حول العلاقات العربية التركية

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حول العلاقات العربية التركية


بقلم / أ .د. زكريا سليمان بيومي ... أستاذ التاريخ الحديث المعاصر

العربية التركية.jpg

منذ ما يقرب من قرن من الزمان والعلاقات العربية التركية محصورة في دائرة التاريخ فقط ، فالترك منذ إلغاء الخلافة وبناء أتاتورك للدولة العلمانية يندفعون في دائرة قومية مفروضة بحد السيف يحميها العسكر ، والعرب يدورون في فلك الخلاص من الاستعمار الثقافي بعد أن خلصوا ظاهريا من الاستعمار العسكري ، وينغمسون في شعارات إقليمية لكل قطر علي حدة لم تفلح معها محاولات ميشيل عفلق ولا صيحات جمال عبد الناصر ، وتأكد لديهم أن الخيار القومي لم يكن خيارا جماهيريا بل كان خيارا سلطويا مفروضا تحكمه ظروف الشعوب ونزعات واندفاعات بعض السياسيين وأن الخيار الأممي الإسلامي مازال يفرض نفسه رغم كل وسائل التشويه والتسفيه والمحاربة .

وفي العقد الأخير، وفي السنة الأخيرة تحديدا، سطت علي الساحة فكرة إحياء العلاقات التركية العربية، فتحمست لها بعض الأوساط السياسية والإعلامية والأكاديمية الدائرة في فلكها، وعقدت الندوات والحلقات التليفزيونية وغيرها ، ودعيت شخصيا إلي واحدة منها في اتحاد الأطباء العرب ولم تمكني ظروفي من المشاركة .

والحقيقة أن هذه المسألة أو هذا التوجه لا يحتاج إلي عناء في إدراك أنه لعبة استخباراتية يقف وراءها الأمريكيون وتوابعهم في أوربا ويحركها الصهاينة بل وحتى الأتراك أنفسهم . ومع أن بعض الأوساط العربية تدرك هذا البعد إلا أن البعض الآخر منهم يظل في دائرة المفعول به كما هو شأنه في كثير من الأحداث . وإذا مال البعض إلي إرجاع ذلك إلي هاجس فكرة المؤامرة التي تسيطر علي كثير من العقليات العربية فلم لا وكل ما يحيط العرب يؤكد هذه الفكرة خاصة وأنها في هذا الجانب ليست صعبة في إدراك أبعادها حتى علي السذج .

فالنموذج التركي العلماني الإسلامي المظهر يفضله الأمريكيون والصهاينة للتطبيق في العالم العربي والإسلامي ليساعدهم علي الخلاص من التمحور حول فكرة الجهاد ضد الغرب والصهيونية التي يتبناها الإسلام السياسي في العالم العربي كما هو عند جماعة الإخوان المسلمين وحماس وحزب الله وجماعات الجهاد ، وفي طالبان باكستان وأفغانستان وتنظيم القاعدة وإيران والسودان وغيرها . ولهذا ساقت الاستخبارات أحداث أو سيناريو الصدام بين أردوغان وبيريز في مؤتمر دافوس ، ثم زادتها اشتعالا في أحداث قافلة الحرية وما خلفته من ضحايا وشهداء من أجل فلسطين وحصار غزة وهي تضحية ليس لها شبيه عند الآخرين .

الأتراك إذا هم إذا أول الذين ضحوا بشهداء من أجل فلسطين وحصار غزة وليس أحمدي نجاد ولا حسن نصر الله ، الأتراك نموذج سني يتولى الدفاع عن فلسطين قضية العرب والمسلمين الأولي وليس النموذج الشيعي الذي تسيد الساحة السياسية في الزمن الأخير فجلب تعاطف الشعوب مع إيران التي أصبحت رمزا في التصدي للغاصبين الأمريكان ، وساق إلي تعاطف قطاع هائل من الشعوب العربية مع البطل الأسطوري حسن نصر الله الذي قهر جيش إسرائيل وأصبح الأمل في أي معادلة مستقبلية مهما كان انتماؤه الديني.

نموذج تركي سني يشير إلي إمكانية الأخذ بعلمانية الغرب كما فعل أتاتورك الذي طبق العلمانية أو فرضها في سنوات قليلة علي ركام ثقافة وواقع إسلامي له جذوره التاريخية الطويلة. نموذج يقوي من شأن دعاة الليبرالية العرب علي حساب المتشبثين بالتراث واستلهام أسباب التقدم من النموذج الحضاري الإسلامي الذي يستعصي هضمه علي المخطط الأمريكي الرامي إلي الهيمنة علي العالم والمخطط الصهيوني الذي يسخره لمصالحه ويحقق هيمنة اليهود علي العالم .

نموذج تركي ينطاع للعبة الاستخبارات لتحقيق مصالح تركية في زيادة التبادل الاقتصادي مع العالم العربي ويلقي دعما من الأمريكيين والصهاينة في الالتحام مع أوربا ، ويحافظ علي تركيا قوية في جنوب الدب الروسي والطموح أو التهور الإيراني وأية محاولات للتلاقي الأوربي المنافس.

ليس من المعقول أن يتحول الأتراك فجأة إلي إدارة ظهرهم لإسرائيل وإغضاب أمريكا والسعي لنصرة غزة وفلسطين وهم الذين يفتحون قواعدهم الجوية لطائرات أمريكا لمراقبة سوريا وضرب العراق وإيران . ويسمحون لطائرات إسرائيل في التربع في مطارات أربيل والسليمانية ودعم أكراد العراق وحراسة أنابيب النفط المتجهة عبر تركيا إلي أمريكا وأوربا

ليس من المعقول أن يحدث هذا التحول التركي في ظل تحالف عسكري مع إسرائيل يعمل علي تطوير أسلحة مشتركة وتبادل التدريبات العسكرية والسماح لتجار وشركات تركية بالتجارة في السلاح الإسرائيلي . وبالتالي لم يكن لقاء وزير إسرائيلي مع وزير تركي أخيرا إلا تعبيرا علي قوة هذه المصالح وعمق هذه العلاقات .

بل إن لمتابع والمحلل لطبيعة الأحداث يدرك أن التمهيد لهذا الدور يرجع إلي دور الأمريكيين ومن يشاركهم في لعبة المصالح في وصول حزب العدالة والتنمية التركي إلي الساحة السياسية دون إثارة العسكر ودفعهم للانقلاب عليه كما فعلو مع نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه من قبل ، صحيح أن هناك إرادة شعبية أتت بهؤلاء إلي السلطة لكن الأمريكيين يعرفون متي يستخدمون العسكر الذراع العلماني لإبعاد المناوئين ومتي يستفيدون من هذه الإرادة ويسخرونها لمصالحهم فالقضية ليست الديمقراطية كما يدعون وإنما المصالح التي تسخر الديمقراطية أو الديكتاتورية أو الشيطان .

ومع التسليم بأن الكثير من الأوساط العربية علي علم بأبعاد هذه اللعبة ولكن يصعب عليها الإعلان عن ذلك أو الإعلان عن التصدي والرفض للأمريكيين ويركزون علي محاولة الاستفادة من الجانب الإيجابي منها ، إلا أن علي الأكاديميين المسلمين والعرب الذين يرون الأمور بموضوعية أن يحددوا للناس كيفية وأبعاد هذه المسألة وألا يتركوا المجال مفتوحا لتحليلات أنصاف المثقفين ودعاة البروباجندا الذين يتفاعلون بسطحية مع ظاهر الأمور ، أو الذين يسارعون إلي تلبية توجهات الأنظمة السياسية الدائرة في فلك الهيمنة الأمريكية الصهيونية ، وأن يسعوا لأن يلتقي المثقفون العرب حول دفع الأوساط والأنظمة العربية لأن يكونوا فاعلا لا أن يظلوا دوما في خانة المفعول به والله المستعان .