

يقول محمد حامد عليوة:

المتأمل فى كتابات الإمام الشهيد حسن البنا – رحمه الله – تجده يؤصل القضايا، ويحلل عناصرها، ويشخص الداء، ويحدد الدواء، يبث فى النفوس الأمل، ويحثها على الجهد والعمل.

استطاع حسن البنا خلال عشرين عاما أن يترك فكرا متنوعا في مجالات شتى مستخدما العديد من الأساليب والوسائل كالخطبة والعظة والمقال والرسالة التي كانت ترتسم لبنات فكره من خلالها حتى إذا مات في 12 فبراير 1949 اكتشف الجميع كم هائل من الكتابات التي أوضحت فكره.

العلمانية بين مفهوم الغرب والشرق

نشأت العلمانية في الغرب كرد فعل على استبداد الحكام واستعباد الناس باسم الدين مما دفعتهم للانقضاض على الإرث الاستبدادي والتخلص منه بفصل الدين عن شئون السياسة والحكم. إلا أن الغرب حينما نجح في ذلك بدافع شعبي كبير، عمد لتصديرها إلى الدول الإسلامية من أجل فصل تعاليم الدين الإسلامي عن مظاهر الحكم والسياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية وحصر المعتقدات والعبادات داخل المساجد فقط.

يقول رمضان الغنام:

تختلف العلمانية الغربية عن العلمانية العربية في دواعي الوجود والنشأة ففي حين جاءت العلمانية في الغرب لتحمل الخلاص للمجتمع الأوروبي من سنوات الاستبداد التي تحكمت فيها الكنسية باسم الدين في مصائر الناس وأقواتهم وأعمالهم، فإن علمانية الشرق جاءت على فوهات المدافع وفوق أساطيل الاستعمار ودباباته، وظلت تنخر في جسد الأمة الإسلامية، وامتد دورها إلى ما بعد الاستعمار لتبني في مستوطناتها الفكريّة المغتصبة وتمارس سياسات الاستبداد والقهر الديني والفكري والعلمي. (1)

غير أن الدكتور محمود مسعود – الأستاذ بكلية دار العلوم جامعة المنيا – أوضح أن العلمانية الغربية كانت داعمه للمسيحية إلا في بعض الحالات التي كانت ناقمة على الدين فيها، لكنها تحورت لتكون ضد الدين كليا حينما نقلها العلمانيين العرب إلى بلادهم وضد دينهم الإسلامي.

فيقول

"تعود فكرة هذا الكتاب إلى المناقشات التي كانت تدور في الإعلام الفرنسي حول مسالة الحجاب والعلمانية وكنت وقتئذ أعد رسالتي للدكتوراه في فرنسا عام 2004م حول موضوع "الفكر السياسي الديني بين ارنست رينان والإمام محمد عبده" وما كان يؤلمني أحيانا أن الكثيرين كانوا يتحدثون عن العلمانية كأنها دين مكتمل الأركان وفى مواجهة غيرها من الأديان والعقائد منذ بدايتها، في حين أن تلك النهاية لم تصل إليها العلمانية إلا في مواجه الإسلام وعلى أرضه
ولم يكن لها هذا المعني في الغرب إلا مع الوجود المتنامي للجالية الإسلامية هناك؛ لهذا كان تصميمي أن أكشف للعلمانيين وللمهتمين بهذا الشائن من المثقفين المسلمين والعرب أن العلمانية الغربية خرجت من رحم الدين ومن أفكار الإصلاحيين الدينيين ولم توجه حربا للدين المسيحي بالمفهوم الغربي إنما لبعض الأفكار التي أدخلها رجالا ذو مناصب دينية أو حتى أناس من العوام أدمجوا كثير من الفلكلور الشعبي ذي الصبغة الحاكمة في الحياة بصفته دينا؛ ومن هنا يمكن فهم العلمانية على أنها متممة للدين المسيحي بصيغته الغربية" (2)

ويضيف

"الحقيقة أن العلمانية هي الدين المسيحي الغربي نفسه وليست شيئًا آخر، صحيحٌ أن هناك متطرفين علمانيين، لكنهم ليسوا في الحقيقة علمانيين، إنما هم ملحدون تستروا في رداء العلمانية، خاصةً أن اللوبي الصهيوني وراء فكرهم وإعلامهم.

ولذا فالعلمانية بمعنى فصل السياسة عن الدين أو محاربة الدين لم توجد إلا عند المسلمين، ولم يوجِّهها الغرب إلا ضد المسلمين" (3)

وهو ما يؤكده الغنام – في بحثه السابق- من أن العلمانية الغربية يختلف تفسيرها عما يروجه العلمانيون العرب من أنها تعني العلم إلا أن ترجمتها من الإنجليزية والفرنسية تعني اللادينية أو الدنيوية.

كما اختلفت في هدف نشأتها ففي الغرب جاءت لتخلص الناس من عبودية الإستبداد والحكم الديني حيث غدت الكنيسة في الغرب المسيحي مصدرا للظلم ومُعِينَاً للظالمين، جاءت العلمانية في البلاد الإسلامية على فوهات المدافع وفوق أساطيل الاستعمار ودباباته، بل ودعما للاستبداد في مقابل الديمقراطية التي ربما لم تأت بها للحكم.

وعليه فعلمانية الشرق هي فكر استعماري، صنع في ظروف تختلف عن ظروف واقعنا، وبمواصفات لا تتفق مع الإسلام كدين كامل وشامل وخاتم، وقد "كانت نكبة الأمة بسقوط السلطة في أيدي العلمانيين المنافقين اللادينيين بعدها في أكثر بقاع العالم الإسلامي؛ أشد ضرراً وأنكى أثراً من سقوط الخلافة العثمانية نفسها، حيث جسَّد أولئك المنافقون العلمانيون بعد سيطرتهم المبدأ الفاسد الكاسد بفصل الدين عن الدولة. (4)

والملاحظ أن علماني العرب

"لم يكتفوا بتبنّي العلمانيّة بمفهومها الأصليّ، وإنّما فصّلوا علمانيّة عدوانيّة لا تنادي بتحييد الدين وتهميشه فحسب، بل تطالب بإحالته إلى المتحف، وإبطال فعاليته، وتضييق الخناق على قيمه وشعائره وشرائعه وأخلاقه ومظاهره".

الإخوان وتسييس الدين

في جولة الصراع المحموم بين العلمانيين العرب والإسلام واتهام كل ما يمت له بصله بأنه يسيس الدين كان الاتهام أيضا الجاهز لجماعة الإخوان المسلمين منذ أن أعلنت عن نفسها وحقيقة منهجها وعدم اختزالها الدين تحت قباب المساجد فقط لكن الإسلام موجود على جبهة القتال والدفاع عن الوطن كما أنه موجود في السوق وفي الاقتصاد، وليس بعيد عن علاقة الناس وحياتهم الاجتماعية

كما أنه من صميم أسس الحكم الرشيد، وهو ما لم يرض عنه المستعمر الذي استشعر فيه الخطر الداهم على نفوذه ومستعمراته، ومن ثم استعمل أنصاره وأتباعه الذين عمد إلى إعدادهم وتعليمهم على مبادئه من اجل هذه الساعة فانطلقوا يتهمون كل من يدعوا الي الإسلام الشامل الذي يتناول مظاهر الحياة جميعا بأنه يسيس الدين ويستغله من أجل أن يصلوا للحكم (وكأن الحكم حكرا فقط على العلمانيين أو اليساريين دون غيرهم من الإسلاميين).

بل أطلقوا على الإسلام الذى يدعوا إلى الحكم بما أنزل الله وإلى تحكيم شرعه فيمن آمن به وإلى تحرير أرض الإسلام ومقاومة كل معتد عليها والعمل على توحيد الأمة العربية والإسلامية – أو على الأقل – التقريب بينها بدل أن يجافى بعضها بعضا أو يضرب بعضها وجوه بعض بالإسلام السياسي، بل يضيفون عليه معاني أكثر راديكالية واستعمال العنف والقتل العشوائى وإرهاب الآمنين والتعصب ضد الآخرين والانغلاق على الماضى والانقطاع عن الحاضر وإغفال المستقبل.

ويفند الدكتور يوسف القرضاوي هذا الإدعاء بقوله:

(إن الإخوان ليسوا هم الذين (سيسوا الدين) بل شارع هذا الدين – وهو الله جل جلاله – هو الذى (سيسه) حين شرع فيه من الأحكام ما يتعلق بالسياسة.
وأخبرنى بربك فى أى باب نحسب هاتين الآيتين من كتاب الله إذا لم نحسبهما فى السياسة "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا. يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر".
إن الإمام ابن تيمية جعل هاتين الآيتين محورا لكتابه (السياسة الشرعية فى إصلاح الراعي والرعية). وبعدها جاءت جملة آيات توجب الاحتكام إلى الله تعالى : ورسوله ختمت بقوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).
ومثلها فى سور النور حيث يقول تعالى (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين....) إلى أن يقول (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون).
أوليست هذه الآيات وأمثالها فى صميم السياسة بل أصول السياسة لأنها تتعلق بتحديد (المرجعية) العليا للأمة والدولة) (5)

ويضيف:

(إن (شمولية الإسلام) ليست من ابتداع الإخوان بل هى ما قرره القرآن والسنة وأجمعت عليه الأمة وتأسست عليها ثقافة وحضارة وامتد به تاريخ وتراث.
وكل المصلحين الكبار الذين سطعت نجومهم فى آفاق الأمة حاولوا النهوض بها فى العصر الحديث كلهم أدخلوا السياسة فى الدين والدين فى السياسة: محمد عبد الوهاب والسنوسي والمهدي والأمير عبدالقادر والأفغاني والكواكبى ومحمد عبده ورشيد رضا وابن باديس وغيرهم كلهم نظروا إلى الإسلام تلك النظرة الشاملة التى لا تفرق بين دين وسياسة فهم جميعا مشتركون فى (تسييس الدين)، فليس حسن البنا بدعا فى المصلحين ولا دعوته فى دعوات الإصلاح والتجديد.
والحاكم الذى أعلن أن لا سياسة فى الدين ولا دين فى السياسة (يقصد السادات) كثيرا رأيناه وسمعناه يتحدث باسم الدين تأييدا لسياسته ويطلب من علماء الدين إصدار الفتاوى تبريرا لموقفه. والملتزمون بالإسلام شأنهم شأن سائر المواطنين من حقهم أن يمارسوا السياسة وفق معتقداتهم ومفاهيمهم ولا يحوز أن يحرموا منها لمجرد أنهم متدينون) (6)

حسن البنا والفكر العلماني

انطلق فكر الأستاذ حسن البنا من خلفية إسلامية وسطية معاديا لكل ما هو ضد مبادئ الدين الإسلامي والإنسانية، داعيا إلى التمسك بثوابت الدين مع الأخذ بكل ما هو جديد ومفيد للبشرية.

حينما نشأ حسن البنا وجد وطنه يرزح تحت نير الاستعمار، وتُملى عليه سياسته من قبل المندوب السامي ولا يملك من قراره السياسي أو الاقتصادي شيء، بل لا يملك قراره في التحكم في سيادة أراضيه، وهو ما حرك نوازع القيم الإسلامية التي تربى عليها البنا منذ صغره بأن أى شبر يحتل من أرض الإسلام وجب على الجميع الدفاع عنه وتحريره، فما باله بوطنه الذي يعيش عليه، ومن ثم أعد العده للمطالبة بإخراج الاستعمار ومقاومتهم بشتى الوسائل وهو ما جعل الاستعمار يدفع بأذنابه لتشويه صور حسن البنا والمنهج الذي يدعو له، وأنه يسيس الدين من أجل الوصول للحكم.

وانغمس العلمانيين ومن بعدهم الشيوعيين في هذا المستنقع، وطالبوا بفصل الدين عن السياسة دون توضيح الأسباب الحقيقة والأضرار الناتجه عن عمل الدين في السياسة والسياسة في الدين.

ومن ثم تحدث حسن البنا في العديد من المؤتمرات والمواضع والمقالات عن رؤيته للعلمانية وعن فصل الدين عن السياسة

وعن الأسباب التي بلغت بالأمة الإسلامية هذا المبلغ فقال:

"ومنذ امتدت اليد الأجنبية إلى مناهج التعليم أخذت العناية بالقرآن تضعف وتتضاءل، وأخذ رجال التربية والتعليم –وجُلهم من الأوروبيين أعداء الإسلام وكتاب الإسلام، الذين يرونه شبحًا مخيفًا يناوئ مطامعهم وآمالهم– يعملون على إقصائه تدريجيًا من المناهج بحجة أن المدارس علمانية، وساعدهم على ذلك روح التقليد الأوروبى التى عمت وطمت، فاستطاعوا أن يحذفوه رأسًا من التعليم العالى والثانوى ثم الابتدائى تقريبًا بعد ذلك، وحصروه فى دائرة ضيقة هى مكاتب الإعانة والمكاتب الأولية فى برنامجها القديم" (7)

فقد أوضح أن الإستعمار والانسياق وراء التقليد الأوروبي الأعمى لأبناء الوطن الإسلامي والبعد عن تعاليم القرآن السمح هو ما أدى لضعف الأمة وعجزها.

ثم ينبه لخطر التقليد الأعمي للمنهج الأوروبي دون أخذ ما يناسب عادات وتقاليد شرعها الإسلام حيث يقول في مذكرة إلى معالى وزير المعارف وفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر:

(نرجو ألا يكون ذلك على حساب الفكرة الإسلامية، وألا يكون معناه تقليد الغرب فى سلخ مناهج التعليم عن الفكرة الدينية والعدول بها إلى العلمانية البحتة بالتدريج، بل لابد أن يكون المقصود بذلك تكوين الطالب فى أدوار فعلية تكوينا صالحا تتكافأ فيه معلوماته الدينية ومشاعره الروحية وتربيته الخلقية مع ثقافته العلمية) (8)

ثم يزيد الإمام البنا شرحا لطبيعة انبهار وتبني بعض أبناء الأمة الإسلامية للفكر العلماني والعمل على فصل الدين عن السياسة

فيقول:

"من الأسباب التى دعت بعض الأمم الشرقية إلى الانحراف عن الإسلام واختيار تقليد الغرب دراسة قادتها للنهضة واقتناعهم بأنها لم تقم إلا على تحطيم الدين وهدم الكنائس والتخلص من سلطة البابوية وإلجام القساوسة ورجال الكهنوت والقضاء على كل مظاهر السلطة الدينية فى الأمة وفصل الدين عن سياسة الدولة العامة فصلا تاما.
وذلك إن صح فى الأمم الغربية فلا يصح أبدا فى الأمم الإسلامية؛ لأن طبيعة التعاليم الإسلامية غير طبيعة تعاليم أى دين آخر وسلطة رجال الدين المسلمين محصورة ومحدودة لا تملك تغيير الأوضاع ولا قلب النظم مما جعل القواعد الأساسية فى الإسلام -على مر القرون- تساير العصور وتدعو إلى الرقى وتعضد العلم وتحمى العلماء فما كان هناك (يقصد في الغرب) لا يصح أن يكون هنا" (9).

بل شن حربا على كل من طالب بفصل الدين عن الدولة، فحينما عقدت جلسه في البرلمان وناقشوا فيها أراء طه حسين التي يطالب فيها في كتابه مستقبل الثقافة في مصر بفصل الدين عن السياسة

كتب البنا:

"الذى نخالف فيه الدكتور طه وغير الدكتور طه ممن يؤمن بفكرته هذه: ادعاء أن هذا التفريق بين الدين والسياسة، وبين الدين والقومية، وبين الدين والعلم نافع لنا متفق مع تعاليم ديننا. هذه دعوى ينقصها الدليل النظرى والدليل التاريخى، وتتنافى تمام التنافى مع مصلحتنا ومع مقومات نهضتنا، والذى يريد أن يجرد الإسلام عن معناه السياسى وعن معناه القومى وعن معناه الثقافى يريد بمعنى آخر ألا يكون هناك شىء اسمه الإسلام تؤمن به هذه الأمة وتدين بها
وهو عند نفسه وعند الناس يخدع هذه الأمة ويخاتلها، ويعدل بها عن الإسلام الحق إلى إسلام من عند نفسه لا يتصل إلى الإسلام الصحيح بسبب. إن طبيعة الإسلام ليست طبيعة روحية بحتة، فهو دين روحى وعملى معا، وهو لم يحصر نفسه فى حدود المساجد والمعابد ولم يحفل بالطقوس والمظاهر" (10)

بل أنه يرد على العلمانيين والشيوعيين الذين يقولون إن الإسلام غير صالح لهذا الزمان فيقول: (ليس معنى هذا أن الإسلام يصادر حرية الفكر أو يقتل فى أتباعه استقلال الرأى أو يجعلهم على معنى من الجمود والانقياد الأعمى، أو يحرمهم نعمة النظر والشورى، لا شىء من هذا) (11)

بل يؤكد أن الشعب هو صاحب السيادة والكلمة العليا في الوطن حيث يقول في ذلك: (يا أيتها الأمة. أنت المسئولة عن الرضا بهذا الخروج عن حكم الله لأنك مصدر السلطات) (12)

ولم يكتف البنا بالرد على مزاعم العلمانية التي حاولت أن تفصل الدين عن الدولة في أوطاننا الإسلامية، بل ألقمهم حجرا ردا على ترديدهم أن الحكم الإسلامي لن يضمن حقوق الأقليات، متجاهلين عن عمد ما ورد في القرآن والسنة من الحقوق التي وضعها الإسلام للأقليات الموجودة في البلاد الإسلامية

حيث يقول البنا:

"ويقولون أيضا: وماذا تفعلون مع غير المسلمين من المواطنين؟ والجواب حاضر سهل ميسور مقنع وهو أننا لا نقدم لهم هذه الأحكام على أنها دين يؤمنون به أو عقيدة جديدة تخالف ما يعتقدون، ولكنا نقدمه على أنه قانون اجتماعى تحارب به الجريمة التى حرمتها كل الأديان، ويحقق ما جاءت به التوراة والإنجيل والكتب السماوية جميعا، ولا يصطدم مع نص من نصوصها، ولا يتعرض للمؤمنين بها فى عقيدة ولا عبادة ولا عمل من الأعمال، فهل يكره أحد الإصلاح الاجتماعى الذى يحقق فعلا ما يريده دينه، وما نص عليه كتابه لمجرد أنه ورد فى القرآن أو أوحى به الإسلام، ومن يكون المتعصب إذن فى هذه الحال؟" (13)

الإخوان والسياسة

حينما أفصح الإمام حسن البنا عن منهج الإخوان وفهمهم الشامل للإسلام، كان واضحا في ذلك أشد الإيضاح لا لبس فيه ولا تميع حينما قال:

"فهذه رسالتى إلى الإخوان المجاهدين من الإخوان المسلمين .. وإنما أريد بالفهم أن توقن بأن فكرتنا "إسلامية صميمة"، وأن تفهم الإسلام كما نفهمه، فلإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا؛ فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء. والقرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم فى تعرف أحكام الإسلام. (14)
ولذا فهم الإخوان أن الإسلام يحيط ويدخل في كل مناحي الحياة، وأن لكل جزء فيها ما فصله الإسلام تفصيلا، ولذا فمفهوم العلمانية ومبدأ فصل الدين عن السياسة لا وجود له في الإسلام ولا في فكر ومنهج الإخوان المسلمين، حيث يقول في ذلك: (قلما تجد إنسانًا يتحدث إليك عن السياسة والإسلام إلا وجدته يفصل بينهما فصلاً، ويضع كل واحد من المعنيين فى جانب، فهما عند الناس لا يلتقيان ولا يجتمعان، ومن هنا سميت هذه جمعية إسلامية لا سياسية، وذلك اجتماع دينى لا سياسة فيه، ورأيت فى صدر قوانين الجمعيات الإسلامية ومناهجها (لا تتعرض الجمعية للشئون السياسية).

وقبل أن أعرض إلى هذه النظرة بتزكية أو تخطئة أحب أن ألفت النظر إلى أمرين مهمين:

أما أولهما: فهو أن الفارق بعيد بين الحزبية والسياسة، وقد يجتمعان وقد يفترقان، فقد يكون الرجال سياسيًّا بكل ما فى الكلمة من معان، وهو لا يتصل بحزب ولا يمت إليه، وقد يكون حزبيا ولا يدرى من أمر السياسة شيئًا، وقد يجمع بينهما فيكون سياسيًّا حزبيًّا أو حزبيًّا سياسيًّا على حد سواء، وأنا حين أتكلم عن السياسة فى هذه الكلمة فإنما أريد السياسة المطلقة، وهى النظر فى شئون الأمة الداخلية والخارجية غير مقيدة بالحزبية بحال... هذا أمر.

والثانى: أن غير المسلمين حينما جهلوا هذا الإسلام، أو حينما أعياهم أمره وثباته فى نفوس أتباعه، ورسوخه فى قلوب المؤمنين به، واستعداد كل مسلم لتفديته بالنفس والمال، لم يحاولوا أن يجرحوا فى نفوس المسلمين اسم الإسلام ولا مظاهره وشكلياته، ولكنهم حاولوا أن يحصروا معناه فى دائرة ضيقة تذهب بكل ما فيه من نواح قوية عملية، وإن تركت للمسلمين بعد ذلك قشورًا من الألقاب والأشكال والمظهريات لا تسمن ولا تغنى من جوع.

فأفهموا المسلمين أن الإسلام شىء والاجتماع شىء آخر، وأن الإسلام شىء والقانون شىء غيره، وأن الإسلام شىء ومسائل الاقتصاد لا تتصل به، وأن الإسلام شىء والثقافة العامة سواه، وأن الإسلام شىء يجب أن يكون بعيدًا عن السياسة.

فحدثونى بربكم -أيها الإخوان- إذا كان الإسلام شيئًا غير السياسة، وغير الاجتماع، وغير الاقتصاد، وغير القانون، وغير الثقافة، فما هو إذن؟!

أهو هذه الركعات الخالية من القلب الحاضر؟

أم هذا الألفاظ التى هى كما تقول رابعة العدوية: استغفار يحتاج إلى استغفار؟

هذا المعنى المتضائل لفكر الإسلام، وهذه الحدود الضيقة التى حدد بها معنى الإسلام، هى التى حاول خصوم الإسلام أن يحصروا فيها المسلمين، وأن يضحكوا عليهم بأن يقولوا لهم: لقد تركنا لكم حرية الدين، وإن الدستور لينص على أن دين الدولة الرسمى الإسلام.

أنا أعلن -أيها الإخوان- من فوق هذا المنبر بكل صراحة ووضوح وقوة، أن الإسلام شىء غير هذا المعنى الذى أراد خصومه والأعداء من أبنائه أن يحصروه فيه ويقيدوه به، وأن الإسلام: عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، وسماحة وقوة، وخلق ومادة، وثقافة وقانون وأن المسلم مطالب بحكم إسلامه أن يعنى بكل شئون أمته، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

وأعتقد أن أسلافنا رضوان الله عليهم ما فهموا للإسلام معنى غير هذا، فبه كانوا يحكمون، وله كانوا يجاهدون، وعلى قواعده كانوا يتعاملون، وفى حدوده كانوا يسيرون فى كل شأن من شئون الحياة الدنيا العملية قبل شئون الآخرة الروحية، ورحم الله الخليفة الأول إذ يقول: "لو ضاع منى عقال بعير لوجدته فى كتاب الله".

بعد هذا التحديد العام لمعنى الإسلام الشامل، ولمعنى السياسة المجردة عن الحزبية، أستطيع أن أجهر فى صراحة: بأن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيًّا، بعيد النظر فى شئون أمته، مهتمًّا بها غيورًا عليها.

وأستطيع كذلك أن أقول: إن هذا التحديد والتجريد أمر لا يقره الإسلام، وإن على كل جمعية إسلامية أن تضع فى رأس برنامجها الاهتمام بشئون أمتها السياسية، وإلا كانت تحتاج هى نفسها إلى أن تفهم معنى الإسلام.

دعونى -أيها الإخوة- أسترسل معكم قليلاً فى تقرير هذا المعنى الذى قد يبدو مفاجأة غريبة على قوم تعودوا أن يسمعوا دائمًا نغمة التفريق بين الإسلام والسياسة، والذى قد يدع بعض الناس يقولون بعد انصرافنا من هذا الحفل: إن جمعية الإخوان المسلمين قد تركت مبادئها، وخرجت على صفتها، وصارت جمعية سياسية بعد أن كانت جمعية دينية، ثم يذهب كل متأول فى ناحية من نواحى التأويل متلمسًا أسباب هذا الانقلاب فى نظره،

وعلم الله -أيها السادة- أن الإخوان ما كانوا يومًا من الأيام غير سياسيين، ولن يكونوا يومًا من الأيام غير مسلمين، وما فرقت دعوتهم أبدًا بين السياسة والدين، ولن يراهم الناس فى ساعة من نهار حزبيين ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ﴾ "القصص: 55"، ومحال أن يسيروا لغاية غير غايتهم، أو يعملوا لفكرة سوى فكرتهم، أو يتلونوا بلون غير الإسلام الحنيف: ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ "البقرة: 138") ( ).

ويقول في موضع أخر:

"يا قومنا ندعوكم إلى الإسلام وتعاليم الإسلام وأحكام الإسلام وهدى الإسلام، فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا، وإن كان من يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسيًّا فنحن أعرق الناس -والحمد لله- فى السياسة، وإن شئتم أن تسموا ذلك سياسة "وهو ليس بها" (15) فقولوا ما شئتم، فلن تضرنا الأسماء متى وضحت المسميات وانكشفت الغايات" (16)

ولقد فرق الأستاذ البنا بين السياسة والحزبية، وأن الإخوان لا شأن لهم بالحزبية التي لم تورث إلا البغض بين أبناء الشعب، وأوقعت البلاد في حبائل المستعمر، لكنه أن الإخوان من صميم دعوتهم العمل بالسياسة العامة التي اهتم بها الإسلام وليس السياسة الحزبية التي يتنافس عليها الزعماء فقال: (لسنا حزبًا سياسيًا، وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا) (17)

ويؤكد المعني السابق بقوله:

"نجد بأن هذا التفريق بين الدين والسياسة ليس من تعاليم الإسلام الحنيف، ولا يعرفه المسلمون الصادقون فى دينهم، الفاهمون لروحه وتعاليمه، فليهجرنا من يريد تحويلنا عن هذا المنهاج؛ فإنه خصم للإسلام أو جاهل به" (18)

ويقول:

"فإن أردتم أن الإسلام دين لا تتناول أحكامه الشئون السياسية فى الداخل والخارج من حيث تنظيم الحكومة، والصلة بين الحاكم والمحكوم، وما يتبع ذلك من حقوق وواجبات، وافتراض حرية الأمة الإسلامية وسيادتها وعزتها إلخ.. فذلك جهل بالإسلام، وظلم لأحكامه وشريعته الشاملة التى جاءت تنظم شئون الدنيا والآخرة، وتحدد العلاقات فى المجتمع الإنسانى أفضل تحديد" (19)

وحينما سطر عبدالرحمن عمار (وكيل وزارة الداخلية في عهد النقراشي وصاحب مذكرة حل الإخوان) بأن الإخوان انحرفوا عن مسارهم وسلكوا طريق السياسة جار رد الأستاذ البنا موضحا له أن الإسلام لا يفرق بين السياسة والعبادة، وأنها أمور ليست من الإسلام بشيء لكن الغرب هو من فرضها على فكر الأمة الإسلامية

فجاء في مذكرة الرد على تفنيد الاتهامات قوله:

"أن طبيعة الدين الإسلامى نفسه لم تفرق بين الدين والسياسة، وتعرض الإخوان للسياسة سواء أكانت من حيث المطالبة بحرية البلاد وحقوقها أم وجوب الأخذ بنظم الإسلام الحنيف فى أوضاعها الاجتماعية على اختلافها ففرض مستمد من الإسلام نفسه ومعتمد عليه وهو جزء من أجزاء هذا الدين لا انحراف فيه" (20)

الدولة والدين متكاملان

لا دين بدون قوة ولا دولة بدون دين، وهو ما جعل الدولة الإسلامية منذ نشأتها وهو تحمل رسالة للإنسانية بما جاء في دينها كما تحمل العدل في الحكم من خلال شريعتها، وأن من يحاول أن يفرق أو يفصل بين الدين والدولة لا يفهم من حقيقة الدنيا شيء، وأن مبدأه سيقوم على الظلم والاستبداد لأن الدين يعصم صاحبه (إذا فهمه وطبقه) من الجور والظلم، والأمثلة في الدولة الإسلامية كثير كعمر وعمر بن عبدالعزيز وصلاح الدين الأيوبي وغيرهم على مر العصور.

وهو ما قاله الأستاذ حسن البنا بقوله:

"فمن ظن أن الدين -أو بعبارة أدق: الإسلام- لا يعرض للسياسة، أو أن السياسة ليست من مباحثه، فقد ظلم نفسه، وظلم علمه بهذا الإسلام، ولا أقول ظلم الإسلام فإن الإسلام شريعة الله لا يأتيه الباطل من بين يده ولا من خلفه. وجميل قول الإمام الغزالى رضى الله عنه: "اعلم أن الشريعة أصل، والملك حارس، وما لا أصل له فمهدوم وما لا حارس له فضائع" فلا تقوم الدولة فى الإسلام إلا على أساس الدعوة، حتى تكون دولة رسالة لا تشكيل إدارة، ولا حكومة مادة جامدة صماء لا روح فيها، كما لا تقوم الدعوة إلا فى حماية دولة تحفظها وتنشرها وتبلغها وتقويها.
وأول خطئنا أننا نسينا هذا الأصل ففصلنا الدين عن السياسة عمليًّا، وإن كنا لن نستطيع أن نتنكر له نظريًا، فنصصنا فى دستورنا على أن دين الدولة الرسمى هو الإسلام، ولكن هذا النص لم يمنع رجال السياسة وزعماء الهيئات السياسية أن يفسدوا الذوق الإسلامى فى الرءوس، والفطرة الإسلامية فى النفوس، والجمال الإسلامى فى الأوضاع، باعتقادهم وإعلانهم وعملهم على أن يباعدوا دائما بين توجيه الدين ومقتضيات السياسة، وهذا أول الوهن وأصل الفساد وبلاء التقليد الأعمى الذى لا خير فيه.
والحكومة فى الإسلام تقوم على قواعد معروفة مقررة، هى الهيكل الأساسى لنظام الحكم الإسلامى، فهى تقوم على مسئولية الحاكم ووحدة الأمة واحترام إرادتها ولا عبرة بعد ذلك بالأسماء والأشكال. فالحاكم مسئول بين يدى الله وبين الناس، وهو أجير لهم وعامل لديهم .. ومن حق الأمة الإسلامية أن تراقب الحاكم أدق المراقبة، وأن تشير عليه بما ترى فيه الخير، وعليه أن يشاورها وأن يحترم إرادتها، وأن يأخذ بالصالح من آرائها (21)

ويضيف على مدى التناسق بين الدين والحكم فيقول:

"والنظام الإسلامى بعد هذا لا يعنيه الأشكال ولا الأسماء متى تحققت هذه القواعد الأساسية التى لا يكون الحكم صالحًا بدونها، ومتى طبقت تطبيقًا يحفظ التوازن بينها ولا يجعل بعضها يطغى على بعض. ولا يمكن أن يحفظ هذا التوازن بغير الوجدان الحى والشعور الحقيقى بقدسية هذه التعاليم" (22)

ويقول في موضع أخر:

"ولا يريد هذا الصنف من الناس أن يفهم أن الإسلام قد أفتى فى شئون الحياة جميعا، وتناول أمور الدنيا والآخرة بالبيان والإيضاح، ورسم للناس فيها حدودا إن اتبعوها فهم مسلمون صادقون وإن خرجوا عليها فهم آثمون مخالفون يقولون ما لا يفعلون، وما دام الإسلام قد بين للناس نظام الحكم وقواعده ووضح لهم حقوق الحاكم والمحكوم فى بيان شامل فاصل، فإن الإسلام بهذا قد ضرب فى صميم السياسة، وتناول أخص خصائص رجالها، وزج بأحكامه فى تيارها، وألزم الناس النزول على هذه الأحكام" (23)

بل أفصح الإمام البنا على أن الحكم الشورى هو أحد أركان الإسلام وأنهم يتفقون معه سواء بآلياته القديمة أو الحديثة لأنها تتفق مع شرائع الإسلام وأن الحكم وثيقة اتفاق بين الحاكم الذي اختاره الناس وشعبه ولهم مراقبته وأن يحكم بالعدل فيهم، فهذا كله من الإسلام وهو ما تنادي به معظم الديمقراطيات الحالية

حيث يعبر عن ذلك بقوله:

"نحن لا نعترض على الحكم الشورى النيابى من حيث هو، فإن الإسلام قد وضع الأساس للشورى وللتناصح، ولحرية الرأى ولسلطة الأمة، ولتبعة الحكام، وهى أركان الدساتير العصرية، ولكن الذى نعترض عليه ونطالب بالتحرر منه هذه الشكليات الفارغة التقليدية التى جربناها عشرين سنة، فلم نجن منها إلا الفرقة والخلاف والشوك والحسك والصاب والعلقم.
نريد تعديلات فى النصوص والأشكال توفق بين تعاليم الإسلام وما نحن عليه، وتخلصنا من هذا البلاء الداهم الذى وقعنا فيه من جراء تقليد الغرب من غير تبصر ولا تقدير لعواقب الأمور. هذا هو موقف الإخوان المسلمين فى الماضى والحاضر والمستقبل، وسيظلون ثابتين عليه ويتنادون به فى خطبهم وكلماتهم ومجالسهم، وسيعلنونه فى جرائدهم وفى مجلاتهم" (24)

ويقول:

"يجب أن نعلم أن السياسة الإسلامية نفسها لا تنافي أبدًا الحكم الدستوري الشورى فهي واضعة أصله ومرشدة الناس إليه في قوله تعالى في أوصاف المؤمنين ﴿وَأَمرُهُم شُورَى بَينَهُم﴾ (الشورى: 38)".

خاتمة

الإسلام صالح بتعاليمه وتشريعاته لكل زمان وكل مكان، والخطأ ناتج عن ثقافة البعض وتقليدهم الأعمى للغرب، أو لمصالح المستبدين الذين لا يروق لهم الحكم بتعاليم الإسلام التي تفرض عليهم تداول السلطة بين الجميع حسب الكفاءات.

وأن لا فرق بين العبادة في المسجد والقابع على كرسي الحكم، ولكلا منهما أدواته التي يعمل بها وضعها الإسلام لتكامل جميع المناحي وتماسكها لتقوية الوطن ولكي يحيا الشعب في حرية وكرامة.

إن الأمة الإسلامية من عشرات السنين بل قل مئات يحكمها المؤمنون بالعلمانية والذين فصلوا الدين عن السياسة وساروا بمبدأ ميكافلي من أجل تثبيت عروشهم في الحكم لسنوات عمرهم كله ومع ذلك ما زالت البلاد تعيش حياة التخلف والانحدار والقهر والظلم والبغي وعدم العدل والجوع والفقر.

كما أنها عاشت فترات على منهج الشيوعيين الذين اعتبروا أن الدين أفيون الحياة، حتى أنها مبادئهم وأفكارهم سقطت وفشلت في معقل نشأتها في الإتحاد السوفيتي. لكن التاريخ يخبرنا بأن كثير من الحكام المسلمين الذين جمعوا بين الدين والسياسة كانوا عظماء أقوياء وعاش الناس في عهدهم حياة عزة وحرية وكرامة وتقدم ورخاء.

المصادر

  1. رمضان الغنام: فروقات العلمانية بين الشرق والغرب، 14 مارس 2012
  2. حقيقة العلمانية كما أرادها الغرب: 3 مارس 2008
  3. عبد العزيز مصطفى كامل: العلمانية..«إمبراطورية النفاق» من مهد لها الطريق ؟ أعدها للنشر محمد جلال القصاص، صـ2.
  4. يوسف القرضاوي: الإخوان.. وتسييس الدين!، 1 يونيو 2016
  5. حسن البنا: وسائل المحافظة على القرآن الكريم، مجلة الفتح، العدد (234)، السنة الخامسة، 26 شعبان 1349ه/ 16 يناير 1931م
  6. حسن البنا: مستقبل الثقافة فى مصر للحقيقة والتاريخ، النذير، العدد (6)، السنة الثانية، 6 صفر 1358ه - 28 مارس 1939م، صـ3.
  7. حسن البنا: رسالة نحو النور، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 2006، صـ190.
  8. حسن البنا: هذه الثلاثة من أركان الإسلام (الدولة، والقومية، والعلم)، مجلة التعارف، العدد (4)، السنة الخامسة، السبت 30 محرم 1359ه - 9 مارس 1940م، صـ1-2.
  9. حسن البنا: دين وسياسة، جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (7)، السنة الأولى، 10جماد الآخرة 1365 - 12 مايو 1946، صـ1.
  10. حسن البنا: أين حكم الله؟، جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (627)، السنة الثالثة، 7 رجب 1367ه - 16 مايو 1948م، صـ5.
  11. حسن البنا: أين حكم الله؟، جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (631)، السنة الثالثة، 11 رجب 1367 هـ - 20 مايو 1948م، صـ3.
  12. حسن البنا: رسالة التعاليم.
  13. حسن البنا: رسالة مؤتمر طلبة الإخوان، صـ 254 – 255
  14. حسن البنا: رسالة الى اي شيء ندعو الناس، صـ 44.
  15. حسن البنا: رسالة الإخوان تحت راية القرآن.
  16. حسن البنا: رسالة الى الشباب عامة والى الطلبة خاصة.
  17. حسن البنا: رسالة المؤتمر الشعبي الأول للإخوان، صـ 650
  18. حسن البنا: رسالة قضيتنا.
  19. حسن البنا: رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي، صـ719.
  20. حسن البنا: الإخوان بين السياسة والدين، جريدة النذير، العدد10، السنة الأولى, 5 جماد ثان سنة 1357/ 1 أغسطس 1938، صـ3.
  21. حسن البنا: الدستور والقرآن، جريدة النذير، العدد (31)، السنة الأولى، 11 ذو القعدة 1357 - 3 يناير 1939، صـ5.