عبدالفتاح نافع يكتب: وابعث في المدائن حاشرين
تربى موسي في قصر فرعون ، مُنعمًا مُرغدًا كشأن كل من يتربى في القصور ولاسيما القصور الملكية أو الرئاسية أو الفرعونية ، فكل وسائل الرفاهية ممكنة وهو الفتي المدلل الذي تمنت زوجة فرعون أن يكون قرة عينٍ لها ولزوجها الفرعون العظيم في جبروته.
ولنا أن نتخيل مدى تدليل زوجة فرعون لموسي وفرحها وشغفها به ، فعسي أن ينفعها أو تتخذه ولدًا ، وكانت هي وزوجها وقصره هما المحضن التربوي الذي نشأ فيه موسي الذي اكتسب عادات وتقاليد وأتيكيت الفراعين والأُسر المالكة بسبب الحياة معهم وبينهم.
كان موسى يعد أحد أمراء القصر الفرعوني ، وكان يعرف بأس الفرعون وسطوته إذا ما غضب علي أحد ، فموسي يعلم بكل خفايا القصر.
والجميع كانوا يُجلون موسي كإجلالهم للفرعون ، بل ويتقربون له ويتزلفون له كشأن أبناء الملوك وما يفعله معهم أبناء بقية الشعب ، واعتاد موسي علي الاستماع إلي... الفرعون هو مصر ومصر هي الفرعون... وهذه الحالة من التكريس لألوهية الفرعون وعدم اجتراء أحد علي قول غير ذلك، قد تعود علي سماعها موسي فهي طوال الوقت تتردد في جنبات القصر وفي أروقته وكذلك في كل ربوع مصر.
وكل هذه الأمور تُسوغ له أن يركن إلي حياة الترف والدعة والتي يتمناها كل الوزراء والكهان فما بالنا بعامة الشعب المطحون ، إلا أن موسي لم تمنعه كل هذه المغريات عن تحمل رسالته والاضطلاع بالمهمة التي أوكلها الله إليه علي الرغم من تيقنه بمعاداة فرعون له إثر هذه الرسالة التي تنازعه في أهم شيء يمتلكه ويتباهي به وهو ربوبيته وألوهيته التي يزعمها لنفسه و يصدقه ويطاوعه في هواه هذا كل المصريين الذين استخفهم فأطاعوه لفسقهم.
وتربية فرعون لموسي لم تمنعه من مقاومته والسعي خلفه لقتله وإبادته والتنكيل به وبمن معه حتى يكونوا عبرة لمن يأتي بعدهم فلا يدور بخلد أحد أن يفعل مثل ما فعل موسي ومن معه.
ولم يمنع التقرب والتزلف لموسي والذي كان يفعله كل من في القصر من وزراء وكهان الملأ من أن يبذلوا كل ما في طاقتهم ووسعهم لمساعدة الفرعون المهدد بزوال ملكه وزوال ألوهيته والذي سينتزع منهم بالتبعية ثوب التقديس ورداء الاستعلاء علي كل فئات الشعب المصري فكان لا بد أن يهبوا لنجدة إلههم الذي بدأ يتهاوي ويفقد سطوته وسلطانه.
بدأ موسي رسالته بـ "فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشي" ، ثم بمعجزة العصا ثم ترادفت المعجزات التي تُدلل علي صدق رسالة موسي ، وكلما ظهرت معجزة ، كلما زاد النكران وزاد الكفر واشتد البأس علي موسي ومن معه وكأن هذه المعجزات تستفز كفرهم وتحفزهم علي إيذاء موسي ومن آمن معه _شيء عجيب_ إنه الحرص علي المصالح والمكتسبات وحالة القداسة التي يعيشون فيها والتي جعلتهم يعارضون موسي ويسعون للفتك به وهو هو موسي الذي كانوا من قبل يتقربون له ويبدون كل مظاهر الود والاحترام له.. ما الذي حدث وجعلهم ينقلبون عليه.. إنها الرسالة.. رسالة الإصلاح.
وبثَّ فرعون رجاله في كل المدن والقرى ليُشهروا بموسي وبالجرم الذي ارتكبه ، ولكي يجمع الكفاءات الفاسدة التي ستعينه علي الفتك بموسي وإبطال كل حججه والقضاء علي كل معجزاته ، فقد أشار عليه الملأ ، وابعث في المدائن حاشرين ، لفهمهم للدور الكبير الذي يمكن أن يقوم به الإعلام من تبديل الحقائق المستقرة في النفوس إلي تُرهات ، وطمس أي قناعة في نفوس أبناء الشعب تخالف هدفهم ومبتغاهم ، وغرس القناعة التي يريدونها أن تستقر في نفوس أبناء هذا الشعب الفاسقين بشهادة رب العالمين عليهم .
فالإعلام كان أداة مهمة استطاعت أن تطيل في أمد الصراع بين الحق والباطل وخاصة لمن يملك كل أدواته.
فأجمعوا كيدكم ثم أتوا صفًا وقد أفلح اليوم من استعلي... وهنا قد أخذ أهل الباطل بكل الأسباب لنصرة مليكهم وفرعونهم الذي تعلقت مصالحهم به ، بينما كان موسي ومن معه مستضعفين أمام الجميع ولكن لمجرد إيمانهم وثباتهم ، قد نجاهم الله من فرعون وأغرق الله فرعون ومن معه..
ويستطيع كل منا أن يُسقط هذا السرد علي كل موسي وكل فرعون في ذهنه ، ولكن سنة الله لا تبديل لها ففرعون الذي يُمسك بكل مقومات القوة والبطش ، يفشل بل ويهلك غرقًا ويظل عبرة لجميع الأمم حتى يوم القيامة ، وموسي الذي فر بقومه تُجاه البحر ينجوا بضعفه .
لماذا ؟
لأن الله كان في جبهته وكان موسي يبلغ رسالة ربه ، فالظفر دائمًا لمن كان الله في خندقه ولمن عاش يعمل لتبليغ رسالات الله.
فانظر إلي الخندق الذي تُعسكر فيه والتفت حولك وانظر لمن هم معكم ، ثم اختر أن تُكمل أو تبدل خندقك.
المصدر
- مقال: عبدالفتاح نافع يكتب: وابعث في المدائن حاشرين موقع الشرقية أون لاين