عن استحقاقات الحوار
2008-10-23
بقلم : معتصم حمادة
مع الدعوة للحوار في القاهرة، بدأ الكثيرون يستعيدون الأمل الذي فقدوه وهم يرون الدم الفلسطيني يراق بالسلاح الفلسطيني، والعلم الفلسطيني ينتهك على يد الفلسطيني. إن على كاهل المتوجهين إلى القاهرة، مسؤوليات ليست من الوزن الخفيف، وبالتالي عليهم أن يمتلكوا من الحرص الوطني ما يساعدهم على تحمل مسؤولياتهم بجدارة وكفاءة.
يمكن القول إن العاصمة المصرية، غامرت مرة أخرى، ووجهت الدعوة إلى الفصائل والقوى الفلسطينية لعقد جلسة للحوار الوطني الشامل، في ضيافتها في التاسع من شهر تشرين الأول (أكتوبر) القادم.
وقد استبقت القاهرة هذه الخطوة، كما بات معروفا، بسلسلة من اللقاءات الثنائية مع هذه الفصائل، كلاً على حدة، تباحثت معها بالأزمة الفلسطينية، وأسبابها، وسبل وآليات الخروج منها. ثم حاولت أن تبلور نتائج هذه المباحثات، على صعوبتها، في ورقة، تعتقد القاهرة أنها ستكون البيان الختامي، لجولة الحوار الشامل، وخطة العمل للحالة الفلسطينية في المرحلة القادمة.
يمكن القول الكثير في الورقة المصرية. خاصة وأنها لم تلبِّ بشكلها الكامل موقف هذا الطرف الفلسطيني أو ذاك، ولم تحاول أن تتبنى موقفا منحازا إلى تيار معين، دون أن يعني ذلك أن القاهرة لا تلتزم الشرعية الفلسطينية، أو أن تعترف بها، ودون أن يعني ذلك، بالمقابل، أن القاهرة تتعامل مع التيار الانقسامي في الحالة الفلسطينية على ذات السوية في تعاملها مع الشرعية الفلسطينية ممثلة باللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبمؤسسة الرئاسة في السلطة الفلسطينية.
لكن، يجب بالمقابل، التنبه إلى أن جولة الحوار المرتقبة في القاهرة، يفترض أن تشكل فرصة أمام الحالة الفلسطينية، لإدارة نقاش جاد حول مجمل القضايا التي تراها القوى أنها تحول دون التقدم إلى الأمام، ودون إخراج الحالة الفلسطينية من مأزقها وإطلاق آليات تطورها في مجابهة التطورات والاستحقاقات القادمة.
- إن النقطة الجوهرية، في حوار القاهرة هي قضية الانقسام. ونفترض في هذا السياق أنه من المستحيل البحث في الملفات المختلفة، دون أن يتم التراجع عن الانقسام وآلياته اليومية، ودون العودة إلى البيت الفلسطيني الواحد والموحد، بغض النظر عن رؤية كل طرف لطبيعة هذا البيت وأنساق ترتيبه الداخلي. فالانقسام، أيا كان دافعه، وأيا كان هدفه، في هذه المرحلة، مدان ومرفوض، ويشكل عائقا أمام تطور الحالة الفلسطينية، ويفترض ألا تغرق الأطراف الفلسطينية في حواراتها بحيث تنسى أن الحوار يتم بين طرف انقسامي، وبين باقي الأطراف الفلسطينية، وبالتالي فإن الخطوة الأولى الواجب التحقق منها، والإعلان عنها، هي عودة الانقساميين عن انقسامهم، والتزامهم القوانين والشرعية الفلسطينية.
- قضية أخرى يجب أن تكون نصب الأعين: الأطراف المختلفة ليست ذاهبة إلى القاهرة لإجراء مصالحة عشائرية تقوم على تبويس اللحى. إن المصالحة الوطنية المطلوبة يجب أن تكون ذات مضمون سياسي واضح. أي بتعبير آخر، يفترض أن تتحول فرصة الحوار والمصالحة إلى محطة لتطوير النظام السياسي الفلسطيني، وتحصينه. والمدخل إلى ذلك ـ نعيد ونكرر ـ هو في اعتماد قوانين انتخابية عصرية وحديثة، وذات مضمون ديمقراطي. ولقد أثبتت تجربة الشعوب أن النظام الانتخابي القائم على مبدأ التمثيل النسبي الكامل، هو أكثر الأنظمة تطورا، لأنه لا يقصي، ولا يسمح لأحد بالاستئثار بالسلطة، ويفتح الباب لمبدأ الشراكة السياسية. وينبذ سياسة المحاصصة، ويغلق الباب أمام أي طرف يحلم بالاستئثار بالسلطة أو الاستفراد بها. وفي الحالة الفلسطينية ـ خصوصا ـ يبدو نظام التمثيل النسبي هو النظام الأكثر ملائمة لظروف الوضع الفلسطيني، هو النظام الذي يوحد ولا يقسم، ويجمع ولا يفرق، يوزع المسؤوليات بالعدل وينبذ الظلم، ويستبعد الصفقات اللامبدئية، ويلغي نظام الكوتا، التي أرهقت المؤسسة الفلسطينية، كما أنه النظام الذي يقنع المواطن أن صوته لن يذهب هدرا، بل إنه سيشكل مع أصوات أخرى، نسبة مئوية سيكون لها دورها وفعلها في المؤسسة.
- في السياق نفسه، من المفترض أن يكرس الحوار مبدأ الشفافية في إدارة المؤسسة، فيضع الآليات والضمانات لمكافحة الفساد واستئصاله، وفتح الباب أمام الكفاءات لتأخذ دورها في خدمة الوطن ورعاية مصالحه. لقد سقطت حكومات فتح في الامتحان، حين حولت المؤسسات الرسمية إلى حكر على أبناء فتح وحدهم، ما عدا «حصة» صغيرة وزعت على بعض القوى في إطار تلوينة سياسية لم تبتعد كثيرا عن اتفاق أوسلو. كذلك سقطت حكومة حماس الأولى في الامتحان حين ردت على الاستئثار الفتحاوي باستئثار مضاد، إن على صعيد المؤسسة الأمنية أو على صعيد المؤسسات الرسمية الأخرى، لذلك، عندما يقال إعادة بناء الأجهزة والمؤسسات على أسس مهنية ووطنية بعيدا عن الفصائلية، فالقول يستهدف فتح كما يستهدف حماس، لأنهما الطرفان اللذان كرسا الفصائلية في المؤسسات. وبالتالي إن العقدة عند فتح وحماس معا، ولا يمكن تبرئة واحدة دون الأخرى، ولا يمكن مساءلة واحدة دون الأخرى.
- بعد ذلك لا بد من إصلاح سياسي أوسع، يطال الاستراتيجية الفلسطينية. وبناء الاستراتيجية الفلسطينية لا يقوم على التواطؤ الثنائي، كما أنه لا يقوم على المزايدات السياسية. وحتى لا نغوص كثيرا في التفاصيل، وحتى لا يتحول النقاش إلى نقاش «لغوي» و«لفظي»، يستبدل كلمة بكلمة، وعبارة بعبارة، دون أن يلغي ما في العقول والنفوس والجيوب والحقائب من خطط وتوجهات فصائلية ضيقة، تخدم المصالح الفئوية، ولا تخدم المصلحة الوطنية العليا، نعود معا إلى وثيقة الوفاق الوطني (وثيقة 27/6/2006) التي كانت محط إجماع القوى والشخصيات والفعاليات، ولم تزل معلقة على الرف. إن ما جاء في هذه الوثيقة يشكل أساسا صالحا وبقوة، لبناء الاستراتيجية الفلسطينية، إن في قضايا البناء الداخلي، أو في قضايا العلاقات الوطنية، أو في قضايا تفعيل مؤسسات الشرعية وتطويرها، أو في قضايا التوجهات والآليات الكفاحية، لتحقيق ما رسمته الوثيقة من أهداف وطنية. وبالتالي فإن كل الاعتراضات على الورقة المصرية، والتي حاولت أن تتجاوز وثيقة الوفاق الوطني، وأن ترتد عنها لصالح الاتجاهات والبرامج الفئوية، لا تنبئ أن أصحابها يمتلكون النوايا الحسنة والإرادة الطيبة، لإخراج الحالة الفلسطينية من مأزقها. كما تنبئ أن البعض لن يتورع عن كيل المديح للورقة المصرية، وكيل المديح لدور القاهرة، ويؤكد إصراره على التوجه نحو الحوار، وإصراره على إنجاح الحوار، ثم لا يتردد بعد ذلك عن زرع العصي في دواليب عربة الحوار حتى لا تقلع نحو المحطة المطلوبة.
- وفي الاتجاه نفسه نقول، إن الضجيج الذي قوبلت به الورقة المصرية، يؤكد أن ثمة تباعدا ما زال يفصل بين القوى الفلسطينية. وأن الأمر يحتاج إلى مصارحة أكثر فأكثر، لكن علينا ألا نتناسى أن العيون شاخصة إلى أطراف الحوار. ولا نبالغ إذا قلنا إن كثيرين يحاولون أن يستعيدوا الأمل الذي فقدوه وهم يرون الدم الفلسطيني يراق بالسلاح الفلسطيني. وهم يرون العلم الفلسطيني ينتهك على يد الفلسطيني، وهم يرون الفلسطيني يلجأ إلى حضن الإسرائيلي هربا من الموت على يد الفلسطيني.
إن على حوار القاهرة أن يعيد الأمل إلى النفوس، ونعتقد أن المسؤولية الملقاة على عاتق القيادات الفلسطينية ليست من الوزن الخفيف. وعلى الجميع أن يمتلك ما يساعده على تحمل مسؤولياته بجدارة وكفاءة.