عندما تنتهي الهدنة
بقلم : فادي شامية
ظروف الهدنة
كان اشتداد الضغط على حركات المقاومة الفلسطينية أمرا متوقعا مع سقوط بغداد، سيما وأن العدو الصهيوني ينتظر الحصول على ثمن حياده وعدم تشويشه على الخطط الاميركية أثناء الحرب، ومع اقتناعه بعدم إمكانية القضاء على الإنتفاضة أو كسر إرادة الشعب الفلسطيني عبر الحل العسكري راهن شارون على اقتتال داخلي فلسطيني نظرا للهوة الكبيرة التي تفصل مواقف رئيس وزراء السلطة الفلسطينية وحركات المقاومة المسلحة وعلى رأسها حماس التي استهدفها الجيش الصهيوني بضربات مؤلمة تستوجب الرد، لكن أحلام شارون خابت مع الحكمة العالية التي أبدتها هذه الحركة مستندة إلى شورى طالت كافة مستويات العضوية فيها، أعلنت بعدها حركتا حماس والجهاد الإسلامي في بيان مشترك الهدنة المشروطة لمدة ثلاثة أشهر.
حسابات الأطراف المعنية بالهدنة
رغم أن الهدنة فرضت فرضا على حركات المقاومة إلا أنها لم تكن شرا مطلقا لهذه الحركات، بل قد يكون في باطنها الخير الكبير، فكتائب القسام التي صارت مع الوقت العامود الفقري للانتفاضة تلقت ضربات مؤلمة منذ اجتياح الجيش الإسرائيلي للضفة الغربية وحصاره لقطاع غزة قبل أكثر من عام لدرجة أن صار جميع القادة السياسيين لحماس في الضفة موزعين بين معتقل أو شهيد، أما القادة العسكريين فمعظمهم قضى نحبه، كما خربت المعامل والورش الخاصة بتصنيع صواريخ القسام في قطاع غزة، وأعلن العدو حربا شاملة على حماس لا تفرق بين سياسي وعسكري، الأمر الذي جعل الهدنة فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترميم الصفوف.
كما أظهرت الموضوعية وروح المسؤولية التي تحلت بها المقاومة الفلسطينية حرص هذه الحركات على مصلحة الشعب الفلسطيني وحماية بنيته الأساسية، ما رفع رصيد هذه الحركات في الشارع الفلسطيني الذي صار يتطلع إلى قادة هذه الحركات البارزين وشيخ الإنتفاضة أحمد ياسين على أنهم مرجعية أساسية له، الأمر الذي اضطر دولا عربية عديدة للدخول على خط المفاوضات مع هذه الفصائل.
ولم تكن تلك الدول تقوم بهذا الدور خفاء كما كان يجري من قبل، ولكن بعلم وتشجيع من الولايات المتحدة الاميركية المستفيدة من التهدئة لتخفيف مشاعر العداء ضدها وللتفرغ للشأن العراقي، وهكذا دخلت دول عربية كثيرة على خط الوساطات كان أهمها مصر التي أوفدت مدير مخابراتها الذي يتبع مباشرة رأس الهرم القيادي في مصر، وقد تردد أنه طرح في زيارته الأخيرة للشيخ أحمد ياسين مسألة تمديد الهدنة لكن رد حماس كان بضرورة إلتزام العدو أولا بإطلاق كافة الأسرى ومن ضمنهم أسرى حماس، ويبدو أن الوفد المصري عازم على إنجاز شيء ما ومن غير المستبعد مبادلة العميل الإسرائيلي عزام عزام المسجون في مصر بأسرى الحركات المجاهدة، وهذا كلام تداوله مدير المخابرات المصرية مع قادة حماس في منزل الياسين وفق مصادر موثوقة.
الهدنة مصلحة للجميع
فضلا عن حاجة الولايات المتحدة الاميركية للتهدئة وجد العدو الصهيوني نفسه معنيا بعدم المكابرة بعدما سقطت كل المهل الزمنية التي وضعها لنفسه للقضاء على الإنتفاضة، وقد سقط معها من الإسرائيليين منذ أيلول 2000 أكثر من 800 قتيل وقرابة 5500 جريح إسرائيلي وبلغت الخسائر أكثر من 12 مليار دولار وفق إحصاءات نشرتها صحيفة هآرتس الشهر الماضي، وشارون رغم رغبته اجتثاث المقاومة كليا إلا أنه بات بحكم المقتنع باستحالة ذلك عسكريا.
وهكذا التقت مصلحة الولايات المتحدة التي ترعى خارطة الطريق مع مصلحة إسرائيل المستنزفة أمنيا واقتصاديا، مع مصلحة عدد من الدول العربية التي تسعى لتبييض صفحتها تجاه أميركا، مع مصلحة السلطة الفلسطينية التي تريد أن تفعل شيئا يخفف من عذابات الشعب الفلسطيني، وسارت الأمور التي فرضت الوقف المؤقت للعمل المسلح وأعلن الجميع هدنة مشروطة مازال العدو غير ملتزم بها حتى الآن، وقد كان آخر من أعلن الهدنة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لأسباب تتعلق بأمينها العام أحمد سعدات إذ طالبت الحركة بإطلاقه وإعادة إدخاله إلى المقاطعة لحمايته لكن عرفات اعتذر لعدم استطاعته ذلك، ولما لم تجد بدا وافقت كتائب الشهيد أبو علي مصطفى على الهدنة أخيرا .
ما بعد الهدنة
رغم محاولات جعل هذه الهدنة تهدئة دائمة تفتح الطريق أمام الدخول في المفاوضات السياسية إلا أن الكل مقتنع بأن أول من سيفشل هذه الهدنة هو إسرائيل والممارسات اليومية لجيش الإحتلال تؤكد ذلك فلا الأسرى تم إطلاق سراحهم جميعا ولا الإعتداءات اليومية على المواطن الفلسطيني العادي توقفت ولا حملات الدهم والاعتقال والتجريف انتهت، وإن كان كل ذلك خف بوتيرة ملحوظة . ومن غير المرجح أن تلجأ أي من الفصائل المسلحة إلى شن مزيد من العمليات على العدو الصهيوني كرد على عدم الإلتزام بالهدنة لأن هذا الأمر سيفجر الساحة الفلسطينية ويثلج قلب شارون، لكن هذه الفصائل تعمل على ما يبدو على توظيف هذه الخروقات المتكررة والمستمرة لقطع الطريق على طروحات تمديد الهدنة على اعتبار أن العدو لم يلتزم أصلا بمقتضياتها بادعائه أنه ليس طرفا فيها، وهو على ذلك في حل من التزاماتها، وعليه تسعى الفصائل الفلسطينية ليكون استئناف العمليات عند أول اعتداء إسرائيلي كبير على الفلسطينيين يعقب انتهاء أجل الهدنة ليكون الرد بمثابة الفصل بين الهدنة والعودة للمقاومة.
وثمة ثلاثة أسباب تدفع لهذا الإعتقاد :
أ- ستكون إدارة جورج بوش بعد هذا التاريخ مشغولة بالانتخابات الرئاسية الداخلية ما سيبعدها عن الساحة الدولية قليلا، وربما يفسح ذلك المجال لشارون ليمارس ما اعتاد عليه من وحشية لكنه بالوقت نفسه سيخفف الضغط عن المقاومة ويفسح المجال أمامها لاستئناف جهادها المقدس لتحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة .
ب- يتوقع أن تتصاعد المقاومة العراقية وتنتظم وهو ما يتوافق مع المزاج العربي العام ويرفع من معنويات الشارع العربي ويعيد إليه حيويته في دعم المقاومة ورفض المشروع الأميركي .
ت- ستزداد حالة التمزق والتصدع داخل السلطة الفلسطينية نفسها لأن المشروع الذي يحمله أبو مازن لا يلقى قبولا داخل فتح ولجنتها المركزية فضلا عن الصراع الصامت بينه وبين عرفات باعتبار أن نجاح أبو مازن يعني النهاية المميتة لعرفات، وهكذا ستصبح السلطة أيضا منشغلة بصراعاتها الداخلية.
فضلا عن كل ذلك يتوقع الجميع أن يتحامق العدو الصهيوني مما لا يترك أي مجال لعدم الرد وعندها سيكون الشارع الفلسطيني معبئا ما يشجع على الاعتقاد بأن دورة عنف جديدة ستبدأ بعد انتهاء الهدنة، وعلى الجميع أن يستعد.
المصدر
- مقال:عندما تنتهي الهدنةموقع:الشبكة الدعوية