فلسطين بين إخوان الأمس وإخوان اليوم
«إن أعظم آمالي بعد إتمام حياتي الدراسية أمل خاص وأمل عام. فالخاص: هو إسعاد أسرتي وقرابتي مااستطعت إلى ذلك سبيلاً. والعام: هو أن أكون مرشدًا معلمًا أقضي سحابة النهار في تعليم الأبناء وأقضي ليلي في تعليم الآباء أهداف دينهم ومنابع سعادتهم، تارة بالخطابة والمحاورة، وأخرى بالتأليف والكتابة، وثالثة بالتجول والسياحة»
بهذه الكلمات التي عبر عنها الإمام المجاهد حسن البنا -الذي اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من تعاليم الإسلام الشاملة- حدد استراتيجية حياته ووضع أهدافه وخط مسيرته وأحصى أعداءه، هذه الأستراتيجية والأهداف التي خطها وقت أن كان طالبا صغيرا قبل الجامعة وهو ما سعى لتحقيقه حينما التحق بدار العلوم ثم العمل كمدرس حيث كرس حياته في شغله وقتا وبقية الوقت في دعوته للناس بطرق لم يألفها الناس على شاب يرتدي البدلة والطربوش، وهو ما شجعهم على الاستماع له فوجدوا في كلامه الصدق فتشكلت نواة جماعة الإخوان المسلمين حتى أصبحت خلال 20 عاما هي بقية حياة البنا أكبر وأقوى الحركات الإسلامية آنذاك مما جعلها هدفا في مرمى أعداء الأمة الإسلامية، مما شجع البنا على التزام منهج النبي صلى الله عليه وسلم في تربية الرجال وفضلها عن العكوف على تأليف الكتب وحينما سأل: لماذا لا تؤلف الكتب؟!.. فقال: إنما أؤلف رجال) وهو ما تحقق فيمن رباهم وتركهم ليحملوا ويصحوا من أجل دين الله وشرف أوطانهم فكانت ذرية بعضها من بعض يتوراثونها جيلا بعد جيل.
فكان جيل من حمل السلاح في مواجهة الصهاينة في ثورة فلسطين 1936م ثم حرب فلسطين عام 1948م ثم استمرت حركة الجهاد ومصارعة العدو الصهيوني حت ى تشكلت حركة المقاومة الإسلامية حماس من رحم الفكر الإخواني الي تربى عليه كثير من الفلسطينيين وتاثروا به.
وما حقيقة طوفان الأقصى إلا أثرا من آثار هذه التربية المباركة الحقيقية التي تربى عليها رجال فلسطين وربوا عليها أطفالهم.
إن ما تسطره المقاومة اليوم في فلسطين في مواجهة جيش يمتلك كل مقومات القوة- إلا القوة الإيمانية بالله- ومن خلفه دولا عظاما تمده بما شاء من مال وعتاد ورجال أمام رجالا حفاة عراة لم يمتلكوا إلا إيمانهم الحقيقي بربهم ونبل قضيتهم إلا نتيجة لحسن الغرس الذي غرس على مدار سنوات طوال تخللها اغتيالات لكثير من رجال الجهاد.
شهادة من الماضي
مهما تنطع المتنطعون وحاول الأعداء طمس حقيقة دور الإخوان على أرض فلسطين فلن يستطيعوا تغيب الحقائق أبدا.
وهذه شهادة لأحد قادة الفصائل المجاهدة لجماعة الإخوان المسلمين على أرض فلسطين عام 1948 وهو المجاهد علي مصطفى نعمان يرسلها لنا من الماضي البعيد لتظل حاضرة شاهدة على ما قام به الإخوان من جهود في التصدي للصهاينة وعصابتهم في الحرب ولولا خيانة الحكام العرب وحكوماتهم – كعادتهم حتى الآن- لكانت فلسطين في أحضان أبنائها وليست مغتصبة من أحقر أهل الأرض وأوضعهم شأننا.
يقول المجاهد علي نعمان:
إعلان قرار تقسيم فلسطين: قرار رقم 181 لعام 1947م
أعلن قرار التقسيم في 29 من نوفمبر عام 1947 وجاء إعلانه مصحوبا بدوي هائل في العالم العربي والإسلامي، لم يستثمره الحكام العرب لصالح القضية، إذ كانت تلك الحكومات ضعيفة متهالكة وهي التي نشأت في أحضان الاستعمار بعد إسقاط الخلافة الإسلامية وعقد معاهدة سايكس – بيكو الخاصة بتقسيم هذه المنطقة مما مهد السبيل للبريطانيين وغيرهم لاحتلال المنطقة العربية، حيث وقعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني ونتيجة لوعد بلفور الذي بمقتضاه هاجر اليهود من أنحاء العالم فأقاموا المستعمرات في جميع أنحاء فلسطين إلى أن رفعوا قضيتهم إلى المحافل الدولية وصدر قرار التقسيم.
المقاومة الفلسطينية
لقد قاوم الشعب الفلسطيني الاحتلال البريطاني والصهيوني الاستيطاني وقاتل المستعمرين الجدد من أبناء صهيون إلى أن حلت النكبة الكبرى بإعلان قرار التقسيم، وبصدور قرار التقسيم كان بالإمكان عمل شيء ونزع المبادأة التكتيكية والقتالية من أيدي الصهيونيين ومسانديهم في تكوين دويلتهم إسرائيل، ولا أزعم أنه كان ممكنا القضاء على إسرائيل الدولة الوليدة التي خطط لها منذ عام 1897، ولكن كان من الممكن بعد أن تحقق الخطر أن نعبئ الشعور الديني العام والوطنية الصادقة الخالصة في العالم العربي في هذا الاتجاه، ولو تم ذلك لحققنا قناعة كاملة لدى اليهود في العالم ومسانديهم من أنه لا يمكن العيش لهم في سلام في أرض الإسلام إلا بالعيش مع أصحاب الأرض الأصليين، ولو تم ذلك لأخذ الصراع في المنطقة شكلا آخر ولفجر معه طاقة هذه الأمة وبعثها من جديد، بعثا يحقق التوازن المطلوب ليتحقق النصر.
ومن المعلوم أنه لم يحسم السلاح وحده في التاريخ أية معركة ولكن يحسمها دائما الرجل خلف هذا السلاح .. وهذا ما أدركه الإخوان المسلمون مبكرا.
الإمام البنا وحرب الشعوب
أعلن المرشد العام الإمام حسن البنا ضرورة أن تكف الحكومات العربية عن التدخل بجيوشها في فلسطين، وتترك هذه المهمة للشعوب العربية لتقود هذه المعركة بفرق العصابات الشعبية، لتجنب الحكومات العربية تدخل الدول الكبرى والقرارات السياسية التي بالتأكيد سوف تعرقل سير الحرب لغير صالح الأمة العربية، حدث ذلك ولم يكن أمام الإخوان إلا أن يعبئوا قواتهم فأعلنوا النفير العام لهم ولغيرهم في كافة البلاد العربية، وتوالى على المركز العام المتطوعون من الإخوان المعدين سلفا روحيا وبدنيا لتحمل أعباء الجهاد، وتقدم المتطوعون من الإخوان إلى جامعة الدول العربية للتعبئة، واستقال من الجيش عدد من الضباط الوطنيين الذين كانت لهم صلة بالإخوان، فكان بعضهم – فيما بعد – أعضاء في مجلس قيادة الثورة، منهم القائد الشجاع أحمد عبد العزيز، كمال الدين حسين، حسن فهمي، وآخرين منهم صلاح سالم، غير أن المرشد العام حرص على إعداد كتيبة خاصة اختيرت فردا فردا وهم من الصفوف الأولى لتنظيم الإخوان المسلمين بقيادة القائد المسلم الرائد محمود عبده، وقد كان لي شرف الجهاد حيث كنت واحدا من هذه الكتيبة المباركة ولله الحمد.
لم نتلق تدريبا في مصر عن طريق الجامعة، عكس الكتائب الأخرى التي شكلته الجامعة العربية بقيادة القائمقام أحمد عبد العزيز التي تلقت كل تدريباتها في المعسكرات المصرية، وكان بهذه الكتائب عناصر أخرى من الوطنيين المصريين غير أن الصفة العددية الغالبة هم متطوعو الإخوان.
بداية تحرك كتائب الإخوان
تحركت الكتيبة الخاصة بقيادة الرائد محمود عبده قبل أن تتحرك كتائب الجامعة العربية، في مارس 1948، تحركت مخترقة شوارع القاهرة، حيث بدأت من شارع الجمهورية في استعراض هائل وسط جماهير حاشدة من أبناء مصر، وكانت سيدات مصر تزغردن، كان الجميع يصطفون في الشوارع وفوق أسطح المنازل مودعين أبناءهم وفلذات أكبادهم إلى حرب تحرير فلسطين، ولا يفوتني أن أسجل موقفا لوالدتي – رحمة الله عليها – بعد أن تلقيت الأمر بالاستعداد للرحيل. أبلغت والدي ووالدتي لكن لم يوافق والدي على ذلك متذرعا بأنني أعاونه في أمر معيشة إخوتي، أما والدتي فكانت أكثر تفهما للأمر ولكنها لم توافقني، وعندما رأتني بالملابس العسكرية وهممت بوداعها إذا بها تسقط على الأرض وتبينت في الحال أن الجزء الأسفل لجسمها لا يتحرك حيث قد شل تماما فحملتها وبت بجوارها ليلة بأكملها – وكنت الوحيد الذي لم يبت هذه الليلة بالمركز العام – أستسمحها وألح عليها حتى رضيت على كره منها .. ثم انطلقت إلى المركز العام تاركا أمي في رعاية الله.
ولا يمكنني إلا أن أقرر أن هذا الذي حدث لم يفارقني طيلة الفترة الأولى من الحرب رغم أنني والحمد لله قد أديت واجبي ما استطعت .. ثم كان رحيلنا في منتصف مارس 1948.
ركبنا القطار إلى بور سعيد حيث مكثنا ثلاث ليال، وجلس معنا المرشد العام وزودنا بما من الله عليه وبما يعيننا على إتمام واجبنا .. ثم ودعنا على ظهر الباخرة "ماري" اليونانية من ميناء بور سعيد متجهين إلى بيروت.
ماذا قال حسن البنا للمجاهدين؟
لقد قال لنا الإمام: أنتم تمثلون بعثا جديدا للإسلام، فاحرصوا على أن تكونوا مثل أسلافكم من الصحابة والمجاهدين الذين ثبتوا في القتال ولم يفروا والذين بنوا دولة الإسلام ولم يضنوا بمال أو دماء حتى بلغوا أمر هذا الدين للعالمين، ثم صافحنا فردا فردا، ثم غادر الباخرة .. وأخذت "ماري" تمخر عباب البحر وقد أحاطت بها مواكب بحرية من اللنشات والمراكب على متونها أبناء بور سعيد الكرام تحية لوداعنا .. ثم أخذت طريقها إلى بيروت.
مشادة بين اليهود والإخوان
وعلى ظهر الباخرة وقعت مشادة بيننا وبين جالية يهودية من الشباب هاجرت من مصر، وقد اشتبكنا معها بالأيدي وخرج لها عدد مماثل منا أشبعوهم ضربا وإذلالا حتى يكونوا سفراء لنا عند أهليهم بما رأوه من بأس عند الاشتباك، ونزل هؤلاء في ميناء حيفا حيث رست الباخرة في الميناء غير أن قبطان الباخرة اضطر إلى استئناف سيره قبل الموعد المحدد خوفا من أحداث شغب أكبر على الباخرة.
سارت الباخرة إلى بيروت واستقبلنا أهلها بالفرحة البالغة وعلى رأسهم وزير الدفاع، واخترقنا شوارع العاصمة في عرض عسكري إلى دار عباد الرحمن، ومكثنا فيها أكثر من ثلاث ليال، ثم غادرناها متوجهين إلى دمشق ومكثنا ثلاثة أيام أيضا في المركز العام للإخوان المسلمين، وكان المرحوم الدكتور مصطفى السباعي المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا يعد كتيبة من الإخوان في دمشق للاشتراك في حرب فلسطين، ثم اتجهنا إلى معسكر (قطنة)، وقد سبقتنا إليه كتيبة الإخوان السوريين قبل أن نتحرك حيث كانت الثلوج تكسو الجبال والبرودة شديدة، وقد تلقينا تدريبا شاقا يليق برجال حرب العصابات، وفي معسكر (قطنة)، كان هناك جمع ضخم من متطوعي الدول العربية والإسلامية: العراقيون، اللبنانيون، الأردنيون، الأتراك، اليوغسلاف بقيادة المرحوم الدكتور مصطفى السباعي قائد كتيبة الإخوان.
أنشطة المتطوعين:
ومما لا شك فيه وأمانة للتاريخ، كان أنشط هؤلاء المتطوعين جميعا بل وأكثرهم استقرارا إلى نهاية الحرب في الجولة الأولى هم متطوعو الإخوان من مصر وسوريا والذين استمروا فترة الحرب الأولى كلها حتى وقعت الهدنة وتوقفت الحرب في عام 1949، وهناك في (قطنة) مكثنا عدة أيام نتلقى تدريبا شاقا، وقد تولى الجيش السوري تدريب جميع المتطوعين، وقد حضر الأستاذ سعيد رمضان قبل الرحيل وصلى بنا الجمعة وأبلغنا دعاء وتحيات الإمام حسن البنا .. ثم حضر ضابط كبير من الجيش الأردني لاصطحابنا إلى عمان.
رغم أن الغالب على الصحافة العربية في مجموعها هو التحدث بلسان الأنظمة الحاكمة، والدفاع الحار عن سياساتها مهما انحرفت، وتبرير أخطائها مهما عظمت، والهجوم الحاد على معارضيها وإن كان الحق في جانبهم، وتشويه صورتهم حتى وإن كانوا من المجاهدين الأبرار، وكان هذا هو حظ الإخوان المسلمين من الصحافة في غالب الأحيان.. ولكن ذلك لم يمنع أن يكون هناك قلة من المنصفين الأحرار من الصحفيين، تحدثوا بإنصاف- وإن كان دون الواقع والحقيقة بكثير- عن جهاد الإخوان المسلمين في فلسطين، بعدما رأوه من روائع بطولاتهم وجهادهم.
وهذه بعض نماذج من شهادات الصحافة العربية وتقديرها لجهاد الإخوان في فلسطين:
جريدة الدفاع
في عددها الصادر يوم الإثنين 12/4/1948م قالت جريدة الدفاع الفلسطينية: "بدأت المعركة (معركة كفار ديروم) صباح السبت10 من إبريل سنة 1948م، وقام المجاهدون العرب من مراكزهم بجوار قرية دير البلح، تتقدمهم فرقة كوماندوز- تابعة للإخوان المسلمين- بالهجوم على مستعمرة كفار ديروم، الواقعة شرقي محطة دير البلح، وبدأ الهجوم بإطلاق قنابل مدافع الهاون التي كانت تتساقط على مباني المستعمرة، ودمرت قسمًا كبيرًا منها.
وفي الوقت نفسه كان فريق من المجاهدين العرب يطلق الرصاص بكثرة على المستعمرة لحماية أفراد فرقة كوماندوز الإخوان المسلمين، الذين تسللوا داخل المستعمرة في برهة قصيرة، وأبدوا براعةً فائقةً في إزالة الألغام التي كانت تحيط بالمستعمرة، كما قطعوا الأسلاك الشائكة حولها، وبث بعضهم الألغام تحت بعض مبانيها، فتهدمت على مَن فيها من عصابة الهاجانا".
أخبار اليوم
مراسل جريدة أخبار اليوم المصرية في غزة أكد في حوار له حول معركة كفار ديروم الأولى مع جريدة الإخوان اليومية، عدد 604، بتاريخ 18/4/1948م، قائلاً: "أكتب إليكم من ميدان القتال، ونحن الآن في منتصف الطريق بين غزة وخان يونس.. انتهت المعركة الأولى بين المصريين واليهود، إنها أول معركة حربية تخوضها مصر ضد اليهود.. اثنا عشر شهيدًا وخمسة من الجرحى، إنهم يُحملون الآن ليدفنوا في دير البلح، إنني أتأمل القتلى واحدًا واحدًا، ليس بينهم مصاب واحد من ظهره، إن بعضهم أصيب مرةً أو مرتين، ومع ذلك بقي يحمل بندقيته ويضرب بها، إنهم يحملونهم الآن ليدفنوا كما هم بغير غسيل أو كفن، فإن من تقاليد الإسلام أن يدفن الشهيد بملابس المعركة، كان منظرًا رائعًا هذا الدم المصري يغطي أرض الصحراء المنبسطة".
"ورأى القائد البريطاني الشهداء، وأطلعه قائد الإخوان على تفاصيل المعركة، وكيف أن العرب لم يخسروا من أسلحتهم شيئًا؛ بل إنهم استعادوا أسلحة الشهداء والجرحى، فدهش وذهب إلى حيث يرقد الشهداء، وأحنى رأسه قائلاً: "إنني في دهشةٍ كيف استطعتم أن تفعلوا كل هذا.. لقد كنت في فرقة الكوماندوز البريطانية، ولم أشهد جرأةً كالتي رأيتها الآن، ولو كان معي ثلاثة آلاف من هؤلاء لفتحت بهم فلسطين، ثم تقدم القائد البريطاني إلى الجرحى المصريين، وقبَّل كلاًّ منهم في جبينه، وقال: من أي البلاد هؤلاء الأبطال؟! فقالوا: من مصر".
الأخبار تقول إن المجاهد حسين حجازي اسمه بطل تل بيوت أما جريدة أخبار اليوم المصرية فنشرت الجريدة بتاريخ 5/6/1948م، على صفحتها الأولى صورة لمجاهد الإخوان البطل حسين حجازي وتحتها عنوان (هو الآن اسمه بطل تل بيوت)، "بعد أن تلقى حسين حجازي التعليمات من أحمد عبد العزيز قائد الفدائيين بنسف مستعمرة تل بيوت زحف حسين حجازي ومعه أربعة من الفدائيين على بطونهم بين الأحجار والأشواك والعقارب مسافة أربعة كيلومترات حتى تمَّ نسف المستعمرة، وبدون خسائر، وعاد ليتلقى تهنئة قائده، ولُقب بـ"بطل تل بيوت".
جريدة الناس العراقية
أكدت شهادة جريدة الناس العراقية في تقريرها العسكري المنشور بتاريخ 7/11/1948 ما نصه: "امتاز اليومان الماضيان ببسالة منقطعة النظير من مجاهدي الإخوان المسلمين في فلسطين؛ فقد استولى اليهود في شمالي غرب بيت لحم- بعد محاولات عديدة- على جبل مرتفع يسمى تبة اليمن، ويشرف على قرى الولجة وعين كارم والمالحة وما جاورها، وبذلك أصبح اليهود يهددون كل المناطق المحيطة بتبة اليمن، وقد رأت قيادة الجيش المصري ضرورة تطهيرها من اليهود، فجنَّدت لذلك عددًا من مجاهدي الإخوان المسلمين في صور باهر، فتقدمت سرية منهم، ولم تمر ساعة واحدة حتى كانت هذه السرية قد قضت على القوة اليهودية، وغنمت أسلحتها وذخائرها، وحررت قرية الولجة، وأصبحت تسيطر على منطقة واسعة، وقد أصدرت قيادة الجيش المصري أمرًا بتسمية الجبل الذي تم تطهيره باسم "تبة الإخوان المسلمين".
شهادة الأديب والصحفي إحسان عبدالقدوس
نشر الكاتب الشهير إحسان عبدالقدوس مقالاً له بمجلة روز اليوسف بتاريخ 27/11/1951م، قال فيه: "والإخوان المسلمون اليوم- كما كانوا بالأمس- هم الذين يمثلون دعوة الدين إلى الجهاد، وبفضل دعوتهم هذه شهدت ساحات فلسطين أبطالاً منهم، وقفوا وقفة العمالقة، وهتفوا باسم الله، فإذا البطل منهم في صورة عشرة أبطال، ولا يستطيع ضابط ممن اشتركوا في حملة فلسطين، أو مراقب ممن راقبوا معاركها أن ينكر فضل متطوعي الإخوان المسلمين فيها، أو أن ينكر بطولتهم وجسارتهم على الموت، والعبء الكبير الذي تحملوه منها، راضين فخورين مستشهدين في سبيله".
الشيخ علي الغاياتي صاحب مجلة منبر الشرق
كتب الغاياتي مقالاً له بمجلة الدعوة في عدد جمادى أول سنة 1371هـ: "ولا ريب أن كل هذه الحركة المباركة التي نراها في محيط الإخوان هي من غرس يدي حسن البنا.. وكل الاتجاه الروحي الديني الطاهر- الذي نراه في كثير من الشباب الجامعي والأزهري وغيره في المدن والقرى في مصر وغير مصر- هو ثمرة التربية الإسلامية التي بثها وعلمها، والتي كان من نتائجها الباهرة ما شاهدناه في فلسطين والقنال من بسالة وفداء وإيمان.. ولولا الدسائس والعراقيل الخارجية والداخلية لفاز المؤمنون بنصر الله الذي وعد به عباده الصالحين".
شهادة الصحفي الفلسطيني ناصر الدين النشاشيبي
في مذكراته المنشورة بمجلة الحوادث اللبنانية سجَّل الصحفي الفلسطيني ناصر الدين النشاشيبي شهادته على جهاد الإخوان، قال فيها: ".. وكنت أزور المرشد العام السيد حسن الهضيبي في مكتبه بالقاهرة في شتاء 1953م، وسألته بعد حديث طويل عن جهاد الإخوان في حرب 1948م ضد اليهود، وقلت له: لماذا لا يحاول رهبان الليل فرسان النهار وهم شباب (الإخوان المسلمون) التسلل من غزة إلى الأرض المحتلة، والقيام بأعمال عسكرية ضد إسرائيل، تُجدد كرامات هؤلاء الشباب وجهادهم المعروف في حرب فلسطين؟!
فقال: نحن لا نخشى اليهود؛ وإنما نخشى حرس الحدود المصري في صحراء سيناء.. إن البلاد تحت الأحكام العرفية وحالة طوارئ، وسيناء خاضعة للقانون العسكري، والجيش هو الذي يدير الأعمال من الجهة المصرية.. نحن هنا محكومون بالحديد والنار".
وتستمر المسيرة
تختلف علاقة الإخوان بفلسطين عن علاقتها بباقي الدول، حيث كانت فلسطين محور اهتمام كل الدول بسبب ما كان يحاك لها من مؤامرات سواء بريطانية أو صهيونية أو غربية.
لقد اعتنى الإمام البنا بقضية فلسطين اهتماما ماديا وإعلاميا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا، فلقد قضى الإمام البنا جزءًا كبيرًا من حياته مدافعا عن فلسطين بقلمه ولسانه وماله ونفسه حتى قضى شهيدًا، فهو -بحق- شهيد فلسطين وإن لم يمت على أرضها.
كما لم تتوقف جهود الإخوان على التنبيه للخطر الصهيوني، بل أيقظوا الأمة جمعاء، وحشدوا الجهود لمقاومة ذلك الخطر، وقدموا ولا زالوا يقدمون التضحيات تلو التضحيات للذود عن فلسطين، نبهوا الغافلين، وأيقظوا النائمين، وبذلوا المال، وقدموا الشهداء فداء لفلسطين؛ حتى يتم تحريرها من الصهاينة الغاصبين وتعود إلى أحضان الأمة الإسلامية.
عرفت فلسطين دعوة الإخوان منذ عام 1937م قبل أن ينقلها بشكل تنظيمي ورسمي الشيخ عبداللطيف أبو قورة – عضو الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان- عام 1945م قبل أن يزور الإمام البنا غزة عام 1948م.
ظل الإخوان في فلسطين ثابتين على مبادئهم متحديين العقبات التي واجهتهم بعد سقوط بلادهم وتشريد شعبها.
حتى التقى الشيخ أحمد ياسين والشيخ عبد الفتاح دخان والشيخ إبراهيم اليازوري والشيخ محمد النجار والشيخ حماد الحسنات وغيرهم وتدارسوا أمور الجماعة وقرروا العمل بين صفوفها، واستمرت المسيرة وزاد الصف ووضعت نواة حركة المقاومة الإسلامية حماس عام 1987م وكان لها دور مهم في الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت آنذاك، والتي اشتهرت بانتفاضة المساجد.
وظلت حركة حماس بالاضافة لحركات المقاومة الإسلامية تحمل عبء الدفاع عن أوطانها وكرامة شعبها حتى كانت الصفعة في 7 أكتوبر 2023 م التي لم يتحملها الصهاينة والأمريكان والغرب من خلفهم والتي كشفت حقيقة عجزهم أمام ثلة مؤمنة بقضية بلادها، ورغم استشهاد الآلاف من الشعب المدني الأعزل إلا أن الصهاينة ومن ورائهم مئات الدول التي تمدولهم بأطنان الذخائر والأسلحة لم يستطيعوا تحقيق أى نصر ولو جزئي على رجال المقاومة.