سلاح حزب الله لا يحتاج لبيان وزاري
بقلم: الأستاذ أوّاب إبراهيم
بعد المخاض العسير الذي استغرقته عملية تشكيل الحكومة، ظنّ الكثيرون أن البلاد وصلت إلى بر الأمان، وأن العجلة الحكومية أطلقت صافرة انطلاقها.
لم يدم الوقت طويلاً قبل أن يدرك الجميع أن المشكلة التي أفرزها الانقسام السياسي طوال الأعوام الثلاثة الماضية ما زالت على حالها وإن بدّل البعض مواقعهم، وغيّر الكرسي التي يجلس عليها.
فما اصطلح على تسميته «ثورة الأرز » التي تشكلت عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، يثبت من جديد أنها مجرد موجة إعلامية وشعبية، استغلّها المجتمع الدولي كي يحاصر سوريا ويضغط عليها لتقدم تنازلات في ملفات أخرى، في الوقت الذي اقتنع فيه المتظاهرون في ساحة الشهداء يومها أن تحركهم هو الذي أفضى إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان. وقد تلاشت هذه الموجة عند اصطدامها بأول عائق برز بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006.
يومها، افترشت قوى المعارضة ساحات وسط بيروت واشترطت لرفع الاعتصام استقالة الحكومة واستبدالها بأخرى تملك فيها «حق النقض» بامتلاكها ثلث عدد أعضاء مجلس الوزراء.
رفضت «ثورة الأرز» الخضوع لإملاءات المعارضة، فهي تعتبر أن الانتخابات التي منحتها الأغلبية النيابية عام 2005 كفيلة بمنحها الحكم كما تريد.
فكانت نتيجة عناد الطرفين أن عاشت البلاد في فراغ دستوري وحكومي قرابة عامين، إلى أن اهتدى حزب الله إلى طريقة غيّر فيها موازين القوى، فقاد أحداث أيار 2008 التي أثمرت عقد اتفاق الدوحة لتبدأ مرحلة جديدة، ولتصاغ معادلات جديدة، لا تعبأ بالطرق الديمقراطية لحكم البلاد، بل بفرض الواقع على الأرض، الأمر الذي فهمه وليد جنبلاط جيداً، فأعاد تموضعه بناءً عليه.
عادت المراهنة مجدداً على الانتخابات النيابية. فإحدى الاتهامات التي كانت المعارضة تسوقها وتقدمها سبباً لوضع العصيّ في الدواليب هي أن الأغلبية النيابية التي تشكّلت عقب انتخابات عام 2005 هي «أغلبية وهميّة»، لأن الفوز الذي تحقق كان بناءً على تحالف رباعي شاركت فيه المعارضة قبل أن تنقلب قوى الموالاة عليه.
لذا كانت المعارضة حريصة في الانتخابات الأخيرة على إثبات وجودها وتحقيق أغلبية على قوى 14 آذار، وهي كانت واثقة من فوزها ومن حكم البلاد بمفردها إذا لم ترضَ قوى الموالاة المشاركة معها.
فبدأ السيد حسن نصر الله خطاباته التلفزيونية يتحدث فيها كرجل دولة مسؤول عن إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية والاجتماعية، والتطرق إلى رغبته في تسليح الجيش اللبناني بما يتلاءم والمهام الموكلة إليه.
إلا أن الناخب اللبناني لم ينسجم مع طروحات نصر الله، فأكدت النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات النيابية فوز قوى 14 آذار بالأغلبية النيابية التي لم تملك معها قوى المعارضة –هذه المرة- التشكيك بصحتها، فالفرز السياسي كان واضحاً، والتحالفات السياسية كانت قائمة حول الخيارات السياسية المتباعدة.
ساد الظنّ يومها أن الأزمة حلّت، وأن الانقسام السياسي الذي يعرقل عجلة الحياة السياسية ذهب إلى غير رجعة، وأن لبنان مقبل على مرحلة تسودها الديمقراطية. لكن شيئاً من هذا لم يحصل.
قوى المعارضة فرضت ثلثها المعطل في مجلس الوزراء من جديد، من خلال اجتراح تشكيلة حكومية يختبئ فيها الثلث في جعبة رئيس الجمهورية، وهي أصرّت على توزير شخصيات مستفزّة لرئيس الحكومة المكلف، وتمسكت بحقائب وزارية محددة.
الأغلبية النيابية كما في المحطات السابقة مانعت حيناً، وحاولت التفاوض حيناً آخر، لكنها كما في كل المحطات السابقة رضخت لمطالب المعارضة، التي تضع البلاد أمام خياريْن: إما الرضوخ لشروطها، وإما التعطيل ووقف عجلة الحياة السياسية، وضرب ما بقي من رموز الدولة المستقلة، هذا إذا تجاوزنا التلويح بين الحين والآخر بأحداث أيار «المجيدة».
الخلفيّة المؤلمة التي أضعتُ وقت القارئ باستذكارها لم أرد منها إحباطه وتيئيسه، بل على العكس، أردت الإضاءة على المرحلة الماضية كي لا تتكرر، وكي يتمّ الاتعاظ بها في الأزمة القائمة حول البيان الوزاري، وتوفير الوقت على البلاد والعباد.
فحزب الله لا يحتاج إلى بيان وزاري يشرّع وجود سلاحه، فكما أعلن أمينه العام مراراً «ضمانة السلاح هي السلاح نفسه»، ما يعني أنه حتى لو صيغ البيان الوزاري بشكل يجرّم هذا السلاح (وهذا مستحيل)، فإن نموذج «7 أيار» كفيل بتشريعه على الأرض.
هذه الخلاصة أدركها رئيس الحكومة المكلف وهو يمشي على هداها، لكن قوى أخرى في 14 آذار ما زالت تعيش على فقاعات ثورة الأرز، وأحلام اليقظة.
المصدر
- مقال:سلاح حزب الله لا يحتاج لبيان وزاريموقع: الجماعة الإسلامية فى لبنان