كلمة المرشد العام بمناسبة العام الهجري الجديد 1424هـ
بقلم : مأمون الهضيبي
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين وأعظم المهاجرين سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وسلم..وبعد؛
يأتي احتفال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بذكرى الهجرة هذا العام في وقت تتعرض فيه شعوبهم وأقطارهم وعقيدتهم وهويتهم لأخطار عظيمة.. تتمثل في هذا الحشد العسكري الأمريكي الضخم المدجج بشتى أسلحة الهلاك والإبادة الشاملة، يتمركز وسط بلادهم ويتدفق من كل صوب على وطنهم مهددًا بإبادة قطر وشعب.. منذرًا بتكرار الجولة مع باقي الشعوب والأقطار، كما يوازي ذلك الخطر الرهيب خطر آخر بشع يتمثل في الكيان الصهيوني الغاصب الذي يحتل قطرًا يمثل قلب وطننا العربي والإسلامي ويعمل المجازر وشتى أشكال السلاح الأمريكي في رقاب شعبه الأعزل لتصفية وجوده وتفريغ أرضه.
تأتي ذكرى الهجرة في هذه الأجواء لتطرح الحلول الناجعة أمام العرب والمسلمين لرد العدوان.. وتحرير الأرض والحفاظ على العقيدة والكرامة والعزة وضمان العيش في حرية وأمن.
لقد قدمت الهجرة وجسدت الإيمان العميق في القلوب.. قوة هائلة دافقة تدفع إلى التضحية والبذل بالنفس والمال.. وتتحدى الباطل والكفر بشتى أشكاله وشتى أسلحته، كما جسدت وضوح الهدف والغاية والإصرار على الوصول إليهما، وأيضًا جسدت التوكل على الله.. الذي بعث الرسول عليه الصلاة والسلام وأنزل الإسلام عقيدة وشريعة.. إيمانًا وفهمًا وتطبيقًا.. ويتجلى هذا في قول الله سبحانه وتعالى (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 40)
لقد جسدت الهجرة.. الترتيب والتنظيم والإعداد الصحيح.. لضمان تحقيق الغاية والوصول إلى الهدف فظهرت وحدة الكلمة والصف في الهجرة.. فهاجر المسلمون إلى المدينة.. لم تثنهم دنيا.. ولم يغرهم مال.. ولم يفرق صفهم عدو ألهب الظهور بالسياط واستخدم كافة أسلحة الترهيب والتعذيب.. ولكنها لم تفرق أو تمزق لهم صفًا.. ولم تضعف لهم عزمًا.. ولا ألانت لهم همة.
ولقد تجلت في الهجرة.. الإرادة القوية ووضحت فيها العزيمة القوية.. كما بان ووضح فيها الزهد في الدنيا والإقبال والحرص على الآخرة.. وتجلى فيها إعداد العدة.. ورسم الخطة، فكانت هجرة إلى الله ورسوله.. سلاحها الأول هو الإيمان.. فكان التوفيق.. وكانت دولة لا إله إلا الله محمد عبده ورسوله دولة الحق والعدل.. والمساواة.. دولة الأخوة في الله والحب في الله.. أشاعت في الأرض النور والضياء والحضارة الرائدة.. لا مجال فيها للهيمنة أو السيطرة.. أو مصادرة حق الشعوب في الحياة الحرة الكريمة.. ولا قبول منها بالتبعية أو الرضوخ.
إن دروس الهجرة كثيرة.. وعظيمة.. تطرح نفسها أمام الأمة اليوم وهي في أشد الحاجة إلى التزام إيمانها وحرصها على وحدة صفها.. واستعدادها للتضحية لترد الهجمة الشرسة التي توشك أن تلحق بكافة أقطارها وشعوبها، وما أحوج الأمة اليوم إلى هجرة دعى إليها رسول ربها في قوله صلى الله عليه وسلم:'لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية'.. لتعيد سيرتها في الإباء والتضحية والبذل.. متمثلة قول ربها (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ) (آل عمران: 110)، (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ) (التوبة:111)
ونسأل الله تبارك وتعالى أن يعيد علينا هذه الذكرى الغالية وقد استفدنا منها وانكشفت الغمة، ورد الظالمين عن بلادنا الحبيبة، وجعل هلاكهم وبوارهم في تدبيرهم، وحقق النصر على أيدي المجاهدين الأبرار الأطهار.
وكل عام وأنتم إلى الله أقرب وعلى طاعته أدوم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين...
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المصدر
- مقال:كلمة المرشد العام بمناسبة العام الهجري الجديد 1424هـموقع:الشبكة الدعوية