عز الدين الحداد شبح القسام
اصطفاء الله للشهداء هو كرامة إلهية عليا، يختار الله بها نخبة من عباده المؤمنين، كما جاء في قوله تعالى: (وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ) [آل عمران: 140]، ليكونوا في أعلى درجات الجنة، بعد أن يطهّر الله قلوبهم ويثبتهم في محطات الاختبار والابتلاء، فالشهادة هي مقام اصطفاء لا يناله كل مؤمن، بل من استخلصهم الله وصدقوا نيتهم.
وعز الدين الحداد واحد من الذين اصطفاهم الله بهذا الفضل –مثله مثل مئات من عظماء فلسطين وغزة- حيث جاءت كلمات زوجة شقيق عز الدين الحداد لتؤكد معنى الاصطفاء بقولها:( عز الدين الحداد أغاظ إسرائيل وأرعبها ونشهدك أننا راضون يارب).
طريق الشهادة
وُلد عز الدين الحداد عام 1970 في مدينة غزة وينحدر من حي التفاح شرقي المدينة، وانضم إلى حركة حماس منذ تأسيسها عام 1987، كما عمل في جهاز "مجد" التابع لكتائب القسام في مهام مرتبطة بتعقب من تصفهم الحركة بالعملاء.
وخلال مسيرته داخل كتائب القسام، تدرج من جندي إلى قائد فصيل ثم قائد كتيبة وصولاً إلى قيادة لواء مدينة غزة بعد مقتل باسم عيسى عام 2021، كما شغل عضوية المجلس العسكري المصغر قبل أن يتولى مواقع قيادية متقدمة داخل الكتائب.
وبرز اسمه بشكل واسع باعتباره قائداً للواء غزة في كتائب القسام، وهو أحد أهم الألوية العسكرية وأكثرها حساسية، نظراً لتمركزه في قلب مدينة غزة، وما تمثله من ثقل سياسي وعسكري وأمني.
وخلال سنوات عمله، ارتبط اسم الحداد بملفات إعادة بناء القدرات القتالية للقسام، وتطوير أساليب المواجهة الميدانية، خاصة في ما يتعلق بحرب المدن والأنفاق والعمل الأمني المعقد.
الشبح
الحداد أحد أكثر قادة "حماس" غموضاً منذ اندلاع الحرب عام 2023، كما عُرِف بلقب "شبح القسام"، بسبب ندرة ظهوره العلني واعتماده السرية في إدارة عملياته، إضافة إلى نجاته من عدة محاولات اغتيال إسرائيلية على مدى سنوات، إذ تعرض منزله للقصف مرات عدة خلال حروب غزة، بينها أعوام 2009 و2012 و2021، وقالت تل أبيب إنها حاولت استهدافه خلال الحرب الحالية.
فخلال معركة الفرقان، كان قائدًا للجناح العسكري لحركة حماس في المنطقة الشرقية من مدينة غزة، وفي 2 يناير/كانون الثاني 2009، قصف الجيش الإسرائيلي منزله في حي الشجاعية بمدينة غزة. خلال الحرب على غزة في عام 2012، كان منصبه قائد لواء جنوب مدينة غزة. وخلال العملية أيضًا، قصف الجيش الإسرائيلي منزله من جديد. وفي معركة سيف القدس عام 2021، كان منصبه أيضًا قائد المساعدة القتالية العامة في القطاع، وخلال العملية في 17 مايو 2021، قصف الجيش الإسرائيلي منزله للمرة الثالثة.
وفي مارس 2024، كان يُعدّ أحد أبرز أهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي للاغتيال في مدينة غزة. وكان قد نجا من عدة محاولات اغتيال، منها محاولة خلال الحرب على غزة 2023. وفي منشورات أصدرها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة في نوفمبر 2023، عُرضت مكافأة مالية قدرها 750 ألف دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إليه
طوفان الأقصى
وفي 6 أكتوبر 2023، أي قبل يوم من عملية طوفان الأقصى، جمع الحداد سرا قادة الكتائب التي كانت تحت قيادته وسلمهم وثيقة بالأمر لتنفيذ العملية. ومن أحد الأهداف الرئيسة التي حددها للعملية هو "أسر عدد كبير من الجنود الإسرائيليين في اللحظات الأولى (للقتال) وإرسالهم إلى قطاع غزة"، وأنه "يجب التأكد من أن هناك أن يكون بثًا مباشرًا للهجوم والاستيلاء على البؤر الاستيطانية والكيبوتسات إلى دائرة الإعلام".
في ديسمبر 2023، خلال العدوان الإسرائيلي على غزة، داهمت الفرقة 162 من الجيش الإسرائيلي منزله في حي التفاح. وزعمت العثور على صور توثق علاقاته مع قادة آخرين في القسام، ومن بينهم قائد كتيبة الشاطئ.
وفي شباط/فبراير 2024، شنَّت قوى الاحتلال الإسرائيلي هجومًا على منزل في تل الهوى أُعتُقِدَ أنه يقيم فيه، لكن الحداد لم يصب بأذى. ولاحقًا، دُمر منزل له في غزة في 3 مارس 2024، للمرة الرابعة.
وفي يونيو 2024، أفادت التقارير لدى الجيش الإسرائيلي أنه عقب الحرب، عُين الحداد أيضًا في المنصب المسؤول عن شمال قطاع غزة. وأعلن في 17 يناير 2025 عن مقتل ابنه «صهيب الحداد» وابنه مؤمن بقصفٍ إسرائيلي على حي التفاح.
ولعب الحداد دوراً مهماً في هجوم «7 أكتوبر»، وقاد غالبية الهجوم في مدينة غزة ضد المواقع الإسرائيلية شرقاً، وكذلك بعض الهجمات الصاروخية، وأشرف من غرفة العمليات بنفسه على الهجوم الأول الذي استهدف قاعدة «ناحال عوز» العسكرية التي كانت مليئة بالجنود.
استشهاده
وفي 15 مايو 2026، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، في بيان مشترك، استهدافه بغارة جوية على شقة سكنية في حي الرمال بمدينة غزة، ضمن عملية قالا إنها نُفذت بتوجيه مباشر منهما، كما أعلنت أن الأمر تم بعد سماح الولايات الأمريكية لاسرائيل باغتيال الحداد لأنها ترى فيه عقبة لتحقيق خطة السلام التي تتبناها الإدارة الأمريكية.
ووصفت تقارير إسرائيلية وغربية عز الدين الحداد بأنه أحد "آخر الباقين" من كبار القادة العسكريين الذين لعبوا أدواراً محورية في إدارة العمليات داخل قطاع غزة.
ومن المعروف أن الحداد أشرف على عملية صناعة قذائف "الياسين 105"، وأمر بزيادة إنتاجها، وبات القائد الفعلي لعمليات "القسام" ضد الجيش الإسرائيلي، وحالياً هو قائد أركان الحركة، إذ يدير ملف الرهائن الإسرائيليين في غزة، ويرفض الخطة الأميركية الخاصة بمستقبل القطاع بعد الحرب، وتتهمه تل أبيب بأنه العقبة الأخيرة لإنهاء القتال.
حيث تشير التقارير إلى أن الحداد يُعرف بمواقفه الرافضة لأي تسوية تمس سلاح المقاومة أو البنية العسكرية لحماس في قطاع غزة، كما يُنسب إليه دعم استمرار العمل العسكري ورفض الضغوط المتعلقة بوقف إطلاق النار وفق شروط إسرائيلية.
كما أكدت كتائب القسام الخبر ونعت قائدها، بل شارك آلاف المواطنين، السبت، في تشييع مهيب لجثمان القائد العام لكتائب القسام، الجناح العسكري لحركة “حماس” عز الدين الحداد، الذي ارتقى برفقة زوجته وابنته في جريمة اغتيال إسرائيلية أمس.
وانطلق موكب التشييع من مسجد شهداء الأقصى وسط مدينة غزة، وسط غضب شعبي وهتافات دعت للمقاومة ومواصلة التصدي للاحتلال الإسرائيلي، والوفاء لدماء الشهداء وعوائلهم