دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك
بقلم: الشيخ نزيه مطرجي
إن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم كان أفصح الخَلْق بياناً، وأعذبهم كلاماً، وأبلغَهم مَنْطقاً، وأَسرعهم أداءً، وكان إذا تكلّم، تكلّم بكلام فَصْل مُبين يَعدّه العادّ، كما قالت السيدة عائشة: «ما كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَسرُد سَرْدَكم هذا، ولكن كان يتكلّم بكلام بيّن يحفظه من جلس إليه!».
وكان يتكلّم بجَوامع الكَلِم بلا فُضول ولا تقصير.
وهذا الحديث الشريف الذي يقول فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم: «دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك» (الترمذي)، هو بحقّ من جَوامع كلِمِه صلى الله عليه وسلم، قال فيه العلماء: هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الدين، وأصلٌ في وَرع المتّقين، ومُنجٍ من الشُّكوك والأوهام المانعة من نور اليقين.
وإن في بيان النبي صلى الله عليه وسلم المُشرق طائفةً كبيرةً من جَوامع الكَلم البليغة التي لا تُبارَى ولا تُجارَى في إيجازها وبلاغتها. وقد ورد في السنّة المباركة: «أوتيتُ القرآن ومِثْلَه معه».
وإن هذا الحديث بعبارته الوجيزة، وكلماته المعدودة يشكّل أساساً لمفردات الحوادث، وتفصيلات الأحكام، ويُرشد المؤمن إلى الوَرَع والتبيُّن عند محاكمة الأنام والنُّطق بالأحكام، وإلى عدم الاطمئنان إلى المُشْتَبِهات، وعَدَم البناء على الشُّكوك والظُّنون.
فالاحتكام إلى الحق والرجوع إليه فضيلة من الفضائل التي دعا إليها الإسلام وحثَّ على الالتزام بها، وربَّى المسلمين عليها.
والرجوع إلى الحق خَليقة راقية لا يَبْلُغها إلا أصحابُ الفِطر العالية الذين لا يصرفهم عن الخضوع للحقّ شيء، لا أنانيّة، ولا عَصبيّة، ولا عِزَّة آثِمة، ولا منفعة ذاتية.
ومن أمثلة الرجوع إلى الحقّ أن الخليفة عمر بن الخطّاب لما أصدر أمراً بتحديد المُهور ليمنع المُغالاةَ فيها، ويُسهِّل أمْرَ الزواج، ويَحولَ دون عَضْلِ البنات، قامت امرأة فقالت له: ليس ذلك لك يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى يقول: {وآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً} فقال عمر بلا تردّد: «امرأةٌ أَصابت، ورجلٌ أخطأ».
وإن بين الحلال والحرام أموراً مشتبهات لا يعلمهنّ كثيرٌ من النّاس، ومن التقوى الخروج من الرِّيبة والحَيْرة، واتّقاء الشبهات استبراءً للدِّين والعِرض، وتحرّياً للسلامة من الذّم والإثم، «لأن من وقع في الشّبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمى يوشك أن يرتَع فيه، ألا وإن لكلّ مَلكٍ حِمى، ألا وإنّ حِمى الله مَحارِمُه» كما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري.
إن المشتبهات نوافذُ تُطِلُّ على المنكرات، وتقود إلى المحرّمات، فمِن الدِّين سَدّ هذه النوافذ احتياطاً، على سبيل الاحتياط، واتقاءً للولوج في الحرام، فإن العبد المؤمن لا يبلغ درجة التقوى حتى يدَع ما لا بأس به خشيةَ الوقوع فيما به بأس!
والسنّة النبويّة لا تُبيحُ للمؤمن أن يظنّ في أخيه سوءاً أو فُسوقاً، لأنه مأمورٌ بأن يَدَع ما يَريبه إلى ما لا يَريبه، فأما إذا تسلّل إلى نفسك الظنّ بلا دليل ولا تعليل، فإنما هو إلقاء من الشيطان، فإذا كنت مطالَباً بأن تتبيَّن إذا جاءك فاسقٌ بِنَبَأ، فإن الشيطان هو أفسقُ الخَلق، وأعدى أعداء الحقّ، فلا يَحلّ لك أن تكون أُذُناً لهَمَزاته، ولساناً لوسوساته، ومرآةً لسَوْءاته. والإسلام أرشد أهل الإيمان إلى الأخذ بالظاهر من أعمال الأنام، وإلى عَدم رَمْيهم بالاتهام بناءً على الظُّنون والأَوْهام.
ولقد جاء عن أهل العلم أن من استُنْكِه فَوُجد منه رائحة خمر لا يُقامُ عليه الحَدّ، إذ يُقال: يمكن أن يكون تمضمض بالخمر ومَجَّها وما شربها، أو فعل ذلك خَطَأ، أو حُمِل على ذلك قَهْراً! والله تعالى يقول: {إِنْ يَتَّبِعونَ إلا الظَّنَّ، وإنّ الظَّنَّ لا يُغْني مِنَ الحَقِّ شَيْئاً} (النجم 28).
إن من رحمة الله بنا وفضله علينا، أنه تعالى يتجاوز عن خواطر أنفسناوأحاديثها، ولا يحاسِب عليها، كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي ما حَدَّثت به أنفسَها ما لم يتكلّموا أو يعملوا به» أخرجه مسلم.
ومن استباحت الظنونُ صدورَهم، واسْتناخَت في قلوبهم، فقد أعْضَلَ (أعيا) عِلاجُهم العلماءَ، وأَعجز شفاؤهم الحُكماءَ.
فلا تجعلْ مَثَل الرِّيب في قلبك وحياتك كمثل تَخرُّصات الكُهّان، وتَكَهُّنات أعوان الجانّ!
فاحرص وفيك بقيّة على أن تكون لك نفسٌ تقيّة، وسَريرة نقيّة، وأَسرِع بالتخلّص من الشّكوك والظّنون، قبل أن يُعاجِلَك سائقُ المَنون! والله تعالى الحَكَم العَدْل المستعانُ على ما تصفون.
المصدر
- مقال:دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُكموقع: الجماعة الإسلامية فى لبنان