خواطر تهزُّ الخاطر من سورة التكاثر بقلم أبوذرأحمد محمد
سورة التكاثر من السور التي نزلت بمكة البلدالحرام زادها الله تشريفا وتعظيما،وهي سورة تنقل قارءَها مباشرة ًإلى ساحات الموت المقابر،منتهى كل نفس(كل نفس ذائقة الموت)،قال قطريّ بنُ الفجاءة:
سبيلُ الموتِ غايةُ كلِّ حيٍّ
فداعيهِ لأهلِ الأرضِ داعي
وقال آخر:
ولو أنّا إذا مُتنا تُركنا
لكان الموتُ غايةُ كلِّ حيٍّ
ولكنَّاإذا مُتنا بُعثنا
ويسأل ربُّنا عن كلِّ شيءٍ
ليرى الإنسان هذا السادر في غفلته،العاثر في ذيل اغتراره أين تصير به أقدار الله الخالق سبحانه،وهي سورة تتكلم من وهلتها الأولى عن اللهو الذي يسيطر على بني آدم حين ينصرفون هُم بِهَمِّ نفوسهم ومحض إرادتهم إليه-وهمَّةُ الإنسانِ مِن هَمِّه-..(ألهاكم):شغلكم،قال الشاعر:
لَهوتُ بها زمانا في شبابي
وزارتني النجائبُ والقصيدُ
وفي الحديث:"إن الله لا يقبل الدعاء من قلبٍ ساهٍ لاهٍ"
شغلكم يابني آدم التكاثر،تكاثر بكل شيئ،بالأموال..بالأولاد..بالقبيلة.. بالأجداد وهم في قبورهم المُجَصَّصَة،أوفي قِبابهم المنصوبة كالأطواد.. بالحزب..بالشهادات العلمية ..بالدرجات الوظيفية..بالوجاهة الاجتماعية..بكل هذا وأكثر،ولهذا أخفى الله تعالى المتكاثَر به فقال:( التكاثر) مطلقا على العموم.(وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرَّا) ذابلا ،وهي صورة من حالات الموت أن ترى الزرع الأخضر اليانع مصفرَّا محتضرا للموت،قال الشافعي رحمه الله في وصف الدنيا:
إذا اصفرّ لونُ المرء وابيضّ شعرُهُ
تنغَّصَ مِن أيَّامِهِ مُسْتَطابُها
وما هي إلاَّ جيفةٌ مستحيلةٌ
عليها كلابٌ هَمُّهُنَّ اجتِذَابُها
وقال ابنُ عبدِ ربِّه :
ألا إنَّما الدنيا نضارةُ أيكةٍ
إذا اخضرَّ ِمنْها جانبٌ جَفَّ جانبُ
وفي وصف الموت وسكراته- في شرح مسلم للنووي رحمه الله-: "إذا تشنَّجت الأصابعُ،وشَخِصَ البصرُ،وحشرجَ بها الصَّدرُ".
(حتَّى زُرتُم المقابر)،والمقابر جمع قبر،وهو المحلُّ الذي يُقبَر فيهِ الإنسانُ المَيِّت(ثم أماته فأقبره)وهي من النعم الكبيرة التي أنعم الله بها على بني آدم أن يُقبَروا،فانظر كيف يمرحُ هذا الانسان المسكين في سترالله سبحانه حتى بعد الموت،و في هذا دلالة على تكريم الله سبحانه له،وقدأشار بعض السلف إلى أنه لوكانت الذنوب تفوح مااستطاع أحد أن يحيا على وجه هذه الأرض،وقد وعظ أحدهم سليمان بن عبدالملك وهو في الكعبة فقال له:"أوَّلُك نطفةٌ مَذِرة،وآخرُك جيفةٌ قَذِرةٌ،وأنت بين ذلك تَحْمِلُ العَذرةَ،ففيم تتكبر!!"..وزيارة المقابر تذكِّر بالآخرة،وقد ندبنا رسولُ الله صلَى الله عليه وسلّم إلى زيارةالقبور،وفي الحديث:"ألا فزوروها،فإنها تذكر بالآخرة"وقد حفظتُ من شريطٍ للشيخ كشك رحمه الله:
أتيتُ القبورَ فناديتُها
فأينَ المعظَّم والمُحْتقَرْ
وأين المُدِلُّ بسُلطانِهِ
وأين المزكِّي إذا ماافتخرْ
تساوَوْا جميعا فما مُخْبِرٌ
وماتوا جميعا وماتَ الخبرْ
فيا سائلي عن أُناسٍ مَضَوْا
أمَا لكَ فيمَامَضَى مُعْتَبَرْ
والقبرإمّا روضةٌ من رياض الجنة-كماأخبر الصادق صلى الله عليه وسلم- وإما حفرةٌ من حُفر النار،وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه في بعض شعره:
(وَضَمَّةُ القبْرِ تُنسِي ليلةَ العُرسِ)
وقدأجمع أهل الإسلام على أن القبرأول منازل الآخرة،وفيه سؤال منكر ونكير فأعدَّ –أخي-للسؤال جوابا ،وللجواب صوابا.
وقدخَصَّصتِ السُّنَّةُ المشرَّفةُ سورةً كاملةً ُتنْجي من عذاب القبر،وهي سورةُ تبارك الملك،يؤيِّد هذاحديث :"ما من عمل يوم القيامة أنجى لعبدالله من ذكر الله".فلنحرص-اخي- على قراءتها قبل نومتنا كلَّ يوم نجَّانا الله وإيَّاك.
(كلاََ سوف تعلمون،ثم كلا سوف تعلمون):كلا بمعنى حقا في بعض المواضع،وقد حقق الإمام السيوطي رحمه الله في الاتقان ثلاثَ معانٍ لكلمة" كلا"،منها:"حقا" ..والتكرارفي (سوف تعلمون)يفيد التقريع والتهديد،كمايفيد البعث ،وهو قول أبي تراب عليّ بن أبي طالب -وقد أثبته القرطبي رحمه الله في الجامع- :"كنا نشك في البعث حتى جاء قوله(ثم كلا سوف تعلمون)يقول سبحانه:(ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب)(منها خلقناكم وفيها نعيدكم تارة أخرى).
(كلا لو تعلمون علم اليقين)وعلم اليقين معنى أشد عمقا ،وآكد تأكيدا من مجرد العلم،ولأهل التصوف فيه كلام يطول وقد ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله في( مدارج السالكين) وهو شرح لكتاب إمام الصوفية الهروي(منازل السائرين)وقد هذَّبه العلاَّمة المحقِّق محمَّدأحمد الراشد وفّقه الله،واليقين تمام الشيء(وبالآخرة هم يوقنون)،وقد جمع السلف رحمهم الله بينه وبين الصبر فقالوا:"بالصبر واليقين تُنال الإمامةُ في الدين"وذللك منطوق الآية(وجعلنا منهم أئمةً يهدون بِأمْرنا لمَّا صبروا وكانوا بآياتِنَا يُوقِنُون).
(لتَرَوُنّ الجَحيمَ):والجحيمُ النّار،وهو أيضا العذاب.والكلام هنا مؤكّد بلام القسم،مما يأخذ بمجامع القلوب،ويهُّز الافئدةَ هزَّا.
(ثمّ لترونَّها عينَ اليقين):وعين اليقين درجة أعلى مقاما من علم اليقين،وعينُ الشيء أصله وجَذْرهُ وهَيُولاه،ألا ترى بعض علماء اللغة حين ألَّف ُمعْجَمَه الجَامع أسماه بالعين!!
(ثم لتسألُنَّ يومئذٍ عن النعيم):وكلمة" ثم" تفيد الترتيب مع التراخي،وهي متَّسقة مع يوم القيامة،يؤكدهذا قوله سبحانه:"يومئذ"،والنّعيم كلُّ نعمة أنعم الله بها على خلقه من غير حصر في نعمة دون أخرى ،ومن بديع ماذكره الشيخ متولي الشعراوي رحمه الله في بعض خواطره عن قوله سبحانه(وإن تعدُّوا نعمةَ اللهِ لاتُحصوها)أن النعمة الواحدة يترتب عليها مجموعة من النعم،ومن ذلك نعمة البَصر فإنَّه يترتب عليها نعمة الإبصار،ونعمة الإدراك،ولهذا جاءت النعمةُ مفردةً مع أنه سبحانه قال (تَعُدُّوا)ومعلوم أن العدَّ هو تكرار العدد!!قلت:"ويجوز أن يكون إفرادُها للتعظيم لأنَّها منسوبةٌ إليه سبحانه(نعمة الله)وممَّا يقوي هذا أن الشيخ كشك رحمة الله عليه قال في قوله سبحانه:(يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم وُيثبِّت أقدامَكم):"ليس النصروحده نعمةً،إنما النصر مع التثبيت هما النّعمة"!!
وتُختم سورة التكاثر وقد تَركت في نفس قارئها أثرا يقينًا بيوم القيامة ودنوِّه،وحتميِّة السؤال فيه:(ولنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين)عن أداء حق الله سبحانه وفرائض الإسلام،مِن بِرٍّ وَصلةٍ،ودعوةٍ تَستوْجِبُ عملاً ربَّانيا رضاءُ اللهِ غايتُه،والجنَّة- برحمتِهِ سبحانه - مستقرُّه الأبديِّ:(جَزاؤُهُم عندَ ربِّهم جنَّاتُ عدنٍ تجري مِن تحتِها الأنهارُ خالدينَ فيها أبدا ،رضيَ اللهُ عنْهُم وَرضُوا عنْه،ذلك لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه).
المصدر
- مقال:خواطر تهزُّ الخاطر من سورة التكاثر بقلم أبوذرأحمد محمدموقع:الإخوان المسلمون السودان
