في مواجهة الاستحقاق الإسرائيلي

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
في مواجهة الاستحقاق الإسرائيلي
ليفنى.jpg


بقلم : معتصم حمادة

من حق كل مواطن فلسطيني أن يسأل: ماذا حضرنا لنواجه الحكومة الإسرائيلية القادمة.. في وقت يؤيتوقع فيه المراقبون أنها ستكون أكثر دموية من الحكومة الراحلة.. هل حضرنا وحدتنا الداخلية نستعيدها بأسرع ما يمكن.. أم مزيدا من الانقسامات بحيث تتوفر لحكومة إسرائيل الجديدة الفرصة لتحقق فينا أهدافها السياسية والعسكرية على السواء.

مرة أخرى يذهب الإسرائيليون إلى صندوق الاقتراع لاختيار مجلس نيابي (كنيست) جديد، قبل أن تنتهي ولاية المجلس القائم.

ولقد سبق لهم وأن فعلوا الشيء نفسه.. يتخذون قراراً بحل الكنيست، والذهاب إلى صندوق الاقتراع، يحتكمون خلاله إلى الناخب، ليجدد الحياة في المؤسسة التشريعية، ويوفر فرصة لتشكيل حكومة جديدة، بديلاً عن حكومة فقدت مبرر وجودها، رغم أنها لم تفقد ولايتها الدستورية بعد.

رئيس الحكومة المستقيلة إيهود أولمرت متهم بالفساد، وعليه أن يرحل، وريثته في زعامة حزب كاديما، فشلت في تشكيل حكومة بديلة لحكومته المستقيلة.

أحزاب المعارضة وضعت العراقيل في طريقها، حتى حليفها العمل لم يوفر لها الدعم الكافي، ويقال أيضا إن «خصومها» في كاديما، لعبوا هم أيضا من وراء الستار لعبة أفشلت دورها كرئيسة حكومة.

انسداد في الحياة السياسية الإسرائيلية... الحل: الذهاب إلى انتخابات تشريعية جديدة.

قبل استقالته من رئاسة الحكومة، اتهم أولمرت بأنه سياسي فاسد، تلاعب بالقانون للحصول على أموال بطرق غير مشروعة.

مساعدته الأولى (ووريثته في زعامة الحزب) تسيبي ليفني كانت أول من دعاه إلى الاستقالة من رئاسة الحكومة ورئاسة الحزب.

وعذرها في ذلك أنها لا ترغب في أن تحمل الحزب والحكومة وزر الأعمال الفاسدة لأولمرت.

بدت ليفني حريصة على المصلحة العامة، وبدت على استعداد بالتضحية لزعيم حزبها مقابل الحفاظ على الحكومة والحزب.

غير أن الكل كان يعرف أن ليفني كانت تقول أمراً، وتضمر أمراً مخالفاً.

كانت عينها على مناصب أولمرت، ومع ذلك لم تتحول العلاقات بين الاثنين إلى خصومة سياسية ولا إلى خصومة فردية، بل واصلا العمل معا إلى أن حانت لحظة الاستحقاق فاضطر أولمرت إلى الاستقالة.

حين نصبت ليفني على رأس كاديما خلفا لأولمرت، كلفها بيريس، حسب الأصول والأعراف البرلمانية في إسرائيل، بتشكيل الحكومة الجديدة، غير أن كثيرين عرقلوا لها طريقها وزرعوا لها ألغاماً، وحواجز، وحفروا لها مطبات كادت أن تودي بها إلى أن استسلمت وأقرت بعجزها عن تشكيل حكومة جديدة.

لم تعاند وتقول إنها مكلفة رسميا وإنها منتخبة من الشعب.

لم توجه الاتهامات إلى خصومها.

لم ينزل مؤيدوها إلى الشارع، لا بالسلاح، ولا بدون السلاح ليحتجوا على التآمر على زعيمتهم والتواطؤ ضدها.

خصومها كانوا معروفين.

الصحافة الإسرائيلية كشفت كل شيء ومع ذلك التزمت ليفني بأصول العمل في مثل هذا الظرف وأبلغت رئيس الدولة اعتذارها، وذهبت إلى الكنيست الذي اتخذ قرارا بحل نفسه، قبل انتهاء ولايته الدستورية، وبالدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة.

لم يقف نائب من هنا أو نائب من هناك ليقول: أنا هنا منتخب بطريقة ديمقراطية ولمدة أربع سنوات وأرفض أن أغادر مقعدي إلا بعد انتهاء ولايتي الدستورية.

لم يخرج مؤيدو هذا الحزب أو ذاك إلى الشارع، يطلقون النار في الهواء، ويكسرون المتاجر والمحلات، ويعتدون على أنصار خصومهم السياسيين احتجاجا.

الكل انضبط للقرار، والكل انصاع له، والكل اعترف أن ما جرى ما هو إلا شكل من أشكال الديمقراطية البرلمانية كما تتبعها إسرائيل.

واصلت حكومة تصريف الأعمال مهماتها إلى أن يحين موعد الانتخابات في 10/2/2009.

بقي أولمرت رئيسا لها وليفني وزيرة للخارجية وباراك وزيراً للحرب.

شنوا حملتهم الدموية ضد قطاع غزة.

ظهروا في بداية الأمر وكأنهم متحدون في ظرف سياسي ذي استحقاقات تتطلب وحدة الموقف، ووحدة الكلمة، فالحكومة تخوض «حربها» ضد قطاع غزة...

والجيش في الميدان والأمر يتطلب أرقى درجات التضامن..

التضامن لم يبرز فقط داخل الحكومة (المفككة أصلا) بل وكذلك بين الحكومة وخصومها في المعارضة، ولسان حالهم جميعا يقول: ما دام هناك جندي إسرائيلي واحد في المعركة، على الجميع أن يتحدوا خلفه إلى أن يعود حيا معافى.

بعد انتهاء الحملة الدموية، انطلقت حملة إعلامية ساخنة بين ليفني وباراك لاختلاف وجهات نظرهما حول ما جرى في غزة، وما يجب أن تكون عليه الأمور.

باراك اتهم ليفني بأنها تثرثر، ولا تفقه ما تقول، وانتقد مطالبتها بالعودة فورا إلى القطاع لاستكمال ما سمي بالمرحلة الثالثة من العدوان.

ليفني ردت على باراك فاتهمته بالتعالي الذكوري على النساء، وبأنه ينظر إليها على أنها مجرد امرأة، في محاولة منها للنيل من شخصيته في عيون الناخبين، ولكسب أصوات النساء باعتبار ليفني شخصية نسائية يحاول الرجال في الحكومة أن يضطهدوها، لا لشيء، سوى لأنها امرأة لا أكثر.

ومع ذلك لم نسمع أن أنصار ليفني كمنوا لأنصار باراك أو خطفوا واحدا منهم، كما لا نسمع الشيء نفسه عن أنصار باراك في سلوكهم ضد أنصار ليفني.

المعركة السياسية تدور بالتصريحات السياسية، ولم يتجاوز الطرفان حدود اللجوء إلى التصريحات دون غيرها.

قد يبدو الأمر وكأننا نمدح الحياة السياسية في إسرائيل.

وكأننا نقول إن إسرائيل دولة ديمقراطية.

إذا كانت إسرائيل دولة احتلال، وتتعامل مع الفلسطينيين في الضفة والقدس وغزة بوحشية، وتمارس التمييز العنصري ضد الفلسطينيين حملة الجنسية الإسرائيلية داخل مناطق 48، فإن يهود إسرائيل يتعاملون فيما بينهم بديمقراطية واضحة للعيان، ولا يستطيع أي منا إنكارها.

لماذا، لأنهم حريصون على وحدتهم الداخلية في مواجهة الفلسطينيين والعرب.

إنهم لا يكفون عن الحديث عن الخطر الخارجي (العربي) الذي يحيط بهم, وعن الخطر الداخلي (الوجود الفلسطيني داخل إسرائيل وفي المناطق المحتلة) الذي «يهدد وجودهم» كما يقولون.

وعلى هذه الخلفية وضعوا لأنفسهم قواعد في العلاقات السياسية، صاغوها في القانون الأساسي، وفي القوانين الانتخابية وغيرها، ليديروا خلافاتهم، فيحافظوا على وحدتهم الداخلية، ويحافظون على مشروعهم الصهيوني.

لم يلجأوا إلى الحرب الأهلية.

إذا ما تصاعد التوتر في صفوفهم سارعت مراكز البحث إلى إصدار الدراسات التي تهدد بخطورة هذا التصعيد وتهدد بانفجار حرب أهلية يهودية.. وسرعان ما تخمد نيران التوتر، ويعود الهدوء ليسيطر على الأوضاع.

لم يلجأوا إلى الاغتيالات.

يسجل التاريخ أن الإسرائيليين لجأوا إلى الاغتيالات مرتين: الأولى عندما اغتيل أوزوروف (من الوكالة اليهودية على أحد شواطئ تل أبيب دون أن يعرف قاتله) والثانية عندما اغتيل إسحق رابين (على يد إيغال عمير القابع الآن في السجن الإسرائيلي) وفي الحالتين ارتفعت أصوات تحذر من الانجرار إلى سياسة الاغتيالات.

صحيح قتلوا الآلاف من الفلسطينيين، ذبحوا الأطفال منهم، وبقروا بطون النساء، ونسفوا المنازل بل نسفوا فندق الملك داود بمن فيه من حلفاء بريطانيين، لكنهم حرصوا على صون الدم اليهودي الصهيوني.

ويمكن أن نتحدث طويلا عن مظاهر الحياة الديمقراطية اليهودية، تقابلها مظاهر الفاشية الصهيونية ضد العرب والفلسطينيين.

لكننا، بالمقابل، نستطيع أن نرسم المشهد الفلسطيني ـ الفلسطيني، المخالف تماما للمشهد الإسرائيلي ـ الإسرائيلي.

حسمنا خلافاتنا بالاشتباكات المسلحة. خضنا المعارك الدموية ضد بعضنا بعضا. فتحنا لأنفسنا زنازين وسجونا.

جرت الاغتيالات في الشارع علنا، ولم يتوفر فيها حتى الأطفال، نكاية بآبائهم، الخصوم السياسيين.

دفعنا الأمور نحو الانقسام، صارت السلطة سلطتين والحكومة حكومتين، وهناك من يدعو إلى مرجعية ثانية تنافس الأولى وتمهد الطريق لتعلن نفسها بديلا لها.

بالمقابل نكثر من الحديث عن الوحدة الوطنية وأهمية الوحدة الوطنية ووحدة الشعب، وضرورة صون وحدة الشعب،.

وعندما ندعى إلى الحوار الوطني لحل الخلافات ديمقراطيا إلى طاولة التفاهم، نسارع إلى وضع العراقيل، ونستجمع الذرائع والحجج، ونطلق الشرط تلو الشرط، ونعلن أنه إذا لم تتم الاستجابة لشروطنا، قبل الحوار وقبل الاتفاق على الحوار، فإننا سنقاطع الحوار، ولتذهب الوحدة الوطنية عندئذ إلى الجحيم، بل وليذهب الشعب كله إلى الجحيم، ما دام القتلى منهم سوف يحسبون شهداء، وما دامت الجنة هي مثوى الشهداء، دون أن نتساءل: لماذا استشهدوا ومقابل ماذا وفي خدمة أي هدف؟

الإسرائيليون ذاهبون إلى إعادة إنتاج حياتهم السياسية على أسس ديمقراطية، ولسوف يتسلحون مجدداً بقوتهم الداخلية بينما يعيش الفلسطينيون منقسمين على ذاتهم، ينتظرون الفرج من السماء، علما أن السماء لا تساعد من لا يساعد نفسه.

عندها من حق كل مواطن فلسطيني أن يسأل: ماذا حضرنا لنواجه الحكومة الإسرائيلية القادمة، في وقت يتوقع فيه المراقبون أنها حكومة يمينية أكثر دموية من الحكومة الإسرائيلية الراحلة، هل حضرنا لها وحدتنا الداخلية نستعيدها بأسرع ما يمكن..

أم مزيداً من الانقسام، بحيث تتوفر للحكومة الإسرائيلية القادمة كل الفرص لتحقق فينا أهدافها، سياسيا وعسكريا؟!.

المصدر