صيدا تشهد أسوأ حالة تجاذب سياسي ومذهبي منذ سنوات
بقلم : فادي شامية
لم تشهد صيدا منذ مدة طويلة- أقله منذ استشهاد الرئيس رفيق الحريري- هذه الحالة من الاحتقان السياسي والمذهبي، صحيح أن ما يجري فيها اليوم هو جزء من حالة التأزم السياسي العامة في البلد، إلا أن خصوصيتها تجعل ما يجري فيها على درجة عالية من الخطورة، ليس على مستوى المدينة وسائر الجنوب فحسب، وإنما على مستوى الوطن بأسره، فصيدا هي الحاضنة لعاصمة الشتات الفلسطيني في عين الحلوة، وتالياً تحضن عاصمة الجنوب الملف الفلسطيني بكل تعقيداته، إضافة إلى ملف المقاومة وسلاحها الساخن هذه الأيام، فضلاً عن تميّزها بتوازنات طائفية ومذهبية في تركيبتها ومع محيطها شرقاً وجنوباً، زِد على كل ذلك أنها مدينة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ما يجعلها "منطقة ثمينة" لمن يريد استهداف تياره في لبنان، على غرار ما جرى في آخر انتخابات بلدية فيها.
الاحتقان الموجود في صيدا، لم يقتصر على التصريحات وحديث الشارع، ففي 14 نيسان الماضي استهدفت قنبلة صوتية منزل رئيس بلدية المدينة، عبد الرحمن البزري، وكان سبقها بأسابيع اكتشاف قذائف غير معدة للتفجير على طريق منزل النائب بهية الحريري في مجدليون، تلاها اكتشاف ثلاث قذائف صاروخية عند مدخل صيدا الشمالي في اليوم الذي كان مقرراً أن يأتي فيه العماد ميشال عون إلى المدينة في 13 أيار لإعلان تحالفه مع النائب أسامة سعد وحليفه عبد الرحمن الزري، وتوّجت هذه الأحداث الخطيرة باختراق أمني كبير نفذه الموساد الإسرائيلي باغتياله الأخوين مجذوب في 26 أيار في قلب المدينة.
الاغتيال ورسائل الاغتيال ليست المؤشر الوحيد على خطورة ما يجري في صيدا، فحالة الصراع الحاد المرتبط بالاصطفاف السياسي في لبنان، انعكست على الأرض بين النائبين الحريري وسعد، ولا سيما في منطقتي التعمير والبلد القديمة الشعبيتين، حيث لا سلطة فعلية لأجهزة الدولة، فمنطقة التعمير تعاني من فراغ أمني منذ سنوات نتيجة وقوعها في المنطقة الفاصلة عن مخيم عين الحلوة، بينما تعاني البلد القديمة من نفس المشكلة تقريباً نتيجة وضعها كمدينة قديمة، إضافة إلى عوامل سياسية أخرى، بالرغم من الحديث الدائم عن ضرورة افتتاح مخفر للدرك فيها، وقد شجّع هذا الغياب الأمني على ظهور جماعات مسلحة كانت محسوبة في غالبها على تيار النائب أسامة سعد، ومدعومة من أجهزة أمنية، بشكل كامل في زمن الوصاية، وبمستوى أقل في الفترة الحالية، وقد وصل الحد بهذه الجماعات أنها كانت تمنع النائب بهية الحريري من دخول هاتين المنطقتين من خلال المضايقات المسلحة وغير المسلحة.
ثمة قرار متخذ في مجدليون منذ الانتخابات البلدية الأخيرة، "باختراق" منطقتي التعمير والبلد القديمة، فالبرامج الإنمائية التي ترعاها النائب الحريري تتوجه بوضوح نحو هاتين المنطقتين، في حين يجري العمل على استمالة العائلات و"الشلل المسلحة" بوسائل شتى، باعتبار أن الأخيرة باتت أمراً واقعاً، وقد نجحت النائب الحريري في ذلك إلى حد كبير، الأمر الذي خلق توازن نفوذ و"قوى مسلحة"، وزاد من الإشكالات بين أنصار الطرفين، ففي 23 نيسان الماضي أصيب شخصان في البلد القديمة في حادث إطلاق نار من قبل أحد المحسوبين حالياً على النائب الحريري، وفي 19 أيار قام ثلاثة شبان باقتحام مقهى عند الكورنيش البحري بالكسر والتهديد على خلفية اشكال وقع في وقت سابق داخل أحياء المدينة القديمة وأدى الى سقوط جريح، وفي 2 تموزالجاري وقع إشكال آخر في نفس المقهى بين أنصار النائبين سعد والحريري أدى حسب بيان قوى الأمن الداخلي إلى "إصابة عدة اشخاص بجروح مختلفة وتضرر عدد من السيارات نتيجة إطلاق نار من أسلحة حربية".
أما في منطقة التعمير فقد جرى تفجير سيارة تابعة لمؤسسة الحريري في 19 حزيران الماضي، أدى إلى أضرار في مقهى وسيارات مجاورة، وقد قالت النائب الحريري إثر ذلك: "إن حادث التفجير بمثابة رسالة وقد تلقيناها، لكن جوابنا أننا سنكمل ما بدأناه"، فيما أرسل النائب سعد الحريري أربع سيارات إلى المنطقة بدلاً من تلك التي أحرقت، وبعد 24 ساعة، أي في 20 حزيران وقع حادث تفجير ثانٍ في نفس المنطقة أدى هذه المرة إلى تضرر سيارة <فان> عائدة لشخص محسوب على النائب أسامة سعد.
الأزمة في صيدا كانت أكبر من أن توحّدها حادثة اغتيال الأخوين مجذوب، فـ"اللقاء التشاوري" الذي انعقد في منزل النائب الحريري غداة الاغتيال قابله "اللقاء الوطني الديمقراطي" الذي دعا إليه النائب سعد، وإذ لم يجر الاتفاق على مراسم التشييع وحيثيات إقفال المدينة ومكان تقبل التعازي، سجل حضور لافت لحزب الله في التشييع والدفن والتعازي وتبنٍ كامل من الحزب بالتزامن مع شعارات ولافتات مذهبية أثارت استياء سكان المدينة، ما أدى إلى إحجام بعضهم عن تقديم التعازي التي أقيمت في بلدية صيدا التي يرأسها الدكتور البزري حليف النائب سعد.
محاولات الجمع بين الطرفين الصيداويين باءت كلها بالفشل حتى الآن، فالنائب أسامة سعد يرفض أي لقاء مع النائب الحريري "ما لم يوقف تيار المستقبل دعمه وتغطيته لبعض الشلل التخريبية في منطقة التعمير وغيرها"، والنائب بهية الحريري ترفض بدورها أي لقاء مع النائب سعد بحضور حليفه البزري باعتباره تابعاً له و"لا يمثل قوة سياسية على الأرض"، وعلى هذا الأساس تقول لزوارها "إننا حريصون على مصلحة المدينة وعلى اللقاء مع النائب سعد ولكننا لن نستجدي هذا اللقاء".
الناصريون – نسبة إلى التظيم الشعبي الناصري الذي يرأسه أسامة سعد- يتهمون الحريري بـ"تنفيذ أجندة أميركية"، والحريريون يتهمون سعد "بالارتباط بالأجندة السورية، وبإدخال العماد عون للمدينة وبتغطية النفوذ المتزايد لحزب الله فيها، الأمر الذي يخل بحسابات وتوزنات المدينة السياسية والطائفية والمذهبية" فيما يرد النائب سعد متهماً هؤلاء بأنهم يمارسون "خطاباً بعيداً عن تاريخ المدينة ودورها".
في محاولة لاحتواء الوضع ولا سيما بعد إحراق الدواليب الذي حدث في صيدا من قبل أنصار التنظيم الناصري وحزب الله بعد التعرض للسيد نصرالله على إحدى المحطات التلفزيونية، أعلنت النائب الحريري مبادرة لـ"وحدة صيدا" في 4 حزيران الماضي، لكن المبادرة لم تجد آذاناً صاغية عند الطرف الآخر، على الأثر تحرك بعض "سعاة الخير" للجمع بين النائبين اللدودين، لكن المحاولة لم يكتب لها النجاح. الجماعة الإسلامية، وإمام مسجد القدس الشيخ ماهر حمود، ومفتي صيدا والجنوب الشيخ محمد سليم جلال الدين، كلهم حاولوا... لكن دون جدوى.
في 20 حزيران الماضي أعرب النائب أسامة سعد عن شكره لجميع سعاة الخير، لكنه أعلن أنه "لن يشارك في لقاء موسع قبل معرفة أسماء الحاضرين والعناوين المطروحة"، مؤكداً أن ما يهمه حالياً هو "تطويق المناخات المذهبية التي ظهرت في المدينة في أعقاب جريمة اغتيال الأخوين المجذوب"، رافضاً اللقاء بالنائب الحريري التي "تعمل لوحدة المدينة على طريقتها"... وهكذا تستمر الأزمة مرخيةً بثقلها على المدينة وأهلها، ومنذرةً بالمزيد من الأحداث الأمنية، وربما الفتن المذهبية... وعلى وقع هذا التوتر الخطير عززت قوى الأمن من حضورها في صيدا، وأدخلت سرية "الفهود السود" في محاولة منها لضبط الوضع الأمني في المدينة بعدما اتهمت عدة قوى صيداوية هذه القوى بالتلكؤ وعدم القيام بدورها.
ومع أهمية تعزيز قوى الأمن لوجودها في المدينة، إلا أن الحل يبقى سياسياً، وهو أمر لا يبدو أنه قريب في ظل احتقانات متنوعة وتجاذبات محلية وإقليمية مختلفة يشهدها لبنان، وصيدا في قلب كل ذلك، الأمر الذي ينذر بمزيد من الاحتكاكات التي يتلوها غالباً تدخل كل طرف لحماية المحسوبين عليه تعاملاً بالمثل مع خصمه الآخر!!.
المصدر
- مقال:صيدا تشهد أسوأ حالة تجاذب سياسي ومذهبي منذ سنواتموقع:الشبكة الدعوية