كل الرجال …ينزلوا
بقلم : طارق حميدة
من الحكايات التي شاعت منذ عام 1967، عقب احتلال ما تبقى من فلسطين، أن حاجزاً عسكرياً صهيونياً أوقف حافلة باص تقل ركاباً فلسطينيين، ووقف أحد الجنود عند باب الحافلة وقال: كل (الزلمات- الرجال) ينزلوا… وعندما توقف نزول الرجال واصطفوا للتفتيش مبرزين بطاقات الهوية .. صعد الجندي إلى الحافلة لتفقد النساء والأطفال وإتمام عملية التفتيش …حيث فوجئ بوجود رجل عجوز ما زال جالساً في مقعده، فسأله: ألم تسمعني عندما قلت كل الرجال ينزلوا…؟ فرد العجوز لو كنا رجال كان ما احتليتوا بلادنا.
هذه الحكاية سنجعلها مدخلاً لعدد من إشاعات وحكايات الحواجز العسكرية التي تعترض حركة وتنقلات الفلسطينيين في انتفاضة الأقصى الحالية ومن هذه الحكايات :
- 1. أوقف حاجز عسكري إسرائيلي سيارة فلسطينية تحمل عشرين تنكة زيت، وهدد الجنود صاحب الزيت بأن عليه أن يسكب الزيت على التراب أو أن يشتم الذات الإلهية والرسول … فما كان منه إلا أن قام بسكبها وعندما رجع إلى قريته … وجد أن الخبر قد سبقه إليهم ووجد أن أهل القرية قد أحضروا إلى بيته إحدى وعشرين تنكة زيت .
- 2. جنود يهود عند حاجز عسكري أجبروا فلسطينياً في سيارة على سكب ما معه من الزيت، وبالفعل فقد بدأ بسكب تنكات الزيت واحدة تلو الأخرى …. حتى إذا سكب آخر الزيت فقع ومات.
- 3. قام الجنود الصهاينة على بعض الحواجز بإرغام الصائمين على التدخين في نهار رمضان.
- 4. حاجز عسكري صهيوني أوقف سيارة أجرة فلسطينية كان كل ركابها من الرجال عدا فتاة واحدة ترتدي اللباس الشرعي وذلك في رمضان … وإذا بالضابط يأمر الشاب الجالس إلى جانبها بأن يُقّبلها … وعندما رفض الشاب .. هدده الضابط مصوباً البندقية باتجاهه قائلاً بأن السيارة لن يسمح لها بالتحرك حتى يقبل الفتاة … وكان الوقت يقترب من الغروب، فما كان من الفتاة إلا أن قربت خدها من الشاب وقالت يا أخي بوسني وخلينا نمشي.
- 5. يوم عيد الفطر أوقف حاجز عسكري إسرائيلي عدداً من السيارات وأجبر الجنود ركابها الرجال على خلع ثيابهم إلا ما يستر العورة … وأرغموا النساء على الرقص أمامهم.
- 6. أرغم الجنود الصهاينة عند حاجز عسكري ركاب سيارة فلسطينية متجهة إلى القدس على النزول منها والعودة من حيث أتوا … وعندما تلكأوا في النزول وأبدوا شدة رغبتهم وحرصهم على أداء الصلاة في الأقصى … هددهم الضابط قائلاً: انزلوا بسرعة قبل ما أخليكم تصيروا "خبر عاجل".
تعكس الحكاية الأولى ما كان يعتمل في قلوب الفلسطينيين من مشاعر تجاه الحواجز العسكرية وما تمثله من عملية إذلال وإهانة وانتهاك للكرامة والرجولة … وحين يقول الرجل العجوز لو كنا رجالاً لما اغتصبتم بلادنا، فهي الجملة التي يكاد يقولها كل رجل قبل أن ينزل من الحافلة للتفتيش… ولا بد أن نكون رجالاً بحق ليس لنهان، كما يجري على هذه الحواجز ، ولكن لنزيل الاحتلال وكل توابعه وملحقاته .
فالاحتلال وسقوط فلسطين والأقصى كان يعني بالنسبة للفلسطينيين بأن الأمة ماتت ولم يبق فيها رجال،وهو ما عبرت عنه الشائعة التي تقول بأن اليهود عندما دخلوا الأقصى عام 1967 هتفوا محمد مات وخلف بنات ، حط المشمش عالتفاح دين محمد ولى وراح… ويتضمن الهتافان السابقان المنسوبان لقوات الاحتلال استثارة للرجولة والنخوة والشعور الإسلامي لرفض هذا الوضع غير المقبول، والذي يمثل وصفاً غير طبيعي أو منطقي كما هو الحال في "اعتلاء" المشمش الطارئ الصغير الضعيف، على التفاح الصلب الكبير الأدوم.
والمقارنة الأولى بين حكاية العجوز القديمة، والحكايات الأخرى في الانتفاضة الحالية، أن تلك تمثل نوعاً من البطولة حتى لو كانت حلماً وخيالاً، لكن الحكايات الجارية تظهر أن الفلسطيني على الحواجز لا يملك أن يخالف أوامر الجنود … وإن كان بإمكانه أن يختار بين أهون الشرين وأخف الضررين.
ذلك أنه منذ العام 1967 وحتى انتفاضة 1987 لم تكن الحواجز العسكرية تشكل خطورة بالغة كالتي نلحظها في هذه الظروف … كان العجوز يستطيع أن يتحدى، بحسب الحكاية، دون أن يتعرض لخطر القتل أو حتى السجن، وربما شفع له كبر سنه فجرأه على الكلام والتحدي وحال دون معاقبته بعده ،لكن في هذه الانتفاضة فإن الفلسطيني يتوقع ويتخوف من الأسوأ والأخطر فهو مهدد بالقتل ومهدد بخسارة المال والزيت وهو خائف على زوجته وابنته وأخته ولئن كان الجنود في الماضي يبقون النساء في الباصات ويكتفون بإنزال الرجال فإن الشائعة تقول بأن الجنود أرغموا رجلاً على تقبيل فتاة أو أجبروا عدداً من النسوة على الرقص عند الحاجز.
وإذا كانت الحكاية الشعبية حتى تشيع وتكون شعبية تحتاج إلى أن تكون غير بعيدة عن الواقع والمنطق والاحتمالات المتوقعة ، وإن كان يسمح ببعض الخيال والمبالغة لجسر الهوة عن الواقع والمنطق والاحتمال الصعب … فإن الحكايات في هذه الانتفاضة كانت في كثير من الأحيان أقل بشاعة من ممارسات الاحتلال سواء كان ذلك عند الحواجز العسكرية أم في المدن والقرى والمخيمات … فعلى الحواجز قتلت السيدة فاطمة حبيش قرب نابلس، وأوقفت سيارات إسعاف واعتدي على سائقيها وأطقمها الطبية بالضرب والتجريد من الثياب في البرد في منطقة رام الله، وقد كانت المعاناة في التنقل بين المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية من الخطورة إلى الحد الذي لم يكن هناك فرق كبير بين من يصطدم بحاجز عسكري أو يضطر إلى سلوك طريق "رأس الرجاء الصالح" للوصول إلى هدفه … الأمر الذي ضاعف أجرة الراكب في السيارات والحافلات وشكل عبئاً جسدياً وضعفاً نفسياً ،على الجمهور الفلسطيني الذي أصبح مهدداً في حله وترحاله.
ولما كانت بداية هذه الانتفاضة قد تصادفت مع موسم قطف الزيتون وعصر الزيت الذي ينتظره الفلاح بفارغ الصبر … فقد عكست بعض الحكايات مخاوف هؤلاء الفلاحين من نقل الزيت من المعصرة إلى البيت أو إلى المستهلكين والزبائن في الأماكن الأخرى ، فلا المشتري بقادر على المغامرة ولا البائع براغب فيها … وهل هو مستعد للتضحية برأسماله وقوت عياله وأن يرى زيته يصب أمامه أو يرغم على صبه ؟ إن روحه ستخرج معه "وسيطق ويفقع"، وما دام الفلسطيني يتوقع ويخاف الأسوأ من الاحتلال … فإنه لا يستبعد عدوان الجنود على الدين ومحاولة انتهاك رموزه وشعائره … بطلب سب الله أو الرسول أو بإرغام الصائمين على الإفطار في نهاية رمضان … ولطالما صدر عن اليهود وقادتهم تصريحات وتفوهات وممارسات عدوانية بهذا الاتجاه .
وما دام الأمر على ما سبق وصفه من التهديد والخطورة على النفس والمال والدين والعرض فإنها الضرورة بعينها ، والضرورات تبيح المحظورات ، وفي أحسن الأحوال يمكن الاختيار بين أخف الضررين وأهون الشرين فسكب الزيت أهون من الكفر بسب الله والرسول …
والإفطار في رمضان أهون من القتل …، والقبلة أخف ضرراً من القتل أو البقاء إلى أمد غير مسمى عند الحاجز … والرجوع دون الصلاة في الأقصى أهون من الخبر العاجل!!
تعكس بعض هذه الحكايات جواً من التضامن الاجتماعي يتمثل في تعويض صاحب الزيت المسكوب بمثل ما خسر وزيادة تنكة.
وإذا رجعنا إلى انتفاضة 1987 ، فسنجد حكايات وشائعات مشابهة لقصة هذه الفتاة من مثل الحكاية التي تقول بأن امرأة لاحظت الجنود الصهاينة يلاحقون أحد الفتية فما كان منها إلا أنها خبأته تحت ثيابها وظلت واقفة في مكانها حتى غادر الجنود المكان.
وعلى نفس المنوال الحكاية التي تقول بأن شاباً طرق باب أحد البيوت واستأذن بالاختباء لأن الجنود وراءه فما كان من سيدة البيت إلا أن ناولته بيجاما وطلبت إليه أن ينام إلى جانب ابنتها الراقدة في السرير ، ولما حضر الجنود وسألوها من عندها في البيت قالت أن ابنتها وزوجها نائمان وفتحت باب الغرفة ليروا بأعينهم …
وبما أن المزاج الشعبي والشعور العربي الإسلامي لا يستوعب هذا المشهد، وحتى يزول الاستنكار الذي يحسه كل من سامع الإشاعة وراويها، فإن الإشاعة تكمل بأنه في اليوم التالي أحضر الشاب أهله وخطبوا له الفتاة، وإذا لم يكن الفعل شرعياً في البداية، فليصبح شرعياً بأثر رجعي!! وهي نهاية سعيدة تنتهي بالزواج والفرح إذ قد نجى الشاب ورجع الجنود خائبين مضحوكاً عليهم .
سبق القول بأن هذا النوع من الحكايات يعكس قدراً من التضامن الاجتماعي وهو كذلك يظهر درجة عالية من التسامي الشعوري ، فالبنت التي قربت خدها لم تفعل ذلك من منطلق جنسي ، وهي كما تقول الشائعة ترتدي اللباس الشرعي وبالتالي فهي أبعد ما تكون عن التهمة، وظروف الحادث كلها تؤكد ذلك.
وكذلك فإن حادثة إخفاء المرأة للصبي تحت ثيابها أو دعوة السيدة الشاب لينام في سرير ابنتها يؤكدان مقدار ما يشعر به الفلسطينيون من الثقة العالية ببعضهم البعض مستبعدين أي إمكانية للخيانة… وقد لوحظ في انتفاضة 1987 أنه كثيراً ما تنبري النسوة لتخليص الصبية والشبان من أيدي جنود الاحتلال وكل منهن تقول اترك ولدي .
وكأن النسوة الفلسطينيات اللاتي يعتبرن الشباب أبناءهن، يقلن بلسان الحال أو المقال أنهن مستعدات لفعل ما هو أكبر في سبيل حمايتهم، وتأتي مثل تلك الشائعات لتعكس هذه المشاعر.
فالعلاقة بين الرجال والنساء في أجواء المعركة ووجود الهدف الكبير هي علاقات أمهات مع أبنائهن أو أخوات مع أخوتهن، حتى المشهد الذي قد يفسر في غير هذا الموطن تفسيراً جنسياً، فإنه هنا أبعد ما يكون عن ذلك.
والملاحظ أن المرأة التي تعتبر ضعيفة وبحاجة إلى حماية الرجل، تساهم مساهمة كبيرة في حماية الرجل حين يكون في حالة الخطر عاجزاً عن الدفاع والمواجهة.
ويبدو أن هذه الظاهرة ليست فلسطينية فقط بل قد تكون إنسانية إذ كان يلاحظ في الأفلام التي تتحدث عن بعض الثورات ضد المستعمرين والطغاة مثل هذه المشاهد، ومن ذلك بعض الأفلام التي تتحدث عن ثورة الصين ضد الاستعمار الياباني .
وعودة إلى المقارنة بين قصة الفتاة على الحاجز والمرأة التي تؤوي الشاب إلى فراش ابنتها … فالفتاة مكرهة لا بطلة… وهي مضطرة إلى ذلك والخطر عليها لا يقل كثيراً عن بقية الركاب.
وأما في قصة المرأة فهي غير مضطرة إلى إخفاء الشاب إذ بإمكانها أن تعتذر عن إدخاله، فالخطر عليه هو لأنه الملاحق … أما هي ففي بيتها، ولا خطر عليها، ومع ذلك فهي تتبرع وتقدم على عدة تضحيات وتجتاز عدة حواجز نفسية واجتماعية وأمنية لحماية الشاب … ولو كشف الجنود الأمر لكلفها الكثير … وباختصار فإن الفرق بين الحكايتين هو ذاته الفرق بين الانتفاضتين … انتفاضة البطولة (1987)، وانتفاضة الضرورة (2000)… وحتى يتغير مسار الانتفاضة … ولا يظل الرجال والنساء أيضاً ينزلون من الحافلات… ويذلون على الحواجز… فالمطلوب من الفلسطينيين، ومعهم العرب والمسلمون قادة ومفكرين وشعوباً أن يفكروا ويخططوا … ويفعلوا الكثير … والله غالب على أمره .
المصدر
- مقال:كل الرجال …ينزلواموقع:الشبكة الدعوية