عبد الناصر والعراق.. عندما يحكم العسكر
صنع عبد الناصر شعبيته الكبيرة في مصر والوطن العربي، من خلال شعارات ثلاثة، محاربة الفساد والتحرر من الاستعمار وتحقيق الوحدة العربية، واستطاع عبد الناصر طوال سنوات حكمه، من استخدام (الإعلام) لإخفاء كثير من الوقائع على الأرض والتي تشي بعكس ما رفعه من شعارات وما أعلنه من مبادئ، فاستطاع عبد الناصر بإعلامه تحويل العديد من هزائمه إلى إنتصارات وكوارث حكمه إلى إنجازات، لكن بموت عبد الناصر في سبتمبر 1970، كتب رفاقه مذكراتهم تباعاً، وأعاد الكثيرون قراءة تاريخ دول عربية إشتبكت مع الحالة الناصرية، مثل سوريا والعراق، فبدت للناس صورة أخرى لحكم عبد الناصر، تلك الصورة التي حاول عبد الناصر فى إخفائها عن الناس، قدمت هذه الصورة للقارئ العربي إجابات على أسئلة عديدة حول أحداث لم يستطع المواطن العربي تفسيرها في حينها، خاصة أن مصر لم تكن هى الدولة الوحيدة التي استولى فيها العسكر على الحكم، فقد سبقتها (سوريا) في هذا المضمار، ولحقت بها (العراق ـ اليمن ـ الجزائر ـ اليمن الجنوبية – ليبيا).
ولم ينتبه لخطر الحكم العسكري حينذاك على مستقبل مصر والمنطقة بأكملها، سوى جماعة الإخوان المسلمين وقائدها حينذاك المستشار حسن الهضيبي، الذي مثَّل أمام الانقلابيين حائطاً منيعاً، حال دون اختراق العسكر للمكون المدني الأكبر فى البلاد، مما كان له أثره على شكل مصر ما بعد عبد الناصر..
الاخوان المسلمون والانقلابيين
فقد نظرت جماعة الاخوان المسلمين إلى ما حدث فى يوليو 1952 كإنقلاب عسكري، وقال المرشد العام حسن الهضيبى بوضوح: (... الحكومة ثورية ومعني هذا أنها ستتخذ إجراءات عنيفة لا تقرها مبادئ الإسلام للتخلص من تاريخ مغلوط معقد .. فلنتركها تبوء بهذا كله وننشغل نحن بتسديدها من بعيد دون مسئولية) شهادة عبد البديع صقر [١]
وتركزت مطالب الاخوان المسلمين أثناء حكم عبد الناصر حول (عودة الحكم النيابي البرلماني للبلاد، وعودة الحريات العامة، ومنها حرية الصحافة)، و كان عبد الناصر يقول للإخوان: (تريدون أن يعود حكم الباشوات، وحكم النحاس باشا وزينب الوكيل من جديد؟) وكان الأستاذ الهضيبي لا يكل ولا يمل من المطالبة بعودة الحياة الديمقراطية والنيابية للبلاد، ويرى أنه لا خلاص لمصر إلا بها، كما كان ينادي باستمرار بتحكيم الشريعة الإسلامية، واتخاذها مصدرًا للتقنين [٢]
ومما سجله الدكتور عبد العظيم رمضان فى كتابه حول حقيقة أزمة مارس 1954، عن المستشار حسن الهضيبي قوله (ان حركة الضباط حركة إصلاحية وليست إسلامية)، وذلك حين أدرك الاخوان المسلمون مبكراً نوايا الانقلابيين تجاه الحريات وتجاه الاسلام، فتحفظوا فى تأييدها، وآثروا أن يقفوا منها موقف المراقب الحذر. وتجاوزت تلك المواقف (الثورية العنيفة) التي حذر منها الهضيبى، مجرد الاستئثار بحكم البلاد وإقصاء باقي القوى الوطنية بعيداً عن المشهد السياسي، فقد وصلت إلى اندلاع صراع على السلطة بين رفاق الأمس، مما حوَّل الجيش إلى (شلل)، وهو أخطر ما يصيب دولة من الدول، ثم انتقل هذا الصراع إلى الجوار العربي، لتشتعل المنطقة بالصراعات البينية على السلطة، ولتكون الشعوب فى الأخير هى من تدفع الثمن من استقلالها وحريتها.
إندلاع الصراع بين رفاق الأمس
فما إن استتب الأمر للإنقلابيين في مصر عقب انقلاب 52، حتى التعامل مع البلاد على أنها غنيمة باردة، فتم توزيع المناصب الى الأحساب تمهيداً لحسم معركة الإنفراد بالسلطة والإطاحة بالخصوم! فتمت ترقية عبد الحكيم عامر من رتبة (رائد) إلى رتبة إلى رتبة لواء، وهو في سن 34، ليصبح القائد العام للقوات المسلحة، وفي العام التالي وزيرا للحربية! ولم يكن ذلك عن جدارة أو كفاءة! بل كان عبد الناصر يتحصن بأصدقائه في مواجهة خصومه! وما إن إكتملت لعبد الناصر (شلته)، حتى تمت الإطاحة أولاً رئيس جمهورية بعد الانقلاب اللواء محمد نجيب، ثم تمت الإطاحة ببقية ضباط تنظيم الضباط الأحرار، لكن الفصل الأخير من الصراع على السلطة، كان بين عبد الناصر وصديقه الحميم وذراعه الأمين عبد الحكيم عامر، ولم ينتهى هذا الصراع إلا بعد أكبر هزيمة عسكرية حلت بالبلاد، والتي انسحب أثرها على كامل المنطقة العربية، وكان من أخطر نتائجها التمكين للمشروع الصهيوني فى خاصرة الوطن العربي فلسطين.. واللافت للنظر أن الصراع بين رفاق الأمس تكرر بحذافيره مع الانقلابات المشابهة في العراق، وكان لعبد الناصر ونظامه الذراع الطولى في إشعال تلك الصراعات واللعب على تناقضاتها وتضارب مصالح أفرادها!
إنتقال عدوى الانقلابات وصراعاتها
ومما يلفت النظر، أن عدوى الانقلابات العسكرية وما يترتب عليها من صراعات بين العسكر المنقلبين، سرعان ما انتقلت من مصر 52 إلى العراق! فيُروى أن نوري السعيد رئيس وزراء العراق ترامى إلى سمعه بأن العقيد رفعت الحاج سري متورط بمحاولة انقلاب فاستدعاه وقال له: "لقد ترامى إلى بأنك متورط في تدبير مؤامرة ضد العهد. فهل هذا صحيح؟ فأنكر سري. فقال له نوري: "اصغ إلي، إذا ما قُيض لمؤمراتكم أن تنجح يوماً ما فإن صراعاً مريراً سينشأ بين العسكريين، صراعاً لا ينتهي حتى يشنق بعضكم بعضا". وبالفعل قد دب الخلاف بين العسكريين المنقلبين في العراق وكان أول من أُعدم منهم رفعت الحاج سري نفسه مع جماعة من زملائه الضباط عام 1959. [٣]
والغريب أن هذا الانقلاب الذي تم تنفيذه في 14 يوليو 1958، خطّط له عبد الكريم قاسم ونفّذه عبد السلام عارف، وانفرد قاسم وعارف بالحكم وقاموا بتوزيع المناصب بينهم وبين الضباط الذين قاموا معهما بالانقلاب، فقد تولى قاسم مناصب رئيس الوزراء ووزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة، وتولى عارف منصبَيْ نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية [٤]
ولم يكن عبد الناصر بعيداً عن هذا الانقلاب، فقد رحبت الجمهورية العربية المتحدة (اتحاد مصر وسوريا) فورًا به واعترفت بشرعيته، ولقد أمل عبد الناصر أن ينضم العراق سريعًا إلى الجمهورية العربية المتحدة. فدعم الانقلاب بالمال والسلاح، وفور اندلاعه، قام بزيارة سرية لموسكو من أجل الحصول على الدعم اللازم إذا ما تدخل الغرب ضد الثورة، ثم أعلن من دمشق أن أي عدوان على العراق هو عدوان على الجمهورية العربية المتحدة، بدا أن العلاقة بين عبد الناصر وقادة الثورة في العراق سمن على عسل، حتى إن صور عبد الناصر كانت تُرفع إلى جوار صور الزعيمين في شوارع المدن العراقية كما أن كثيرًا من الأحزاب كان يرى أن الثورة قامت من أجل الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة. [٥]
لم يكن الاختلاف الوحيد بين الصديقين قاسم وعارف، سوى أن الأول (قاسم) أتاتوركى النزعة ميالاً إلى الحزب الشيوعي، والثاني (عارف) إندماجى النزعة وحدوى التوجه وأقرب إلى عبد الناصر [٦]
وكانت تجربة الصراع بين نجيب وعبد الناصر حاضرة في ذهن رجال انقلاب 58 في العراق (قاسم وعارف)، فعبد الناصر الذي دعم الانقلاب ووقف خلف الرجلين، كان يطلق على عبد الكريم قاسم (نجيب العراق)! وقاسم - بطبيعة الحال - يحاول ألا يتكرر معه ما حدث مع نجيب.. فنشأ اصطفافاً بين انقلابي العراق غذته تجربة انقلاب عبد الناصر وما تبعه من صراع، فأخذ القوميون والبعثيون والناصريون صف عارف، بينما أخذ الشيوعيون والأكراد واليساريون صف قاسم، وسرعان ما نشبت الخلافات بين الرجلين (قاسم وعارف) بعد أشهر معدودة من نجاح الانقلاب! وزاد من تلك الخلافات، إصرار كلٍّ منهما على وضع أصدقائه المقربين في المناصب المهمة! فعزل قاسم عارف من جميع مناصبه، وحكم عليه بالإعدام، إلا أن الحكم لم ينفذ مكتفياً بإقصائه من المشهد تماماً.
حاول بعض القوميين (حلفاء عارف) تنفيذ انقلاب على عبد الكريم قاسم في مارس 1959، وكان الانقلاب مدعومًا من الجمهورية العربية المتحدة، بقيادة العقيد عبد الحميد السراج رئيس الاستخبارات في سوريا، وهو رجل عبد الناصر فى سوريا، إلا أن الانقلاب فشل، فأوى عبد الناصر رجال الانقلاب الفاشل، ليبدأ عبد الناصر فى إعلان حرباً إعلامية على عبد الكريم القاسم من خلال إذاعة صوت العرب!
في الثامن من فبراير 1963م وقع انقلاب دموي، كتب نقطة النهاية للصراع بين الرجلين، فقد ثارت وحدات من الجيش العراقي ضد قاسم باسم القومية العربية، وفي غضون أربعة وعشرين ساعة من معارك شوارع دموية، تم القبض على قاسم، وأجريت له محاكمة في (محكمة الشعب) وأذيعت على التلفاز، وتم إعدامه رمياً بالرصاص، وعرض جسده الممزق بالطلقات على شاشة التلفاز العراقي، لتبدأ بعد ذلك حملات تطهير تجاه شيوعيي العراق[٧]
بعد نجاح عبد الناصر بالتخلص من عبد الكريم قاسم و تسلم النظام الجديد للحكم، أصبح جمال عبد الناصر يعتقد انه هو الحاكم الفعلي للعراق وبدأ يتدخل في كل صغيرة وكبيرة في العراق وبدء يلح على عبد السلام عارف على انشاء وحدة وضم العراق الى مصر، وفي 17 من أبريل عام 1963 تم توقيع اتفاقية الوحدة بين مصر وسوريا والعراق، لكنها بقيت على الورق دون تنفيذ، وكان الرئيس عبد السلام عارف غير متحمس لإتمامها خاصة مع تجربة سوريا السابقة المريرة تحت حكم عبد الناصر التي انتهت عام 1961.
فبدأ جمال عبد الناصر يخطط للانقلاب عليه وخاصة بعد محاولة عبد السلام عارف منع عبد الناصر من اعدام المفكر الاسلامي سيد قطب، ومن المعلوم أن تدخل عبدالسلام عارف شخصيا وضغطه عليه أدي إلي إطلاق سراح المفكر الإخواني سيد قطب من السجن عام 1964، وكان عارف قد أوفد اللواء محمود شيت خطاب المفكر الإسلامي المعروف ووزير الأشغال والشئون البلدية لدي عارف إلي القاهرة، ليتابع بنفسه إطلاق سراح سيد قطب، وهو ما اعتبره عبد الناصر بداية ميل عبد السلام عارف للإخوان المسلمين، فعادت من جديد سياسة الانقلابات بين رفاق الأمس!
ففي 1965 جرت محاولة انقلاب، لكنها فشلت وفرَّ بعض ضباطها مع عائلاتهم إلى مصر، واتهم عبد السلام عارف صراحة عبد الناصر (حليف الأمس) أنه خلف هذه المحاولة! حيث قال : (ان الجمهورية العربية المتحدة هي التي دبرت الانقلاب وان لها رجلا فيه). [٨]
وما لم يتم بمحاولة الانقلاب، تم بطريقة أخرى، حيث قُتِل الرئيس عبد السلام عارف ومن معه عندما سقطت طائرته الهيلوكبتر اثر هبوب عاصفة رملية قرب البصرة كما كان قد أذيع وقت ذاك، ولم يستطع احد حتي يومنا هذا من كشف لغز سقوط تلك الطائرة! إلا أن أمين هويدي ذكر بأن عبد الناصر هو أول من عرف بخبر سقوط الطائرة قائلا لهم بأن عبد السلام قتل وشبع موت! وبمجرد مقتل عبد السلام عارف، وصل عبد الحكيم عامر من القاهرة إلي بغداد في مساء يوم حادث سقوط أو إسقاط طائرة عبدالسلام عارف، وشارك في التشييع باليوم التالي ممثلا للرئيس عبدالناصر، إلا أن عامر كان له دوراً آخر.. حيث عمل جهده من خلال تنفيذ رغبة الرئيس جمال عبد الناصر في عدم وصول المرشحين الاثنين اللذين كان ضدهما للرئاسة في العراق: المدني الدكتور عبد الرحمن البزاز رئيس الوزراء والعسكري عبد العزيز العقيلي وزير الدفاع، وفرض بدلهما اخو عبد السلام الفريق عبد الرحمن عارف رئيس أركان الجيش وكالة، وقد ضرب بالدستور عرض الحائط، ولأول مرة يرث رئيس دولة جمهورية أخاه في الحكم، كان في العراق! ) انتهي كلام الدكتور الجميل.[٩]
و بعد وفاة عبدالسلام أُعيد اعتقال سيد قطب ووُجهت له تهمة التآمر علي عبدالناصر وُأعدِم مع جماعته أواخر سبتمبر 1966 أي بعد سقوط طائرة عبدالسلام بخمسة أشهر..
وهكذا يكون جمال عبد الناصر بتصفية عبد السلام عارف - برأى الدكتور الجميل والكاتب وسيم العناني - قد قتل ثالث حاكم للعراق خلال 8 سنوات بعد الملك فيصل الثاني وعبد الكريم قاسم. [١٠]
الخلاصة
ثبت بالتاريخ أن أسلوب الانقلابات العسكرية، كطريقة للوصول إلى الحكم، يعقبه حتماً صراع بين رفاق الأمس، وأن غياب الحريات واستباحة الحرمات، صفة لصيقة بكل الانقلابات، والتي كانت أكبر بلاء نزل بمنطقتنا العربية، إذ فعلت بأمتنا ما لم يفعله بها الاستعمار.
المصادر:
- ↑ حسن الهضيبي .. الإمام الممتحن - جابر رزق https://bit.ly/3GCcYg0
- ↑ توتر العلاقة بين الإخوان والثورة – يوسف القرضاوى https://bit.ly/3Ud4ILB
- ↑ بين الحكم العسكري والمدني.. لماذا علينا أن نختار المدني؟
- ↑ قاسم وعارف.. صداقة بدأت بانقلاب وانتهت رميا بالرصاص https://cutt.us/i5L92
- ↑ ناصر وعبدالكريم: قصة العداء بين «ذي الأنف الكبير» و«قاسم العراق» https://cutt.us/lfsfz
- ↑ حازم صاغية - كتاب (الانهيار المديد)
- ↑ ناصر وعبدالكريم: قصة العداء بين «ذي الأنف الكبير» و«قاسم العراق» https://cutt.us/lfsfz
- ↑ الكاتب والمؤرخ وسيم العاني https://cutt.us/iBnOt
- ↑ د. سيار الجميل - كتاب (القاهرة حاولت الانقلاب علي عبدالسلام عارف)
- ↑ الكاتب والمؤرخ وسيم العاني https://cutt.us/iBnOt